تأخذك إلى أعماق الفكر

لماذا الفرنجة جائوا من أقصى أوروبا؟

هل كان فعلاً الفرنجة أو الحملات الصليبية هدفها هو نجدة أورشليم من أيد البرابرة العرب وحماية قبر المسيح الذي تم العبث به بأيدي المسلمين؟ أم كانت مجرد حملات إستعمارية هدفها هو خيرات الشرق المبهرة والكثيرة؟ الحقيقة تتضح لو نظرنا إلى الحالة الإجتماعية للفرنجة في ذلك الوقت.

لقد كانت أوروبا تعيش أسوء عصورها وأتعس أوقتها، و لقد عرفت بإسم العصور الوسطى أو عصور الظلام وهي فترة معروفة ومشهورة و يعرفها الجميع، حيث كانت الطبقة الشعبية في الدرك الأسفل من الإنحطاط والفقر والجوع والتسخير والعذاب، و كان الشعب يتألم من حاضره الموجع ويحزن لمستقبله الأسود المكبل بسلاسل العبودية والتسخير المظلم، ولقد كانت الضرائب سائرة والمجاعات حاضرة، حتى سمعوا صوت منادي ينادي بأن أرض الرب تنتكهك من البرابرة المتوحشين في المشرق، ويجب أن نخلصها من أيدي هؤلاء الهمجيين، و كان من ينادي بهذا هم الرهبان والقساوسة و (بابا الفاتيكان) نفسه، حيث دعى الناس بكل وسائل الإقناع و الإغراء الدينية و الدنيوية لكي يثير ويشعل صدور الناس البسطاء للخروج مع هذه الحملات، كما أنه أعلن أنه من خرج في الحملة الصليبية سوف تغفر ذنوبه وتكفر معاصيه وتحل عليه مرضاة السماء، وفي نفس الوقت ذكر أن ليس هدف الحملة هو إحتلال مدينة واحدة فقط بل (جميع مدن العرب في آسيا) والإستفادة من ثرواتها و كنوزها، فلم يكن من الشعب الفرنجي البسيط الفقير إلا أن يخرج من أجل الدين أو من أجل المال، ولقد تملك فعلاً الكثير من الفرنجة الفقراء أراضي في الشرق وأموال كثيرة، ومن الأسباب القوية التي توضح أن هذه الحملات لم تكن إلا مجرد هدف إستعماري معظم هدفه هو المال والثروات هو أنهم قاموا بحملة صليبية على القسطنطينة المسيحية نفسها التي كانت أكبر الداعمين للحملات الصليبية، حيث إستولوا عليها وعلى كنوزها الثمينة وأموالها الوفيرة، فلقد كانت جوهرة أوروبا في ذلك الوقت.

و بهذا السبب يكفي بأن نقول أن هذه الحملات لم تكن لحماية الصليب في الشرق، فالمسيحيين في الشرق هم من أصحاب الأرض لهم حرية معتقداتهم وأفكارهم ولا يمسهم الأذى ولا السوء و لا هم كذلك معنا فلهم دينهم ولنا ديننا. والخلاصة، إنما هو فكر إستعماري تجسد في الصبغة الدينية كما تجسد قبل ذلك في العصر الروماني الوثني على صبغة المجد والشرف، ويستمر هذا الفكر الإستعماري حتى يومنا الحالي حيث تجسد في صبغة الحريات و الديمقراطية وغيرها من الأسباب المضحكة والتافهة، التي أودت بحياة الكثير من الناس الأبرياء و أودت بسرقة خيرات الشرق التي لا تنتهي.

“ولكن نضع هنا سؤال آخر مهم”،

لماذا فكر الفرنجة في بلاد الشرق .. أو ما هي الفكرة التي جذبتهم إلينا؟

((السلطان ألب أرسلان السلجوقي كان سبب من أسباب الحملات الصليبية)) !

