تأخذك إلى أعماق الفكر

كريستوف كولومبس .. اكتشاف أمريكا

هل كنت تتخيل أن يكتشف كريستوف كولومبس الأمريكتان، ولا تُكتب على اسمه تخليداً لذكراه بل سُميت بإسم صانع خرائط إسمه “أمريكو فسبوتشي” ولكن أحقاً أن كريستوف هو أول من وطأت قدماه أرض تلك القارة البعيدة؟؟

فقبل أن يُولد بألف سنة اكتشف أمريكا كاهن بوذي من الصين اسمه “هوشن”، ثم قبل مولده بخمسمائة عام تمكن رجل آخر اسمه “ليف اريكسون” من اكتشاف أمريكا هو الآخر. لكن التاريخ سيشرف اسم كريستوف كولومبس إلى الأبد، كرجل له شجاعة الأبطال وتصميمهم الذي لا يعتريه وهن، فمن ذا الذي آمن بفكرته في تجربة واكتشاف أراضٍ جديدة لم تسمع بها الآذان من قبل، لكنه لم يمتلك سوى سلاحٍ واحد وهو التصميم والإرادة لتحقيق الهدف.

أغلب الظن أنه وُلد في جنوا- بإيطاليا في سنة 1451 ودرس في جامعة بافيا ثم أقدم على إرتياد البحار، فانضم إلى بحارة إحدى سفن القراصنة، ولم يكن في ذلك الحين هذا الأمر بالغريب حيث كانت أحسن الأسر في ذلك العصر تُرسل أبناءها إلى بلاد الغربة على ظهر سفن القراصنة، حيث يربي في الصغار ملكة الثقة بالنفس. وكان كريستوف كولومبس قد درس في المدرسة وهو صبي كتاباً لفيثاغورث يضع فيه نظرية أن الأرض كروية، ومن هنا جاءت الفكرة، فقد تخيل أنه إذا كانت الأرض مستديرة فلابد أنه يستطيع أن يجد طريقا مختصراً يقوده مباشرة إلى الهند.

ولكن أساتذة الجامعات وفلاسفتها الراسخين في العلم سخروا من فكرته السخيفة، ماذا؟ هل يقترح هذا المجنون الوصول إلى الهند التي تقع في أقصى الشرق، بالإبحار مباشرة إلى الغرب؟ أيعقل هذا؟ بالطبع لا. وهكذا كان رأيهم أن الأرض ليست كروية بل مسطحة، وحذّروه من تنفيذ فكرته التي لو أقدم عليها لكان انتحاراً، بل لقد نبّهوه إلى أن مراكبه سوف تمضي إلى آخر الدنيا وهناك ستسقط في فضاء ليس له غور!!

حاول كريستوف كولومبس سبعة عشر عاماً أن يجد ممولاً واحداً يقبل إمداده بالمال لتنفيذ مغامرته ولكن دون جدوى، وأخيرا استولى عليه اليأس واستعد للعدول عن فكرته، فلجأ إلى أحد الأديرة في أسبانيا ليقضي بين جدرانه بقية أيامه، ولم يكن يومئذ قد بلغ الخمسين من عمره بعد، ولكن أخيراً أفلحت مساعيه، فطلب البابا إلى الملكة إليزابيث ملكة أسبانيا أن تمد إليه يد المساعدة، فمرت الملكة بالسفن التي كان في حاجة إليها، ولكن مشكلة جديدة نشأت، فقد تعذّر عليه أن يعثر على الملاحين والبحّارة الذين يبحروا معه، إذ كان الكل يهابون مسايرته في مغامرته المجهولة المدى، وماذا فعل كولومبس؟ لجأ مع البعض الآخر إلى الرجاء، فالإغراء بالمال، فالتهديد، بل لقد أطلق سراح نفر من المجرمين وعرض عليهم رد حريتهم إليهم ، إذا هم قبلوا السفر معه.

إعلان

وأخيراً أتم العدة لكل شئ.. وقبل شروق شمس يوم الجمعه 3 أغسطس سنة 1492م بنحو نصف ساعة، أقلع كريستوف كولومبس بسفنه الثلاث ورجاله البالغ عددهم ثمانية وثمانين في رحلة من أهم الرحلات وأعظمها أثراً في تاريخ العالم، وعاونه فردينان ملك أسبانيا أيضاً لإثبات فكرته، ولما انقضت عشرة أسابيع والسفن تمخر عباب اليم دون أن يبدو للبر أثر، تمرد البحارة بل وهددوه بقتله إذ لم يعد أدراجه ولكنه ظل يجيبهم جواباً واحداً لا يتغير وهو ” أبحروا..أبحروا.. أبحروا.”

لكنهم وصلوا في 2 أكتوبر سنة 1492 إلى جزيرة سماها كولومبس “سان سلفادور” كما اكتشف جزرا أخرى حولها منها “هايتي” وقام كريستوف كولومبس بثلاث رحلات أخرى، واكتشف في ثانيتها جاميكا وجزر البحر الكاريبي كما اكتشف في الثالثة “ترينيداد والبرازيل” وسُجن وأطلق سراحه في 1502 قام برحلة وصل فيها إلى رأس هند.

لكن المغامر الطموح لم يجد في المستعمرات التي اكتشفها وأسسها في العام الجديد إلا خيبة الأمل والمصائب، فقد قتل أهل المستعمرة الأولى جميعاً من الهنود الحمر، وبلغ الحسد بحاكم المستعمرة الثانية حداً جعله يتهم كريستوف كولومبس بإرتكاب شتى أنواع الجرائم، حتى قبضت عليه السلطات وأُعيد إلى أسبانيا مصفداً بالأغلال، وما كاد يصل إلى أسبانيا حتى أُخلي سبيله، وبرغم ذلك فإن حزنه وخيبة أمله من جراء ما أصابه، تركته كسير القلب مكسور الفؤاد. فحين أنه كان يتوقع أن يقتني من إكتشافه ثروة فمات معدوماً، ومُني في وقت من الأوقات بلقب أمير المحيط، ونائب الملك في الهند، ولكنه لم يحصل على شئ من أمانيه هذه، وحتى الزهو باكتشافه لم يحصل عليه فقد ظن أن ما اكتشفه لم يكن سوى طريق جديد إلى الهند ليس غير، وكان ذلك هو السبب وراء تسمية سكان أمريكا ذوي البشرة الحمراء بإسم “الهنود الحمر”

مات كريستوف كولمبس في 29 مايو سنة 1506م، في سن الستين، مجهول القدر من الناس، محروماً من كل تكريم، مات في حجرة رثّة، رديئة التهوية، علّق على جدرانها تلك الأصفاد التي صُفّد بها في السجن، وقد احتفظ بها تذكاراً محزناً لما لما تحفل به الدنيا من غرور وعقوق، ولكن أبى التاريخ إلا أن يعطيه قدره ويختفظ به في ذاكرته بأنه أحد أبطال العالم الشجعان.

المصادر:
25 شخصية غيروا العالم "ديل كارنيجي"
موقع ويكيبديا
موقع موضوع

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دينا البديوي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.