تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف تسحرنا النهايات المفتوحة في الأدب

يقول محمود درويش “إن البداية أخت النهاية فاذهب، تجد ما تركت هنا في انتظارك”. الناظر في حياة البشر يجد فيها العجب العُجاب، كم من أشياء ظننا استحالة حدوثها وحدثت! وكم من قصص أشبه في تفاصيلها بالأساطير، وكم مرةٍ جاءنا الأمل من حيث لا ندري ولا نحتسب بعدما أغلقنا على أنفسنا داخل غرفة اليأس المُظلمة…هكذا هي الحياة، لا شيئًا فيها متوقع، دومًا ما تُدهشك بأحداثها.

الأدب ما هو إلا محاكاة لحياة البشر، خلق الأدب ليجعل لنا أجنحة نحلق بها في سماء الخيال الفسيحة، ويترك لنا فسحة من الأمل، وفي بعض الأحيان الألم، الألم الذي يُعلمنا كيف نحيا. ولما كانت حياة البشر مليئة بالمتناقضات والأعاجيب؛ صار من المستحيل التنبؤ بخاتمة أي قصة من قصص البشر، نحن لا ندري على أي فصل سيسدل الستار: على فرح أم جرح، على لذة لقاء أم لوعة فراق، على قلب ساكن مطمئن أم روح خاوية مُهشمة…الكثير والكثير من الاحتمالات التي نتأرجح بينها. وهكذا كانت النقطة الأصعب -في نظري-في أي عمل أدبي والتي على أساسها أُقيّم هذا العمل: النهاية. لا يعنيني المتن كثيرًا بين حاشيتي الكتاب بقدر ما تعنيني خاتمته؛ فإن نجح الكاتب في إدهاشي بخاتمته صار هذا العمل من أحب الأعمال إلى قلبي.

النهايات نوعان، إما أن تكون مُغلقة؛ بمعنى ألا يدع لك الكاتب أي مُتسع للتخيل ويوصد الباب في وجهك مما لا يدعك تفكر كثيرًا في العمل بعد نهايته…فقد انتهي كل شيء. والنهايات المُغلقة أنواع فإما أن تكون نهاية كنهايات الأفلام الكلاسيكية التي تنتهي بنهاية ساذجة كما أفلام ديزني؛ فمهما كان الصراع في العمل ومهما كانت المُعضلات ينتهي كل شيء في النهاية ويتزوج البطل البطلة ويسدل الستار على مستقبل مشرق وقصة حب لا تنتهي، وهناك النهاية السوداوية التي تنتهي بفاجعة أو موت البطل الرئيس في العمل.

النوع الثاني من النهايات هو النهاية المفتوحة، والتي أرى فيها سحرًا لا يقاوم. أن يترك القارئ الكتاب وفي قلبه أمنية أن تنتهي تلك القصة على خير، وأن يظل تفكيره أسيرًا لشخوص وأحداث العمل الذي كان بين يديه.

بعض النهايات لا تُنسى…

طالما وُجدت حياة، ثمة أمل لا محالة. لا أحد يستطيع أن يُسطر نهاية لحياة أحدهم وإن كانت كل المقدمات تفضي إلى نتيجة واحدة؛ دومًا ما سيكون هناك شيء يفاجئك حتمًا. إن للنهاية المفتوحة سحرًا يفوق سحر النهايات المُغلقة حتى وإن أغلقت بشيء من إقناع والحبكة.