فبعد موقعة ملاذ كرد التي إنتصر فيها ألب أرسلان على الإمبراطورية البيزنطية، إستنجدت بيزنطة بأوروبا وبابا الفاتيكان، مع العلم أن أوروبا في ذلك الوقت لم تكن مقسمة إلى دول بل كانت ممالك متفرقة بين الأمراء والملوك الذين يحكمون بالنظام الإقطاعي البحت ويستخدمون القسوة والتسخير البشع في معاملة الشعب البائس الفقير، وبعد أن وصلت رسائل النجدة والمدد من بيزنطة إلى روما خرج بابا الفاتيكان والرهبان لكي يبشروا بحملة صليبية في الشرق ومن هنا خرجت (الحملة الصليبية الأولى) وبدأوا في تجهيز الحملة وإعداد الفرسان وتدريب الجنود وصنع السيوف.
ولكن وسط هذا كله ظهر رجل عجوز فقير زري الهيئة حافي القدمين ممسك بيديه صليب كبير من الخشب ومعه حماره الذي قيل أن منه شبه عجيب! إسم هذا الرجل (بطرس الناسك) _احفظوا هذا الإسم جيداً_ هذا الرجل كان يمر على قرى فرنسا ويجمع حوله الفقراء والنساء الخاطئات و أصحاب الديون وبعض الفرسان الفقراء ويخطب فيهم بأن مدينة الرب في الشرق تنتهك من الكفار، وأن قبر المسيح تلوث بأيدي العرب البرابرة الأشرار وأنه قد بعثه المسيح لكي يخبر الناس بأن يحاربوا من أجله، ولقد كان فصيح اللسان و بليغ البيان، ويعزف على أوتار العواطف الدينية عند الناس، ولقد إعتبره الناس قديس لما رأوه من فقر مقدح فيه كأنه رسول، حتى أنهم كانوا يتبركوا بحماره ويجمعوا شعر الحمار لكي يتبركوا به في كل وقت.
والعجيب أن هذا الرجل الشيطان إستطاع أن يجمع حوله 100,0000 شخص من فرسان غير متعلمين وفلاحين وشباب و نساء وأطفال، وإستطاع إقناعهم بإسلوبه العميق بأن يذهبوا لحملة في الشرق، فكانت هذه الجملة بمثابة هجرة جماعية إلى بلاد الشرق بهدف محاربة العرب وتخليص قبر الرب من أيديهم، ومن هنا بدأت ((الحملة الصليبية الشعبية)) وهي قبل الحملة الصليبية الأولى التي كان ما يزال يتم التجهيز لها، ولقد كانت هذه الكتائب الشعبية في غاية الفوضى والإضطراب ولا تخضع لقيادة منظمة ولا تستوفى شروط القتال فكان أكثرهم عزل و أطفال ونساء، ولم يكن يعرف هؤلاء الناس ما قدر مسافة الطريق الضخمة التي سوف يعبروها وما هي قوة الجيش الذي سوف يقابلهم عند الشرق، والغريب أنهم في طريقهم إلى الشرق نهبوا وسرقوا كل قرية أو مدينة يمروا بها، حتى إذا رأى الناس خراب في مكان عرفوا بأن جيش الرب قد مر من هنا، و حتى أنهم كانت لهم معارك طفيفة مع بلغراد والمجر بسبب سرقاتهم، ثم بعد هذا وصلوا إلى القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية وجوهرة أوروبا في ذلك الوقت، فعندما دخلوها فزعوا من جمال هذه المدينة الرائعة وفزعوا من الكنائس الضخمة و إنبهروا بملابس الناس ومجوهراتهم و صدموا بأناقة الجند وهيئة وتنظيم الجنود العالية، فلم يستطيعوا التحمل فنتشروا في كل مكان للسرقة و النهب والإستيلاء على كنوز المدينة الغنية، فغضب إمبراطور بيزنطة وأمر بأن ينقلوا مباشرة بالسفن إلى الجانب الآخر وهو الأسوء وهو الجانب الإسلامي السلجوقي، فنهمر عليهم السلاجقة بقيادة السلطان قلج أرسلان وقتلوهم وأسرواهم ولم يتبقى منهم أحد، وانتهت قصتهم البائسة إلى هنا، ثم جائت الحملة الصليبية الأولى و هؤلاء قصتهم طويلة فلقد قاموا بمجازر ضد الإنسانية تثبت أن هؤلاء لم يأتوا لدين ولم يأتوا للرب إنما جائوا لكي يسرقوا أموال الناس وينهبوا كنوز البلاد فلا يوجد دين يتحلى بأخلاق الفرنجة لا دين مسيحي ولا يهودي ولا حتى دين وثني.

