تأخذك إلى أعماق الفكر

قراءة في كتاب (نيتشه مكافحًا ضدَّ عصره): هل أنا نيتشويّ؟

أما إذا خُيِّر زاردشت في أن يتخلى عن واحد من اثنين، الكبرياء أو الحكمة، فإنه لاشك سيختار الكبرياءَ؛ ذلك لأن الحكمة التي لا يصحبها الكبرياء لن تكون فعلا إنسانيا بحال من الأحوال. وعندما يفقد الإنسان الكبرياء واحترام الذات، فسوف يعتقد أن حكمته إنما جاءت هدية من السماء. زيادة على ذاك فإنه سيقول: يا له من أحمق هذا الإنسان، أنَّ له من الحكمة أكثر ممّا أرادت السماء أن تعطي.” [1] صـ 67.

الإنسان الأعلى من وجهة نظر نيتشه، هو من تتكوّن حكمتُه من خلال تجريد نفسه من كل الماورارئيات ونبذ كل محاولة لازدراء الواقع والوجود والذات والجسد باسم الروح والحقيقة المزعومة، ويجب أن ينطلق من نفسه وليس من وصايا عُليا؛ وهذا ما يحصل إن امتلك الكبرياء الذي يدفعه إلى احترام نفسه وأن يكون إِلَهًا بذاتهِ؛ يجعل منها محور وجود. وإنْ فقد الإنسان هذا الكبرياء فسوف يظن أنَّ حكمته تنبع من وجود آخر؛ من الآلهة والدين والسلطة والكهنة. ومنه قد يكون المُفكِّرُ الأعلى في عصرنا هذا هو مَنْ يمتلك هذا النوع من الكبرياء، بأن يكون ذاتًا حكيمةً أعلى من آلهة أولئك؛ فَاقِدِي كبريائهم،  إلى هؤلاء المنقادين نحو السماء والكهنة والسلطة في ازدراء أنفسهم وواقعهم، وبهذا قد يدمّر كل شيء “فكريا” ليصنع عالما تدور حكمته المرفقة بالكبرياء نحو قِيَمه السامية الخاصة واستمراريّتها؛ حين يتحمّل تلك المسؤولية فإنه يُنْجِي من حوله من خلال إعلاء نفسِه البنّاءة الممزوجة مع الواقع المتجرِّد من كل ضعف ومثالية وتنظير خادع لما بداخله؛ والأمر هُنا لا يُعرِّف ما هي القِيَم، بل يدفع كنهج فكري لطريقة صياغتها فقط.

قوّة الإرادة

لا يكتفي شتاينر بذكر اقتباسات نيتشه وتحليلها بل يذكر أيضًا اقتباسات الفيلسوف فيتشه حول إرادة الإنسان ونشاطه والقوّة التي تجرّه إلى ذلك، وهذا يصبّ في نهاية المطاف في تحليل مفهوم الإرادة عند نيتشه، وبالرغم من أن هذه الطريقة قدّ تُسبّب بعض التشتيت في البداية، ولكنها تنصب الأمور في ميزان المقارنة لمفاهيم الإرادة والسلوك البشري ومنبع السمات الأخلاقية، فلا يطول الأمر حتى يتَّضِحَ للقارئ ماذا يعني نيتشه بأن يجعل المرء من نفسه سيدًا وممتلكًا لإرادة القوة. وقدْ يصعب تفسير ذلك دون الاستفاضة بالشرح الذي يَبرع فيه شتاينر في عمله هذا، ولكن، يُمكن اعتبارُ حالة الإرادة أنها حالة مُختلفة باختلاف الإنسان وعقله، فمنهم من ينطلق من الذات الأُخرى والوصايا بتبعية غير مسؤولة وضعيفة، وهذا لعجزه عن الانطلاق من طبيعة قوية وذاتية ومستقلة عن كل أشكال الضعف؛ وهل لنا أن نتخيّل كم يمتلك هذا الجدل الدائر بين فيتشه ونيتشه أهمية فكرية حول موضوع الإرادة؟

يقول زاردشت:

أين أرى شبيهي، وكل من هو على شاكلتي؟ الذين يعطون أنفسهم لإرادتهم، ويديرون ظهورهم لكل أشكال الخنوع.

