تأخذك إلى أعماق الفكر

كارلو ميشيلستيدتر.. ومأساة الفِكر

ولعلَّ دعوةَ بعض الصَّيادين له للبقاءِ معهم والعيشِ في البحرِ كان عرضًا جذَّابًا، وعلى الرَّغمِ من أنّهُ لم يأخذِ العرضَ بجديَّةٍ، إلَّا أنَّهُ منحَهُ الشُّعورَ بأنَّهُ جزءٌ من هذهِ الطَّبيعةِ، ولكنْ يظلُّ ميشيلستيدتر مخلوقًا فكريًّا، فالمقارنةُ الجميلةُ بين عقلِهِ والبحرِِ تنقلُ لنا تأثيرَ احتياجاتِهِ ومشاعرِهِ الفوضويَّةِ وشدَّتِها، فيقولُ:

“عقلِي مثلُ البحرِ المُتموِّجِ الذَّي يعكسُ جميعَ الأضواءِ، جميعَ السَّمواتِ، إلَّا أنَّ ذلك يُحطِّمُها جميعًا عندَ نقطة الوصلِ، لكنَّ القاعَ لا يزالُ غامضًا ومُظلمًا… بكلِّ تأكيدٍ لديَّ ما لا يحتويهِ البحرُ: لديَّ عذابٌ متواصلٌ من نوايا الماضي، والتزاماتِ المستقبلِ، من التَّطلُّعاتِ المُختلفةِ وغير المُحقَّقةِ، والوعي بعدمِ وجودِ معنًى لي (أنَّني غيرُ صالحٍ من البدايةِ) في هذا العالمِ الذَّي تنظمُهُ الأفعالُ، فضلًا عن الفكرِ والفنِّ، من الحياةِ التَّي تتبدَّدُ في انتظارِ ماذا؟! وَهْمِ التَّشكُّلِ التَّدريجيِّ! هذا الذَّي لا وجودَ لهُ.”

ما كانَ للصُّورةِ الجماليَّةِ أن تكونَ أكثرَ تأثيرًا، فالبحرُ – وهوَ رمزُ قوَّةِ الطَّبيعةِ وحيويَّتِها، ولا تناهِيها وحريَّتِها، يتزامنُ هنا -أو على الأقلِّ كما يحاولُ “كارلو ميشيلستيدتر” أنْ يُبيِّنَ- معَ الفِكْرِ والرُّوحِ المُطلقةِ، إنَّ هذهِ مُحاولةٌ  كُتِبَ لها الفشلُ، حيثُ أنَّ الفِكْرَ والرُّوحَ لن يتطابقا أبدًا.
إنَّ عقلَ ميشيلستيدتر مثلُ البحرِ، بقوَّتِهِ ومتانتِهِ وحريَّتِهِ، ولكنْ أيضًا بعتمتِهِ، ولا عقلانيّتِهِ، وجانبِهِ المُضطَّربِ، إنَّ الصُّورةَ الجماليَّةَ للعقلِ-البحرِِ تثبتُ عدمَ تقبُّلِهِ لأنْ يكونَ مُجرَّدًا مثلَ البحرِ أو الصَّيَّادِ، كما تثبتُ حاجتُهُ ومحاولتُهُ المستمرّةُ ليكونَ كلَّ شيءٍ: الطَّبيعةَ والرَّوحَ، والأفعالَ والمثاليَّةَ لدرجةِ الكمالِ، وتتوالى الإحباطاتُ، فيقولُ:

“أدركُ برعبٍ مُتنامي أنّه مَحكومٌ عليًّ بالبقاءِ خارجَ كثافةِ الحياةِ وعاطفَتِها وعظمتِها، وأنَّه لن يكونَ لي أبدًا وسيلةٌ لأعيشَ  ذلك بداخلي”

وأثناء إصابتِهِ بالاكتئابِ يعترفُ:

“لن يكونَ هناكَ ما يمكنُني القيامُ بهِ أكثرَ منَ الحياةِ الجسديَّةِ العنيفةِ، والتَّجوّلِ على ظهرِ الخيلِ عِبر السُّهولِ، والنَّومِ ليلًا في خيمةٍ لأُحصي النُّجومَ.”