ولكن ما معنى كلمة الفرنجة أو الإفرنج؟

المراجع التاريخية العربية الحديثة تستخدم الآن لفظ الصليبيين والمراجع الإنجليزية تستخدم لفظ (The Crusaders) هم أصلاً قبائل جرمانية كثيرة أو تسمى الجرمنيون، وقد توحدوا واستقلوا وسكنوا غرب ألمانيا وشمال فرنسا “حالياً” وكانت بينهم وبين الإمبراطورية الرومانية القديمة صراعات دامية ومشهورة، وأما كلمة ” الفرنجة ” فنراها باللغة الإنجليزية تعني (Franks) وهي تستخدم في المراجع التاريخية الأجنبية الحديثة ولدينا أيضاً كلمة ” الفرنجة ” باللغة الأسبانية والألمانية تعني (Franjieh) وهي قريبة إلى اللفظ الذي أطلقه العرب المسلمون قدمياً على الصليبيين أي ألا وهو لقب “فرنجة”، ونلاحظ التشابة بين كلمة (Franks) وكلمة (France) أي فرنسا وهي باللغة الفرنسة والإنجليزية معاً، وباللغة الألمانية كلمة فرنسا تعني (Frankreich).

ونلاحظ أن العرب قد أطلقوا على الصليبيين لقب ينسب إلى جنسهم وليس إلى دينهم فيبدوا أنهم عرفوا أن غرض هؤلاء ليس الدين إنما هو الغرض هو ثروات الشرق ولكن خبئوا هذا تحت ستار الدين، وهذا يدل على أن العرب كانوا على علم ودراية بهذه القبائل البعيدة و عن أصلهم فكان هناك الرحالة و التجار الكثر في ذلك الوقت، والحديث عن الحملات الصليبية طويل وملئ بالأحداث المثيرة جداً والمفيدة جداً، والحملات الصليبية كثيرة فعددها عشرة حملات وهذا إذا أضفنا إليها الحملة الشعبية.

المصادر:

* أ.د/ قاسم عبده قاسم (ماهية الحروب الصليبية).

*محمد العروسي المطوي .. ((الحروب الصليبية في المشرق والمغرب))
ويذكر هذا الأديب التونسي الكبير (رحمة الله عليه) أن هناك سبب ثالث لهذه الحروب وهو أنها حدثت بسبب الحقد على إنتصارات المسلمين المتتالية التي كسحت الرومان على أراضي الشرق الأوسط كلها و وصلت حتى أسبانيا و وسط فرنسا .. وإني نويت إن شاء الله بأن أنشر سلسلة عن الحملات الصليبية وأحداثها المثيرة بين الطرفين بأقوال المؤرخين الذين شاهدوا وعاصروا واختلطوا بالفرنجة .. لكم كل تحياتي وإحترامي.

مصادر مهمة يمكنك الإطلاع عليها

*أحمد اقر (الحروب الصليبية)

*كارين أرمستونغ (الحرب المقدسة_الحملات الصليبية وأثرها على العالم)

*ستيفين رانسيمان (الحروب الصليبية من كليرمونت إلى أورشاليم)

إعلان

* د/ أسامة زكي زير (الصليبيون وإسماعلية الشام في عصر الحروب الصليبية)

*أ.د./ ممدوح حسين (الحروب الصليبية في شمال أفريقيا وأثرها الحضاري)

*أمين معلوف (الحروب الصليبية كما رآها العرب)

مساهمة من 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.