ويقسِّم فريدرك نيتشه البشر إلى نموذجين؛ قويّ وضعيف، ومع أن هذا ينال الكثير من النقد الذي قدْ يصل إلى وصفه بالعنصريّ أو المرجع للأنظمة الفاشية، بل ويرى بعض القُرّاء أن نيتشه مُلهم للنازيّة والتيارات العرقية التي تعبِّر عن ذاتها أنها النموذج الأقوى، ولكن ينقد الباحثون والمترجمون لأعمال نيتشه هذه الادِّعاءات، وهذا بدوره ما يُدْخِلُ فلسفة نيتشه في جدلية أُخرى تتناول كيفية التعامل مع الضعفاء “كما يصفهم نيشته” وما هو أثرهم السلبي على المجتمع والحضارة ومسيرة الإرادة، وتبعا لذلك؛ فإن نيتشه لا يؤمن بإمكانية المساواة بين البشر؛ فهناك دائمًا مُبدعون وكُسالى، وإرادة القوة تختلف بين النموذجين؛ فإمّا أن تكون قاسية تلتزم بالجبروت، وإمّا أن تكون ضعيفة تلتزم بالشفقة واستلاب الذات، وقدّ وردتْ على لسان زاردشت بعضُ المقولات الحادّة بشأن هذا، فقال:

لقد فعلت الحرب، وكذلك الشجاعة، أعظمَ الأشياء في التاريخ. أمّا محبّة الجار فلم تفعل شيئًا، وليست شفقتكم، إنما شجاعتكم هي التي أنقذت جموعَ التعساء.

ويقول رودولف شتاينر بشكل مباشر في هذا الصدد:

يرى نيتشه في السلوك البشري استجابة لسلطة الغرائز. وبما أن هذه الغرائز مختلفة لدى الأفراد المختلفين؛ لذلك فهو يرى أنه من الضروري أن تكون أساليب السلوك لدى البشر مختلفة، ومن هنا فهو يعدّ بحق خصمًا عنيدًا للمبدأ الديموقراطي؛ بمعنى حقوق متساوية، وواجبات متساوية للجميع، الناس حسب نيتشه غير متساوين، ولهذا فإن حقوقهم وواجباتهم لا يجب أن تكون متساوية.

وهذا التلخيص العدائي لأيديلوجية المساواة في عصرنا الحاضر، هو بطبيعته اشتقاق من إرادة القوة لدى نيتشه وليس عقدا اجتماعيًا؛ فإنَّ نيتشه حاول جاهدًا أن يُعلي نموذجه القوي إلى مرتبة قادرة على بناء الحضارة والقِيَم. ومع ذلك، وكما يُبدي نيتشه تحذيره ويُعبِّر مترجمو نيتشه عن نصوصه: حذاري من أي فهم أخلاقويّ لنيتشه.

إعلان

التطوُّر ومساره لدى نيتشة

يتطرق رودولف شتاينر في هذا القسم إلى عمل نيشته الأخير، والذي لم يكتمل؛ إرادة القوة. والذي وصل التعبير الفلسفي فيه إلى أقصى مداه، ويتناول هذا القسم أربع محاور أساسية في تفكير فريدرك نيتشه:

  1. نقيض المسيح، محاولة نقد المسيحية.
  2. الفكر الحر، نقد الفلسفة من حيث كونها حركة عدمية.
  3. اللاأخلاقي، نقد الشكل الفاجع للجهل والأخلاق.
  4. ديونيزيس، فلسفة العود الأبدي.

