تأخذك إلى أعماق الفكر

فلسفة اللغة: اتجاهاتها المعاصرة ونظرة إلى مستقبلها

إنّ الجملة 19 متضمّنة في الجملة 17 وليس في الجملة 18. إنّ الفشل ليس فرقًا فيما يجعل الجملتين 17 و18 صادقتين وإنما في الطريقة التي تسمح التقاليد والمبادئ الكلاميّة بها للمتحدث بحمل معلومات كهذه؛ إذ يستعمل المتحدّثون كلمة “لكن” للتأكيد على التناقض والمفاجأة كما فعل المتكلّم في الجملة 17. وأمّا التضمينات التحادثية، فيشار إليها اعتمادًا على المعايير والافتراضات التي يتعاون المتكلّمون في المحادثة معًا، وفقًا لجرايس؛ إذ يقترح أربعة معايير لهذا وهي: معيار الكميّة، بأن تجعل مساهمتك غنيّة بالمعلومات بحيث لا تتجاوز الحد المعقول؛ ومعيار الجودة، بأن تجعل مساهمتك صحيحة؛ ومعيار الارتباط وهو بأن تكون مساهمتك متعلّقة بموضوع الحديث؛ وأخيرًا معيار الأسلوب وهو بأن تكون مساهمتك واضحة غير عصيّة على الأفهام. ولنفهم كيفية تطبيق هذه المعايير لنتأمل أحد أمثلة جرايس:
20) لا يبدو بأنّ سميث لديه صديقة.
21) لقد كان يتردّد على نيويورك في الآونة الأخيرة.

لنتخيّل محادثة بين شخصين؛ حيث يقول أ الجملة 20 ويقول ب الجملة 21. فإذا افترضّنا أنّ ب يتّبع المعايير المذكورة أعلاه، فإنّ ذلك يتضمن أنّ سميث لديه صديقة في نيويورك. أمّا إذا لم يكن الأمر كذلك، فلا يمكن للمتكلّمين أن يتعاونوا فيتفكّك التواصل؛ لأنّ ب يقول جملة خاطئة أو غير متعلّقة بالموضوع. وأكّد جرايس على أن التضمينات التحادثية يمكن دراستها بتوفر المعلومات السياقية وخلفية عن موضوع الحوار بالتزامن مع المعنى اللغويّ لما قد قيل واتّباع المتكلّمين للمعايير التعاونيّة الموضّحة أعلاه. إن كثيرّا مما كُتب في التضمينات التحادثيّة يحتوي محاولات لتقديم شيءٍ جيّد لهذا المفهوم؛ فكثير من الفلاسفة العاملين في هذه الجوانب من علم استعمال اللغة يتوجّسون من أنّ هذه المعايير لا تكفي كتفسيرٍ لهذا التضمين. ورغم ذلك، ننصح القرّاء بالرجوع إلى ديفيس 1998 Davis 1998 لمعرفة آخر الاعتراضات على تفسيرات جرايس الكلاسيكيّة. إنّ الاهتمام بشكليّ التضمّن لفت انتباه الفلاسفة إلى قضايا الاستلزام أيضّا؛ إذ كما يشير الاسم، فإنّ مناقشة هذا الموضوع تَركّز على المعلومات المطلوبة كخلفيّة للوصول إلى أشكال متنوعة من الخصائص المنطقيّة والكلاميّة. والمثال شائع الاستخدام على هذا الموضوع هو: “هّلا توقفت عن نهبِ متاجر الخمور؟” يستلزم أنّك كنت تنهب متاجر الخمور. إنّ التضمينات في كلا الشكلين تتضمن أشكالًا عِدّة من الاستلزام مثل التضمّن التقليديّ لكلمة لكن في الجملة 17 يستلزم قضية مكان إقامة المعجبين بفريق أوريولز. كما أنّ كثيرًا من العمل في علم استعمال اللغة قد تمّ استخدامه لوضع نماذج الاستلزام في المحادثة. ويبقى السؤالان اللّذان يفرضان نفسهما بقوّة في هذا الصدد هما:
1) كيف تم تقديم أو إطلاق الاستلزام في الجملة بحيث تلعب دورًا فيها؟
2) كيف امتدّ الاستلزام من عبارات أو أجزاء من الجملة إلى جمل ذات مستوى أعلى؟
إنّ منشأ هذا العمل هو لانجيندوين وسافين (1971 Langendoen and Savin (1971 وأُلّفت الكثير من الكتابات على ضوئه في علم اللغة وعلم الدلالة الصوريّ.

