تأخذك إلى أعماق الفكر

قد يكون الانتحار هو أشدّ الخيارات منطقية: نظرة مُختلفة لظاهرة الانتحار.

فورتونا، وكما هو واضحٌ من اسمها، هي إلهة الحظ عند الرومان. يتأمل سينيكا الحياة، ويجد أنها “قد حملت البعض إلى القمم التي يُريدونها، رغم تلكؤهم في الطريق، ودهست الكثير وحرمتهم مما يتوقون إليه، على الرغم من اجتهادهم ومثابرتهم المهولة”.[5]

توصل سينيكا إلى حقيقة أن السعي لا يُتوّج بالضرورة بالوصول، وأعزى ذلك إلى إلهة الحظ، فورتونا، والتي تعمل بشكلٍ غامض لتحقيق مآربها الشخصية المجهولة، إنها تُريد شيئًا ما، أو تعمل باعتباطيةٍ محضة، ذلك لا يُهم، المُهم أنها تستمر في خداع البشر، في وهبهم أشياء فيتَوهم البشر أنهم يستحقونها، وسلبهم أشياء أخرى فيتعزّون بأنها لم تكن لهم من البداية. والحقيقة أنه، ووفقًا لسينيكا، لا أحد يملك أي شيء أصلًا، ولا يجوز أن نقيس استحقاقيتنا في الحياة وفقًا لما تهبنا إياه فورتونا أو تأخذه منا، ذلك أنها لا تبالِ بنا وما نحن سوى أدوات.

ولأنني، وكما ذكرت، مُعجب ببلاغة سينيكا وبساطته، فأحبذ في هذا السياق الترجمة على النقل. يقول سينيكا مدافعًا عن حق الإنسان في الرحيل:

“حياةٍ كهذه، كما تعلم، لا ينبغي دومًا التمسك بها. ذلك أن مجرد العيش لا يُعدّ خيرًا، بل العيش بسعادة. لذلك، سيعيش الإنسان الحكيم بقدر ما ينبغي عليه أن يعيش، وليس بقدر ما يستطيع. ذلك الحكيم ينظر مطولًا إلى المكان الذي سيعيش فيه، والشخوص الذين سيعيش معهم، والطريقة التي سيمارس بها وجوده، ومن ثمّ يُقرر ما الذي ينبغي عليه فعله. ذلك أن ما يُهمه هو جودة السنين التي يعيشها، وليس عددها. فعندما يرى أن الكثير من النكبات تُلحقه بالأذى وُتعكّر صفوه، يُطلق سراح روحه. وتظل هبة هذا الاختيار مُتاحةٌ دومًا، ليس فقط حينما تغشو حياته الفوضى، بل في أي وقتٍ تمارس فيه فورتونا حيلها عليه؛ فينظر حوله في تأن، ليعلم إذا ما كان ينبغي عليه الرحيل أم البقاء. الحكيم لا يجد فرقًا بين الرحيل بشكلٍ طبيعي، أو الرحيل بإرادته، لا يُبالِ ما إذا كان الموت سيأتيه في صباه أو في شيبه. هو لا يواجه الموت مرتعدًا، وكأنه خسارةٌ فادحة، ذلك أنه ليس بوسع الإنسان أن يخسر الكثير إن لم يبق في كأسه سوى بضع قطرات. لا يكون السؤال عمّا إذا كان ينبغي أن تموت الآن أم في وقتٍ لاحق، بل عمّا إذا كنت ستموت بسعادةٍ أم بشقاء. والموت بسعادة، هو أن تهرُب من العيش بشقاء”.[6]

دافيد هيوم ونقده للمنظور الديني.

يبدو حديث سينيكا شاعريًا وإنسانيًا من الدرجة الأولى، إلا أنه لن يلقى إعجابًا كبيرًا بين المُتدينين. فمفكري اللاهوت أبدو اعتراضًا واضحًا على فعل الانتحار، رغم أن الأمر لم يُذكر بشكل واضح في الأناجيل، وعلى صعيدٍ آخر، ذُكر التحريم بشكلٍ مُباشر في السنة الإسلامية.