ويفسِّر شتاينر رؤية نيتشة للإغريق ومولد التراجيدية عندهم، فإن نيتشه يجد تعبيرًا عن شعور عميق لدى الإغريق، ومن صميم هذا الشعور المأساوي ينشأ لديهم النزوع الذي يجعلهم قادرين على تَحمُّل وجودهم؛ فقد بحثوا طويلا عن تسويغ الوجود ووجدوا ذلك في عالم الآلهة والفن، ولكن يبقى السؤال الأساسي لدى نيتشه في (مولد التراجيديا): إلى أي حدّ بدا الفن الأغريقي قادرًا على الإعلاء من شأن الحياة؟ وإلى أي حد استطاع أن يحافظ عليها؟

وربّما أسئلة نيتشه هذه قدّ تولَّدَتْ من إيمانه بأن الفنَّ له قوة تدفع الحياة نحو الأعلى، وهذا من أهم ميزاته الشخصية كموسيقيّ سابقًا وكشاعر وفيلسوف لاحقًا. ومن أهمِّ ما يميُّز شخصيته تبعًا لذلك أيضًا، هو نفوره من الأفكار المنطقية والعقلية المحكومة بالقوانين للتفكير، ويرى أن أصحاب تلك الأفكار يقعون تحت هيمنة العقل وحده؛ ومن خلال هذا التوجُّه قدّ اعتبر أن الفكر السقراطي -الذي أعلى العقل وحده، بل اعتبره العنصر الإلَهي الوحيد، وبالتالي فهو ما يبقى بعد الموت: خلود العقل [6]- هو أول من دمّر الثقافة الأغريقية.

ودراسات نيتشه في تتبع التاريخ لتحقيق مفهوم الجيناجوليا، مثلما فعل عندما تتبع أنماط الأخلاق تاريخيًا، ومثلما تتبع مفهوم العالم الحقيقي والعالم الظاهري منذ أرسطو حتى عصره، فقدْ نال التاريخُ اهتمامًا كبيرًا في فكر نيتشه، ولكن مع ذلك وضع حدوده وصفاته؛ ليكون صفة قوة وليس ضعفًا؛ أي أنَّ هذا التاريخ لا يجدر به غير أن يكون بناء للواقع وليس دافعا لأي تزمّت فكري يمنع إبداع الأفكار الجديدة. يقول نيتشه ليسمح لطغيان الحس التاريخي مقابل الحاضر:

ذلك أن على الإنسان أن يتعلم قبل كل شيء أن يعيش وألا يستخدم التاريخ إلا لصالح الحياة التي تعلمها.

 بدأ نيتشه بالتحرُّر من فلسفة شوبنهاور في عمله (إنسان مفرط بإنسانيته) في عام 1878، فقدّ تخلّى هذا الكتاب عن كل الأسباب الفوق طبيعية لتفسير الطبيعة، ومنه انطلق نيتشه إلى الواقع الذي يصفه؛ بأن ليس هناك نظام أخلاقي يشمل العالم متعاليًا على الأرض، كما لا توجد قوانين أبدية عن الخير والشر، بل إنَّ القواعد الأخلاقية بذاتها انطلقت من الغرائز والدوافع الطبيعية المتحكمة في الإنسان. وبهذا مُهِّد الطريقُ لنيتشه ليُبدع بواقعيّته بعد أن أسقط كل قوة عُليا أو أسباب ميتافيزيقية أو سلوكيات بشرية لا تنبع من الطبيعة والغريزة الواقعية في سيرورة التاريخ؛ إذ لا يوجد قيد يمكن أن يحكم مسير هذه المعرفة الحُرّة، يقول شتاينر أنه من هذه النقطة بالتحديد انطلق نيتشه لإبداع قِيَم جديدة بعد أن تعمَّق في معرفة وتحليل القِيَم القديمة.

فلسفة نيتشة كمعضلة سيكولوجية

يتطرّق شتاينر في هذا القسم لوضع نيتشه تحت مجهر علم النفس، ومع أنه يؤكّد صعوبة ذلك باعتباره معضلة سيكولوجية، ولكنه يسعى لتحليل هذا التناقض الذي حلّ في حياة نيتشه بدءًا من أولى مراحل شبابه في عمر السابعة عشر عندما كان مؤمنًا صادقًا ويكنّ للربّ وقِيَم المسيحية كُلَّ الحبّ والإخلاص، بل التقديس الذي لا يبدو أنه بالإمكانِ زعزعته… وهكذا حتى انقلابه للإلحاد بالإله وإعلانِ موته، وضرب كل تلك القِيَم دون أن يذكر تفاصيل هذا الحدث وماهية هذه المرحلة الانتقالية، بل إنه يعتبر تلك المرحلة (كما ذكر في كتابه هذا هو الإنسان) وكما ذكرت في بداية المقال: أنها بديهية؛ لذا لم يُعِرْها أيَّ اهتمام في أي مرحلة من حياته، كما أنَّ كل الأفكار حول الإلَه والخلود والحياة الأُخرى كانت بالنسبة إليه أفكارًا طفولية وإنكارها من البديهيات التي تنبع من غريزته الحقيقية..