إنَّ حضورَ ليوباردي قويٌّ هُنا، كما أنَّ هذهِ الاستجابةَ السَّلبيَّةَ القُصوى لهذهِ المسألةِ البلاغيَّةِ قويّةٌ كذلك، فبالنِّسبةِ للرَّاعي الليوباردي”******، فإنَّ حياةَ الطَّبيعةِ ليست كافيةً لميشيلستيدتر، إلَّا أنَّ الرّضى الفكريِّ لا يتحقّقُ لهُ:

“ليسَ هناك أيُّ احتمالٍ لي أنْ أحتضنَ الكُلَّ الأكبرَ… لذا أنا لا أستطيعُ التَّفكيرَ أو الكتابةَ أو الرَّسمَ، إنّني أكرهُ نفسي… فلكم تعاسَتِي، ولا أرى أيَّ فرصةٍ للتَّغييرِ سوى إلى الأسوأ.”

إنَّ إدراكَ كارلو ميشيلستيدتر الكامل لهذا التَّوترِ داخلَ نفسِهِ يكونُ أكثرَ وضوحًا عندما يغادرُهُ صديقُهُ ريكو على متنِ سفينةٍ إلى المغامرةِ الأمريكيَّةِ، فيشعرُ بالإعجابِ والحسدِ معًا، وينجحُ في تحليلِ مشاعرِهِ المُتناقضَةِ تلكَ بشكلٍ، يتيحُ لَهُ أنْ يُعلِّقَ في رسالَتِه إلى نينو حولَ صديقِهِمَا المُشتَركِ، قائلاً: “رسالةٌ حولَ ريكو… تَعتملُ النَّارُ في صدري بقدِر ما أفكّرُّ فينا، نحنُ اللَّذان نَحسُدَاه، ممنوعانِ من الرَّغبةِ في الوصولِ إليهِ بسببِ نفسِ الأشياءِ التَّي مَنعتْنا من المُغادرَةِ مَعَهُ” إنَّ ميشيلستيدتر ينتمي فقط إلى جزءٍ من “عِرق هؤلاء الذَّين بَقوا على الأرضِ” وكانت هذهِ مأساتُهُ.

إعلان

إنَّ الصَّفحاتِ المائَةَ الجدليَّةَ التَّي يُكرِّسُها “كارلو ميشيلستيدتر” “للبلاغةِ”، تُملِيها حاجَتُه القويَّةُ للأصالةِ وكراهيتُهُ للنِّفاقِ والكلامِ الفارغِ، فتمكَّنَ من خلالِها أخيرًا أنْ يكونَ فعَّالًا، لأنَّهُ لمْ يستطعْ أنْ يكونَ كذلك مُطلقًا في حديثِهِ عن “الإقناعِ”, ففي “البلاغةِ” يمتلكُ أرضيَّةً صُلبَةً يتحرَّكُ عليها، وأعداءً حقيقيّينَ ليُهاجِمَهم. تتَّصفُ لهجتُهُ بالسُّخريةِ، بل وبالمكرِ، فيكشفُ عن إحباطاتِهِ بوصفهِ إنسانًا، “فالإقناعُ” لا يُمكنُ تحقيقُهُ، بل منْ غيرِ المُجدي الحديثُ عنهُ، حيثُ أنَّ”الإقناعَ” – كما يعلمُ – لا يُمكنُ صياغَتُهُ في كلماتٍ – لأنَّهُ بذلك سيتحوَّلُ حتمًا إلى “البلاغةِ” – إذْ يجبُ أن يُعاشَ، وأمسى الآنَ قادرًا على تعريفِ ماهيَّةِ “البلاغةِ”، مع تقديمِ الكثيرِ منَ الأمثلةِ، فهو في ظاهرِهِ بلاغيٌّ عظيمٌ ممَّا ينجمُ عنهُ سُمُّهُ وغضبُهُ، ففي معركتِهِ الدَّقيقةِ ضدَّ “البلاغةِ”، وجدَ نفسَهُ عالِقًا فيها.