إعلان

يصف إيمانويل كانط قراءاته لمؤلفات ديفيد هيوم على أنها “ما دفعه للإفاقة من غفلته الدوجماطيقية”، أي ما دفعه للتشكيك والسؤال والتمحيص في الإجابات الجاهزة والأوامر الصلفة التي تُمليها السُلطة الدينية. وعلى رغم من اختلاف كانط مع هيوم في أخلاقية الانتحار، حدّ أنه وصف المُنتحر بكونه “حيوانٌ تخلّى عن إنسانيته”، فإننا نودّ لو نتأسى بكانط في قراءتنا لهيوم، عسى أن يُعيننا على التخلي عن تعصبنا ويُنمي فينا التعاطف والإحساس بالآخر.

يُمكننا تلخيص الصراع الفلسفي الذي قام بين الحركة اللاهوتية – توما الإكويني خاصة – وديفيد هيوم حول أخلاقية الانتحار، بذكر النقد الذي وجهه هيوم إلى حجة أن “الانتحار يتعارض مع الحكم الإلهي، لذا فهو خاطئ أخلاقيًا”، ويأتي هذا النقد في ثلاث نقاط [7]:

  • إذا كان “الحكم الإلهي” هو “قضاء الله”، وإذا كُنّا بانتحارنا نُحرّف القضاء الإلهي، ونعبث بالفطرة التي جبل الله عليها الحياة، فذلك يعني أن أي فعلٍ نتدخل به معارضةً لقضاء الله هو فعلٍ خاطئ. ولكن ذلك ليس صحيحًا، فالله كثيرًا ما يسمح لنا بمعارضة قضاءه، فلا يتوقع منّا مثلًا ألا نستجيب للأمراض والكوارث التي يُبلينا بها. فليس ثمة تبرير منطقي، في وجهة نظر هيوم، يجعل بعض التدخلات مُباحةٌ وأخرى مُحرمة. فإذا أباح الله لنا أن نُحرّف مجرى الماء في الأنهار بالمناجل للري، فذلك يعني أنه ليس ثمة ما يُحرّم أن نُحرّف مجرى الدماء في الأوردة بالأمواس للخلاص.
  • إذا كان “الحكم الإلهي” هو مجموع القواعد التي وهبنا الله إياها، والتي هي قواعدٌ: أ-منطقيةٌ، ب-وتضمن لنا السعادة إذا ما التزمنا بها. فكيف يكون الانتحار مُخالفًا للحكم الإلهي إذا كُنّا نجد في موتنا شيئًا منطقيًا، وإذا ارتأينا أن سعادتنا ستأتي عن طريق الموت؟
  • وأخيرًا، إذا كان “الحكم الإلهي” يعني ببساطة ما يحدث وفقًا لإرادة الله، فإنه من الواضح أن الله يريد جميع ما نفعله (ذلك أن الله كُلّي القدرة وإذا لم يستسغ شيئًا من أفعالنا لأمكنه التدخل بسهولة) ولا يُمكننا التمييز بين ما يُريده الله وما لا يُريده. فإذا كان الله قد جعلنا خلفاءه في الأرض، فإن رحيلنا من هذه الأرض يحدث بتعاونه وتحت عينه تمامًا كما هو الحال مع أي فعلٍ آخر نقوم به.

وفي النهاية، يسأل هيوم، إذا كانت الحياة هي هدية من الله، فأي هدية تلك التي لا نستطيع رفضها؟ ألا تُعد حينئذٍ، سلبًا لحريتنا وانتهاكًا لحقنا في تحديد المصير؟.

ولكن الحياة مقدسة؟

إن أول جملة ارتطمتُ بها حينما سألت مُحرك البحث عن حُكم الانتحار في المسيحية، هي وصية المسيح : لا تقتل. والاستنباط، الواضح جدًا من وجهة نظرهم، أن ذلك يشمل قتل النفس.

إن وصية المسيح تلك قد أرست دعائم المذهب الفلسفي الذي يدعو بقدسية الحياة في ذاتها، بغض النظر عن السعادة، والدور المجتمعي لهذه الحياة. ويُسمى هذا المذهب بالمذهب الديونطولجي (Deontology).[8]

ولكن قدسية الحياة في ذاتها هو أمر مُلتبسٌ إلى أقصى حد، فإذا أخذنا بوصية المسيح، يكون القتل مُحرماً في كافة أشكاله، وهذا يضمن أحكام الإعدام والدفاع عن النفس وحالات القتل الرحيم، أو حتى فصل الأجهزة الطبية عن الميتين إكلينيكيًا، مما يُفضي بنا إلى نوعٍ رديءٍ من أنواع السلمية.