يعرض شتاينر في صدد ذلك مجموعة من الأقوال الأولى في حياة نيتشه مقارَنةً بأقوال متقدّمة عنها، وهذا لا يُمثِّل تراتبية في تفكير نيتشه من مرحلة نحو مرحلة أكثر تقدُّمًا، بل تُمثِّل تلك المعضلة السيكولوجية  والفيزولوجية في حالته النفسية والجسدية؛ والتي بدورها لم تنطلق إلّا من طبيعة الغرائز نحو الحياة دون أنْ تُعيرَ أيَّ اهتمام لمنهج ثابت أو واضحِ المعالم، ويمكن اعتبار حربه على صديقه القديم مثالاً على ذلك أيضًا، فقد كانت حربًا على نفسه؛ ويشدّد نيتشه على الرأي القائل بأنَّ تبدُّل طريقة الرؤية ناتج عن  ما يطرأ على حالته الصحية من تبدلات؛ حيث يقول في مذكراته التي كتبها عام 199 (كتاب هذا هو الإنسان):

الفيلسوف الذي شقَّ طريقه من خلال التغيُّرات التي اعترت حالته الصحية، دون أن يتوقف عن السير في طريقه، لابد أنه اخترق أنماطًا متعددة من الفلسفة. وهو لا يستطيع أن يفعل شيئًا سوى أن يُحَوِّلَ في كل مرة ضالته وأبعاده الروحية إلى أشكال. إن الفلسفةَ ليستْ شيئًا سوى فنّ التحويل هذا.

ولهذا تتصل فلسفة نيتشه دائمًا بفهم حالته السيكولوجية والفيزولوجية، وربّما هذا ما يفسِّر النبض الحسّاس والشعري في نصوصه؛ كونها تنطلق من باطنه المُمتلئ بالغرائز نحو الأوراق دون أن تمرّ على منهج ثابت، ولهذا قدْ تضرب مطرقتُه رأسَ القِيَم، ثم تضرب رأسه وهكذا، ومنه قدْ تولَّدَتْ لدينا رؤية عن رغبة نيتشه بإنكاره من تلامذته وأن لا يكون صنمًا.. يقول رودولف شتاين:

لا يمكن فهم التناقض البالغ لدى نيتشه إلا إذا أُخِذَتْ حالتُه الجسمانية بعين الاعتبار.

قد يوافق القارئ على بعض الأفكار ويرفض الأُخرى، وقد يتشرّب فلسفة نيتشه كاملةً دون اعتراض وربما يُخالفها كاملةً، ولكن، من الصعب أن يكون نيتشويًّا إنِ اعتبره صنمًا أو فكرًا لا يحتاج إلى الجدل والمحاربة والنبذ كُلَّ عصر.

نرشح لك: نــظـرة شــاملة على فلسفة نيتشه

مراجع أساسية:
[1] شتاينر، رودولف. نيتشه مكافحًا ضدَّ عصره، ترجمة: حسن صقر.سوريا: فواصل للنشر والتوزيع، 2019.
[2] نيتشه، فريدريك. هكذا تكلم زاردشت. ترجمة: علي مصباح، بيروت-بغداد، منشورات الجمل، 2007.
[3] نيتشه، فريدريك. هذا هو الإنسان. ترجمة: علي مصباح، بيروت-بغداد، منشورات الجمل، 2003.
[4] Nihilism, Internet Encyclopedia of Philosophy
[6] شورون، جاك. الموت في الفكر الغربي، يوسف كامل، مراجعة وتحقيق: د.إمام عبد الفتاح إمام. لبنان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر صـ 61-63

مراجع ثانوية:
[5] فريدرك نيتشه، في الميزان بين العدمية والوجودية، الباحثون السوريون.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مجد حرب

تدقيق لغوي: عبدالعاطي طُلْبَة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.