تأخذك إلى أعماق الفكر

نفحات من كتاب مع الله للشيخ محمد الغزالي

مع الله . عنوان كتاب من كتب الشيخ محمد الغزالي، الداعيه المجاهد الذي لطالما أفنى حياته وسنين شبابه في خدمة الدعوة والزود عنها.
شيخ من القلائل الذين أقتنعوا بأن الدعوة لا بد لها من عقل ناضج يحركها، لا عقل ساذج يبطئ من حركتها. ولطالما قال بأن الصديق الجاهل يسئ إلى الإسلام أكثر ما يسئ العدو إليه ..
عنوان هذا الكتاب ربما يوحي إليك بأنه مجرد تراتيل صوفيه، تدفعك إلى اعتزال العالم واجتناب الشهوات والإعراض عن الدنيا، أو لعل هذا العنوان يوحي إليك بأنه كتاب يتحدث عن الإنجازات الكونيه، والأفلاك السماويه، على نحو يدهش عقلك ويداعب خيالك .
إن هذا الكتاب في الحقيقه مع الله علي نحو أخر، أنه يلاصق الإنسان في دروب حياته المختلفه، إنه يعلم المرء أن يتصل بالله في حقول عمله وميادين جهاده، ويدفع الفلاح أن يكون مع الله في حرثه، كما يدفع الحاكم أن يتعبد إلى الله في محراب المؤتمرات السياسيه والإجتماعات الرسميه، و يضع قدمك على الطريق ويوفق بين الروح والماده، فكم من متعبد زاهد في محراب مسجده، فإذا ما خرج إلى محراث عمله وخالط العامة، انطفأ نور الإيمان في قلبه وذهبت رياح الماده بشعاع الروح، حتي فهم القوم أن العمل في محراث الدنيا مضاد للتعبد في محراب العبادة.
ولذلك يرى الشيخ أن الإسلام لا بد له من إيمان راسخ يصحب المرء أينما حل، يصحبه في بيعه وشراءه ، في هزله وجده، فبهذا الإيمان وحده يكون المرء مع الله، ويكون الله مع المرء كما قال تعالي (ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).
وقد ركز الشيخ في كتابه مع الله على استهداف الدعاه، ليستقوا من ماءه العذب ما يذهب ظمأهم الفكري والمعرفي، ويفيض هذا الماء على قلوبهم فيروا به عامة الناس العطشي إلى الحق..
كما يري أن للعقل مكانة خاصه، وأن الأمم العظيمه ليست إلا صناعة حسنه لنفر من الرجال الموهوبين، ولذالك على الأمه أن تعد الدعاه أصحاب العقول الضخمة، والقلوب الرقيقة الشفافة الاخرويه، والقوالب الدنيويه، حتي لا ينفر العامة منهم .
وبناء علي ذالك كتب هذا الكتاب، وسنسير في سلسله من المقالات علنا نستقي من نفحات هذا الكتاب هدى ينير عقولنا وقلوبنا..
والنفحة الاولي ستدور حول مقولة حسنه قالها الشيخ وهي (أن الصراط المستقيم هو خط معنوي ترسمه حسب طبيعة كل إنسان إرشادات الوحي الأعلي) .
فالصراط المستقيم من وجهة نظري هو ليس صراطا يري بعين واحده، بل هو يري بأعين مختلفه، فهو يشمل جميع اختلافات النفوس البشريه، وليس واحده من هذه الإختلافات هي الصراط المستقيم وسوف نوضح ذالك .
أن الدعاه ينبغي عليهم أن يعرفوا جيدا أن نفوس البشر مختلفه، والاحتياجات النفسيه لديهم مختلفه، فلكل شخصية مفتاح تستطيع من خلاله أن تفتح قلب هذه الشخصيه وتسكب فيه ما شئت من الأفكار، وعلى الداعيه أن يفطن لذالك ويعرف جيدا أن لكل إنسان مدخل يتحدث معه من خلاله عن الإسلام، وذالك لأن البشر محكومون بعواطف وثورات نفسيه تتحكم بهم، والمتأمل في طريقه نشر الإسلام في بداية الدعوه سيستشف ذالك واضحا، فسيجد أن الرسول نشر الإسلام من مداخل مناسبه جدا بالنسبه لعصره، ففي الوقت الذي كان فيه بلال يعاني من أغلال العبوديه وظلم الساده للعبيد، وجد محمدا يحدثه عن دين يدعوا إلى الحرية، ويتحدث عن تلك الأمور النفسيه التي تنقص بلالا في ذالك الوقت، دين يجعل لبلالا قيمة وحياة تليق بالانسان، وفي الوقت الذي كان فيه أبو بكر ومن على شاكلته رضي الله عن الجميع، أرواحهم تطوق إلى الخصال المحموده، ونبذ الجاهليه والدعوه إلى مكارم الأخلاق، وجدوا محمدا يحدثهم عن (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )،فاستمعوا له منصتين، لأنه كطبيب نفسي يعرف جيدا ما تحتاجه نفوسهم فيحدثهم عنه، وفي الوقت الذي كان فيه عمر يبحث عن الوحدة وعدم تفريق الجماعه، وإقامة دوله قوية عادله، وجد دين محمد يخرج الناس من وحدة قريش المحدوده، إلى وحدة تجمع العالم كله تحت مسمي شريف ألا وهو الإسلام، وحده لا تفرق بين جنس، أو لون، أو طائفه …
من هذا السرد المختصر أريد أن ألفت انتباه الدعاه، أن عليهم أن يدرسوا جيدا الناحيه النفسيه للأشخاص الذين يوجهون الدعوة إليهم، ويقتنصوا النقص الذي يعتريهم في نفوسهم، ويحدثونهم عن الإسلام من خلال هذا النقص، فالإسلام كامل ويشمل جميع اختلافات اهواء البشر، فمن يهوى بطبعه الروحانيات العاليه وتزكية النفوس، علي الداعيه أن يحدثه عن الإسلام من زاوية التصوف والرقي الاخلاقي، ومن يهوى إقامة العدالة وردع المجرمين المفسدين، على الداعيه أن يحدثه عن الحدود الرادعه للمجرمين في الإسلام، ويحدثه عن اعتناء الإسلام بإقامة الدول العادلة، ومحاربه الظلم بكافة أشكاله، وهذا النوع لا يجدي معه نفعا مدخل التصوف، لأنه سينفر منه، ويظن أن الإسلام هو دين للدروشة والانزواء في زوايا نائيه عن العالم، فنفسه لا تفهم ولا تحتاج هذه النكهه من نكهات الإسلام..
ومن يهوى الطقوس الدينيه، والمظاهر الإسلاميه، على الداعيه أن يدخل له من مدخله، وأن يبين له كيف أن الإسلام يحث علي تربيه اللحى وتقصير الثوب وما إلى آخره ..
فكل نفس لها ما تميل إليه، كل نفس تنقصها نكهة معينه، على الداعيه أن يتعرف علي هذه النكهه، ويوفرها للشخصيه، فالإسلام يحوي هذه النكهات جميعا، ولكن ليست أي نكهه من هذه منفردة هي الإسلام…

لينك الكتاب على موقع goodreads

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

الدعوة التقليدية أنصارها في ذبول .. مقال أحمد الشنطوري

علي الحفناوي يكتب للمحطة القتل بإسم الدين

إعلان

كريم البكري يكتب للمحطة الدماغ التي تبحث عن كل ما ھو « إسلامي »

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.