والحق أن الموجة الحداثية التي اكتسحت العالم، والتي تنظر إلى الانسان بمادية مُرهقة، لا تمدنا بتعريف عن الحياة أكثر من كونها عدم توقف وظائف الإنسان العضوية. وإذا كانت الحياة هي هذا التعريف المجرد، فإنه من غير المنطقي بالتأكيد أن تكون مُقدسة، إذ يتساوى في القدسية المجرم، والطبيب، والمُغتصب، والقاضي. إن هؤلاء الذي ينادون بقدسية الحياة في ذاتها يُجرّمون بالضرورة المقاومات ضد المعتدين والقَصاص، في نفس الوقت الذين ينادون فيه بهذه الأشياء.

ومن نظرةٍ أخرى، هؤلاء الذين يزعمون أن ثمة خصالٌ وسماتٌ مُعينةٌ للحياة حتى تكون مُقدسة –كالحياة على نهج المسيح مثلًا – يدحضون بالضرورة مبدأ قُدسية الحياة في ذاتها، فإذا كان المُنتحر يحيا حياةً غير تلك التي أوصى بها المسيح مثلًا، فحياته تفقد قدسيتها، بحيث يكون تقديرهم للحياة الإنسانية هو تقديرٌ مشروط، وبالتالي، إذا غابت الأسباب التي تدعو لهكذا تقدير، تغيب معها القدسية، ويغيب معها التحريم.

قد يكون الانتحار هو أشد الخيارات منطقية.

في ليلةٍ شتويةٍ طويلة، كُنت أقرأ إحدى الكتب العتيقة في مكتبتي المتواضعة، حتى وقعت عينيّ على قول الكاتب ما معناه: من المتفق عليه أنه لكي يتمتع المرء بالسواء النفسي فمن المفترض أن يكون قد نشأ في بيئة مُجتمعية وأسرية سوية، بحيث لا يشهد الصدمات أو الاعتداءات، وأن يكون قد نشأ في رحاب قدرٍ مقبولٍ من اليُسر المادي.[9]فابتسمت، وأغلقت الكتاب.

إنه لمن المتفق عليه أن مُعظمنا – كعربٍ على الأخص -نعاني اضطرابات نفسية ونفتقد السواء النفسي. ذلك لوجود الكثير من العوامل التي تدفعنا دفعًا إلى الإصابة بأمراض عقلية، بل وتجعل مصيرًا كذلك حتميًا في بعض الأحيان.

ما أود الإشارة إليه أنه هنالك بعض الظروف والتجارب التي يتشارك مُعظمنا في التعرض إليها أو خوضها، والتي تُفضي –نظريًا- إلى حتمية إصابتنا بالمرض النفسي، ويكفيني أن أذكر منها اثنين: الظروف الاجتماعية، والاغتراب.

الظروف الاجتماعية.

تقترح نظرية (المسببات الاجتماعية – Social Causation ) أن هؤلاء الذين نشؤوا وترعرعوا في مُجتمعاتِ ينهشها الفقر – أي فيها ترتفع معدلات الجريمة، ويشتد الضغط الأبوي، وتكثر احتمالية التعرض إلى الصدمات النفسية (Trauma) – هم أكثر عرضى للإصابة بالأمراض العقلية.[10]

وفي المجمل، فقد أُثبت أن الفقر أو العوز المادي سبب رئيسي من أسباب الأمراض النفسية والاضطرابات، ناهيك عن الثورة التكنولوجية التي سمحت لنا بأن نطلع على الكم الهائل من الحيوات التي لن يتسنى لنا أن نعيشها، والأشياء التي لن نقدر أبدًا اقتنائها، مما زاد من سخطنا ومشاعرنا السلبية في المُجمل.

إن التوزيع الرأسمالي للثروات قد جعلنا في حقد وكمدٍ مستمرين، بحيث لم نعد نجد عزاءً يُذكر في مفاهيم كالرضا والقناعة. مفاهيمٌ كتلك، كانت تقوم بشكلٍ رئيسي على ركيزتين، الأولى يُمكن تلخيصها في المثل الشائع “محدش بياخد كل حاجة”، والثانية في آمالنا في حياةٍ أخرى.