إعلان

من بين الأعمال التي أحببت نهايتها: نهاية رواية “الطريق” لنجيب محفوظ. منذ بداية الرواية تبدو الأحداث شائكة والصراع على ذروته من اللحظة الأولى. هي قصة صابر الشاب المدلل الذي نشأ في كنف أم أسست لنفسها إمبراطورية من كل الأعمال المشبوهة، وبدخولها السجن ورحيلها في الأخير تتعقد حياة صابر، وما يزيد حياته تعقيدًا السر الذي تلفظه شفتا أمه وهي على حافة الموت: “والدك الحقيقي سيد سيد الرحيمي”. ثم تدور الأحداث على أوجها في رحلة بحث بين القاهرة والإسكندرية عن الأب المفقود. وفي القاهرة يقع صابر في شباك قصة حب نقية، وأخرى ملوثة تتخللها قصة خيانة لصاحب الفندق الذي يُقيم فيه، وتنتهي بقتل صابر لصاحب الفندق بدفع من زوجته والتي هي نفسها عشيقة صابر. لا لحظة انفراج واحدة طوال الرواية والتي تفضي أحداثها إلى أنه من المحال العثور على المدعو “سيد سيد الرحيمي”، وتزامنًا مع القبض على صابر يترك نجيب محفوظ خيوط الرواية من بين يديه ويتركك مع نهاية هي الأروع في توظيفها. سيكون عملًا رديئًا رتيبًا لو خُتم بإعدام صابر، وسيكون ضرب من السذاجة وعدم احترام لعقل القارئ لو أنهيت الرواية بالنهاية الكلاسيكية بأن كل شيء أصبح بخير واخلدوا للنوم أيها الصغار. جاءت نهاية نجيب محفوظ فيها من الأمل والواقعية ما يجعلك تترك العمل وأنت راضٍ، ومعجب بذكاء الكاتب الذي احترم عقلك حتى آخر لحظة؛ فكانت هذه هي النهاية:

آه كنت أزور إلهام وأخاك الأستاذ إحسان كل أسبوع ولا أدري أنني بطريقة ما قريب منك وأنك جار لبرهان صديق الرحيمي!

-هكذا تقع الأمور عادة…
-كانت هناك فرصة نادرة للبحث.
-الأمل مع ذلك لم ينعدم.
– كيف، أي أمل؟
– أن نستبدل المؤبد بالإعدام.”

“آه الذكرى التي تموت وهي على طرف اللسان. وتشكيلات السحب التي تعبث بها الرياح. وعصارة الألم المُنصهرة وراء القضبان. والسؤال الأعمى والجواب الغشوم.
وقال: يبدو أنه لا جدوى من الاعتماد على الغير.
فابتسم المحامي في تسامح وهو يقول: بل هناك جدوى دائمًا فيما هو معقول.
فهز منكبيه قائلًا: فليكن ما يكون”.


كذلك جاءت نهاية رواية بهاء طاهر “نقطة النور” بشيء من الواقعية التي تحفها أجنحة الأمل؛ فبعد مرض الجد، وبيع البيت، عادت حبائل قصة الحب التي قد مُزقت للالتئام من جديد.

“سألها سالم في انزعاج: لماذا تبكين يا لبنى؟
لم ترد. وراح يراقبها بعينين قلقتين ودموعها تنساب دون أن تنشج أو يصدر عنها أي صوت. وكانت أفكار كثيرة تتدافع في ذهنه وتطارد بعضها دون أن ينطق. أراد أن يسألها كيف خرج من بيتها في ليلتهما الأخيرة معًا، وأن يقول لها سأكفر عن ذنبي بعد أن يشفي الله جدي، وأن يسألها لماذا غيرت لون شعرها! لكنه بدلًا من ذلك كله كرر سؤاله:
لماذا تبكين…هل قُلت شيئًا؟
مسحت لبنى دموعها براحتيها وقالت بعد لحظة: لا يا سالم، أنت لم تقُل شيئًا!
سألها في حيرة ماذا أقول؟
فابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تقول: حدثني ماذا يقول جدك عن الأرواح؟
– يقول كل الأرواح جميلة وكلها طيبة.
– وهل قال لك يا سالم ما الذي ينقذ هذه الأرواح؟
– نعم، قال الحب…

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دينا سعد

تدقيق لغوي: عمرو النجار

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.