إنَّ حياةَ “الإقناعِ” لا يُمكنُ بُلوغُهَا، وبالتَّالي يُصبحُ الإنسانُ ضائعًا في بحثِهِ عنها، فيحتاجُ إلى المساعدَةِ والتَّمسُّكِ بشيءٍ ما أو شخصٍ ما، فيطلبُ أنْ يُمثِّلَ شيئًا بالنِّسبةِ لشخصٍ ما، “ونظراً لأوهامِهِ، فهو يُطلقُ على ما “يكون” ما “يكونُ له”، ويحدِّدُهُ بأنَّهُ جيدٌ أو سيءٌ وفقًا لما يُعجِبُهُ أو لا يُعجِبُه” فيخلقُ “البلاغةَ” رُغما عن  أنفِهِ. ويبدو من الصَّعبِ أنْ نتصوَّرَ أنَّ ميشيلستيدتر، الذَّي وجدَ نفسَهُ عالِقاً في هذا الطَّريقِ المَسدودِ، رفضَ التَّغلُّبَ عليهِ بقبولِهِ، على اعتبارِ ذلكَ الوسيلةَ الوحيدةَ المُتاحَةَ للإنسانِ، وعلى الرَّغمِ منْ أنَّهُ أكَّدَ على أنَّه :”يجبُ على الإنسانِ أنْ يكونَ راضيًا عنْ الوضعِ التَّقليديّ لتقبُّلِ الظَّلامِ”، إلَّا أنَّهُ هو نفسُهُ لم يتمكَّن قطْ منْ تَقبُّلِ الظَّلامِ، واستمرَّ في القتالِ من أجلِ ضوءٍ لا وجودَ لَهُ، ومعَ ذلك، كانَ مُدركاً أنَّ النُّورَ الوحيدَ الذَّي يُمكنُ الحصولُ عليهِ في هذا العالَمِ هو ضوءُ الشَّخصِ الذَّي “يُحوِّلُ نفسَهُ إلى لهبٍ”.

ولعلَّ الخُطوةَ التَّي لمْ يستطعْ “كارلو ميشيلستيدتر” اتّخاذَها، أو ربّما لم يرغبْ في اتِّخاذِها، هي التَّي قامَ بها هايدغر عندما أكَّدَ أنَّ اللُّغةَ هي جوهرُ الوجودِ، ويُواصِلُ أتباعُهُ إلى اليومِ على هذهِ الشَّاكلَةِ، فالحقيقةُ “ليسَ لديها طبيعةٌ ميتافيزيقيةٌ أو منطقيَّةٌ، بل هي فقط بلاغيَّةٌ”. ويقولُ جياني فاتيمو:”الحقيقةُ هي نتيجةُ التَّفسيرِ… لأنَّهُ في العمليَّةِ التَّفسيريَّةِ فقط تُشكِّلُ الحقيقةُ نفسها”. وهذهِ هي التَّأويليَّةُ، في فلسفةِ اليومِ، والتَّي “إذْ تُورِثُ نزعةً فكريَّةً مُنتشرَةً في القرنِ العشرين وتَصِلُ بها إلى عواقِبِها، فهي تُركِّزُ على العلاقةِ بينَ اللُّغةِ والوجودِ، وعلى الميزةِ التَّفسيريَّةِ لكلِّ الوجودِ”، ويُطلِقُ فاتيمو على فلسفَتِهِ الجديدةِ “الأنطولوجيا الضَّعيفةِ” أو “الأنطولوجيا التَّعدديَّةِ”، التَّي لا تُمثِّلُ التَّعدديَّةَ فيها لحظةَ يتمُّ إنقاذُها وتخطِّيها من أجلِ توليفةٍ أسمى، من أجلِ وحدةٍ نهائيَّةٍ، بل هي حالةٌ دائمةٌ. ويرى فاتيمو في هذه العلاقةِ بينَ ذاكَ الوضعِ وإعادةِ اكتشافِ العُنصرِ المأساويِّ للحالةِ الإنسانيَّةِ، ما يُميِّزُ بعضَ الفلسفةِ الوجوديَّةِ الجديدةِ، لفلاسفةٍ من أمثالِ: لويجي باريسون و ماسيمو كاتشار، ومعَ كلِّ هذا، مثلما قالَ داريو أنتيسيري، فإنَّ لهذا “الفِكرِ الضَّعيفِ” بواطنُ قوَّتِهِ التَّي تَكمُنُ في ” قُدرَتِهِ على فهمِ حُدودِهِ”.

إنَّ الخطابَ الذَّي وضَعَهُ هايدغر وأتباعُه هو خطابٌ نظريٌّ، فالوجودُ لا يتواجدُ سوى في صيرورتِهِ، وفي علاقَتِهِ بنا باعتبارنا مُفسِّرينَ لَهُ، أمَّا البارمينيدية فلا وجودَ لها، أو لتحرِّي الدِّقَّةِ أكثرَ، فإنَّها لا تهمُّنا، لأنَّها حتَّى لو كانَ لها “وجودٌ”، فلنْ نتمكَّنَ من إدراكِها، ويُوجّهُ هذا الاكتشافُ البشرَ في حياتِهم النَّظريَّةِ والعمليَّةِ، الحياة التَّي يجبُ أنْ نتقبَّلَها بحدودِها ونعيشَ داخلَها.