إن الثورة المعلوماتية والتكنولوجية قد برهنت لنا على حقيقة أن هنالك أناسٌ “بياخدوا كل حاجة”، والموجة الحداثية وتخلخل المعتقدات الدينية، هذا بالإضافة إلى ضعف الخطاب الديني، قد جعلتنا مطحونين في رحا شكِ دائمٍ وإن لم نُبديه، فـاحتجبت السماء بالتدريج بفعل المباني الشاهقة التي يُشيدها الرأسماليون، والمنابر الباثقة التي يخطب فوقها الجهلة والمتعصبون.

التغريب

التغريب أو الاغتراب (Alienation) هو مصطلح سلط عليه الضوء الفيلسوف كارل ماركس كنتاج للتشيؤ الذي تُحدثه الأنظمة الرأسمالية، إذ يتم التعامل مع الإنسان على أنه شيءٌ ويُجرّد كليًا من إنسانيته، ويخضع لقواعدٍ مُهيمنة تمنح الربح المادي الأولوية على أي شيء.[11]

ويُمكننا بلورة الاغتراب في مظهرين: الأول العُزلة المُجتمعية نتيجة لانعدام الإحساس بالانتماء للمُجتمع أو التوافق مع الدور الذي يُؤديه العامل في عملِه، والثاني العزلة النفسية أو غُربة الذات، حيث يغترب العامل عن ذاته خلال نشاطه الإنتاجي خاصةً حينما يعجز عن السيطرة على عمله ويفقد الروابط والعلاقات ذات المغزى.[12]

وفيما يُعد الاغتراب الآن أحد العوامل الأساسية للسلوكيات المنحرفة والاكتئاب، فقد اهتم ماكس فيبر (1864 – 1920) بتوضيح العلاقة بين البيروقراطية (الأنظمة الاستبدادية) والاغتراب، ذلك أن الاتجاه الاجتماعي نحو خلق تنظيم إداري واسع المدى، تندرج فيه السلطة بشكلٍ هرمي ويُدار مركزياً في تنظيمٍ لا شخصي مُجرد، ومع تزايد النزعة نحو العقلانية والصورية في التنظيم الاجتماعي تضمحل العلاقات الشخصية وتتضخم التنظيمات الإدارية، وقد أوضح فيبر أن هيمنة التنظيم البيروقراطي على العالم المُعاصر قد أدى إلى أنه لا يهتم بالأشخاص، ولا يتعامل النظام البيروقراطي مع أشخاص بل مع ذرات مُجردة تخضع للحسابات العقلانية وكل إنسان يُصبح ترسًا في آلة. [13]

وببساطة،الاغتراب هو شعور الإنسان بعدم الانتماء، وتسخيفه من المُجتمع من حوله وإحساسه بضياع ذاته. يُعقب المُفكر تيرنس مكينا ((  Terence Mckenna  على ظاهرة الاغتراب قائلًا:

“إن السبب الذي نشعر إثره بالاغتراب هو أن المُجتمع طفوليٌ، وبدائيٌ، وأحمق. في مُجتمع كهذا، يكون الثمن الذي نتكبده للاحتفاظ بعقولنا ، هو أن نُعاني قدرًا مُعينًا من الاغتراب. أفهم ذلك لأنني أب. وأي شخص قد حظي بأطفال، يُدرك في النهاية أنه عليه الاختيار بين أن يكون ابنه مثقفًا، متشائمًا، ومغتربًا؛ أو أن يكون مُستهلكًا لاهثًا يتعاطى الترهات التي تُلقى إليه من قمة الهرم؛ ليس هنالك اختيارٌ آخر. جميعنا نريد لأطفالنا أن يكونوا ملتزمين، ولكن ليس ثمة شيءٌ ليلتزموا به”.[14]

لماذا أكتب هذا المقال؟

منذ عامٍ تقريبًا، انتحر شابٌ في كلية الطب بجامعة القاهرة، وبعث ذلك في نفسي قدرًا كبيرًا من الأسى. ثم خرج أستاذ الفيزيولوجي بالكلية التي أدرس فيها ونكّل بفعل الشاب، وبضعفه، وبهشاشته، وأخبره أن “ينشف شوية”.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.