5- اتجاهات مستقبليّة وجدالات مُحتدِمة:

رغم أنّ التحليل اللغويّ لا يقود الفكر في الفلسفة التحليليّة كما كان في القرن العشرين إلا أنّ سقفه يظلُّ عاليًا بوصفه مجاًلا مستمرًا في تطوره. وهناك اهتمام كبير بالتوازي بين محتوى التعابير المنطوقة ومساهمة هذا المحتوى للحالات العقليّة كما كان الحال في بواكير الفلسفة التحليلية لكن كثيرًا من علماء الإدراك خرجوا عن المعتقد التحليليّ الكلاسيكيّ القائل بأنّ للاعتقادات جملًا رمزيّة كالمحتوى، وحذَوا حذو رومل هارت وماكليلاند في اتجاهاتهما؛ حيث تبنّى كثير منهم “الروابطيّة” وهو اتجاه يؤكد على التفاعل الديناميكي بين مجموعاتٍ ضخمة من الإشارات تمامًا مثل الخلايا العصبية في الدماغ كنموذجٍ للإدراك. وعليه، فإنّ التفكير لن يكون عمليّة رمزيّة شبيهة بالمونولوج الداخلي، وإنّما سيتم هدم مجال التفسيرات التقليديّة للغة والمعنى. ننصح القارئ بالرجوع إلى تامبرلين (1995 Tomberlin 1995) لأخذ فكرة عن هذا المجال وإلى تشيرشلاند (1995 Churchland 1995) للقراءة عن الاعتراضات عليه. وعلى النقيض من ذلك، فإنّ الدّفاع عن مناهج العمليّات الرمزيّة الأكثر تقليديّة تم تطويره بشكل ملحوظ في عمل فودور ولابوري الذي نُشر عام 1999، وإتمامها بتحدّيات أكثر راديكاليّة للعمليات الرمزيّة على شكل نظريّة الأنظمة الديناميكيّة. لقد اهتمت معظم الأعمال المؤخّرة في فلسفة اللغة بحساسيّة السياق في التعابير والجمل؛ حيث تمّت قيادة هذا بدور ليس بسيطًا بتأكيد متزايدٍ على حساسيّة السياق في الإيبيستمولوجيا. وقد تمّ التأكيد بشكل أكبر على السياق في الخمسين سنة الأخيرة من خلال الاستخدام ونظرية الأفعال الكلاميّة؛ حيث ظهر البعض مؤخرًا في صفّ تأثير السياق بصفته المهيّمن في اللغات الطبيعيّة. لم يجادل كابيلين ولابوري في تأثير بعض الكلمات والجمل سياقيًّا وإنَّما  جادلا بدلًا من ذلك بفكرة الحدّ الأدنى وهو الرأي القائل بأنّ هذه الكلمات والجمل قليلة نسبيًّا وهي أصناف مألوفة مثل الضمائر والكلمات التأشيريّة؛ إذ يوفّقون بين هذا وبين عمل جديد في محتوى الأفعال الكلاميّة ليدعم تحدّيًا ماديًّا لكثير من كبار الفلاسفة المعاصرين. إنّ هذا الحوار بين مناصري فكرة الحدّ الأدنى ومناصري السياق سيحيا في فلسفة اللغة خلال السنوات القليلة المقبلة.

تدقيق: فاطمة الملاح وضحى حمد

إعلان

مصدر مصدر الترجمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.