أمَّا ميشيلستيدتر، الذَّي اتَّبعَ هذا الخطابَ النَّظريَّ حتَّى النِّهايةِ، لمْ يستطعْ أن يتخلَّى عن البارمينيدية، مُدركًا تمامَ الإدراكِ، وباتِّباعِ منطقِهِ بشكلٍ مُتماسكٍ، أنَّ حيازةَ المُطلَقِ مستحيلةٌ، حيثُ يمثِّلُ ذلكَ تناقُضًا، كما أدركَ أنَّ “الإقناعَ” مُعضلةٌ، لذا كانَ مسعَاهُ نقلُ “الإقناعِ” منَ الأُسسِ الخَطرَةِ للنَّظريَّةِ إلى أُسُسِ المُمارسَةِ، فلا يمكنُ إدراكُ “الإقناعِ” والتَّعبيرُ عنه من خلالِ المفاهيمِ – فعندئذٍ يتحوَّلُ إلى “بلاغةٍ”؛ أيْ يجبُ أن يُعاشَ. ومن ثُمَّ، لا ينبغي البحثُ عن المعرفةِ المُطلقةِ، وإنَّما حياةُ المُطلقِ.

لذا يواصلُ “كارلو ميشيلستيدتر” بحثَهُ، فقد علَّمَ كُلٌّ من سقراط والمسيح الإنسانَ أنْ يَنبُذَ الجانبَ الماديَّ المحدودَ من طبيعتِهِ ليُؤكِّدَ نفسَهُ ككائنٍ مُكتفٍ ذاتيًا، ومُستدِيم ذاتيًا، دونَ احتياجٍ إلى الاعتمادِ على العالمِ الخارجيِّ ومُستقلًا عنه، وبما أنَّ الحياةَ إنما الاحتياجات، فإنَّ إنكارَ كلَّ الاحتياجاتِ هو الموتُ، والفردُ المحدودُ الذَّي يريدُ لنفسِهِ اللَّانهائيَّةِ، يُدركُ ألا سبيلَ لهُ إلى ذلك إلَّا بتدميرِ كيانِهِ الإمبريقيِّ المحدودِ.
وعلى الرَّغمِ منْ أن لا أحدَ قادرٌ على التَّيقُّنِ من الأسبابِ وراءَ انتحار ميشيلستيدتر، فمن نافلةِ القُولُ، إنصافًا لضحيَّةِ الفِكْرِ الصَّادقِ، أنَّ ذاكَ المنطقَ الدَّقيقَ قدْ أدَّى بهِ إلى النَّتيجةِ القائلَةِ بأنَّ:

“فقطْ عندما لا تريدُ، سيكونُ لديكَ ما تريدُ، لأنَّ ما تريدُهُ هو الوجودُ المُطلقُ، وإرادَتُكَ ما هي إلَّا الطَّارئ: فهي (ليست شيئًا) في حدِّ ذاتِها… وطالما أنّها ستكونُ،فإنَّ جسدَكَ سيُلقِي ظلًِا فلا تستطيعُ أن ترى. وعندما ينتهي وجودُكَ، ستتمكَّنُ من الرُّؤيةِ.”

فاختارُ أنْ لا يكونَ بعدَ الآنَ.

*بينيدتو كروتشه: فيلسوف مثالي ومؤرخ إيطالي
**شقيقة الشاعر والكاتب الإيطالي جاكومو ليوباردي

***البارمينيدية: هي رؤية نسبة إلى الفيلسوف بارمينيدس التي توحد بين العقل والوجود، وأن واقع العالم وجود واحد، غير متغير
**** جوزيه أليساندرو جوسيبي كاردوتشي هو مدرس وشاعر إيطالي موهوب، لقب بشاعر البلاط
***** زينو كوسيني، هو بطل رواية "ضمير السيد زينو" للكاتب الإيطالي إيتالو سفيفو
****** يقصد الكاتب بالـ"الراعي الليوباردي" قصيدة جوكومو ليوباردي Night Song of a Wandering Shepherd in Asia
"الأغنية الليلية للراعي الهائم في أسيا" التي تحكي عن راعي مستلقي بجانب قطيعه النائم، وينظر إلى القمر ويخاطبه، ويطرح عليه أسئلة لا إجابة لها حول معنى الحياة
مصدر الترجمة
دراسة: دانييلا بيني
المعنونة "كارلو ميشيلستيدتر: ومأساة الفِكر"
اضغط هنـا

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: كريم سعد

تدقيق لغوي: ديما الخطيب

تدقيق علمي: ليلى أحمد حلمي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.