تأخذك إلى أعماق الفكر

عمر بن الخطاب “فاروق الأمة”

عُرف عمر بن الخطاب على أنه رجل من طرازٍ خاص، لا يوجد قلب مسلم واحد لا ينبض قلبه بحبه، ولا يوجد في أحشاء أمتنا من لا يتمنى ظهور عمر بعدله وعفّته وخوفه من أن يظلم، كانَ يبكي إذا عرف أن هناك من بات لَيلة جائع أو مظلوم ظُلم دون أن يدري فيحاول أن يعسعس ليلا حتى يجد حلاً لمن لا يستطيع أن يصل إليه نهاراً، ثم يبكي ثم يبكي لأنّه لا يستطيع المراقبة والإلمام بكل مشاكل الرعية، من منا لا يحلم بحاكم يشهد له الأغراب حين يرونه “عدلت…فأمنت…فنمت”.
لكن هيهات هيهات لعمر وما كان عليه عمر قبل أن يصل إلى قلبه نور الإيمان، فقد أيقنت قلوب المسلمين أن يُسلم حمار جد عمر على أن يُسلم عمر، فكان ظاهره كباطنه، وظاهره كارهٍ لدين محمد ولمحمد ذاته متمنياً أن ينول شرف قتله، حتى يُخلّص قريش من ذاك الرجل الذي يدعو قبيلته ليصبوا عن دين آبائهم وأجدادهم، ولكن حب الله ورسوله له كان أعظم وأكبر من تلك الغلظة التي يتباهى بها أمام الناس، فما دعى رسول الله لِأَحد بالإسلام إلا له ولأبي جهل فقال:” اللهم أعزّ الإسلام بأحد العمرين عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام” وأراد الله أن يُعز الإسلام بعمر بن الخطاب.

ويتبادر للذهن مباشرة لماذا عمر دون غيره؟؟ وفي ذلك كتب العقاد يفتح أمامنا سر تلك الشخصية العظيمة فيقول: والذي نراه أن

“طبيعة الجندي” في صفتها المثلى هي أصدق مفتاح للشخصية العمرية في جملة ما يُؤثر أو يُروى عن هذا الرجل العظيم، فأهم الخصائص التي تتجمع “لطبيعة الجندي” في صفتها المُثلى، الشجاعة والحزم والصراحة والخشونة والغيرة على الشرف والنجدة والنخوة والنظام والطاعة وتقدير الواجب والإيمان بالحق وحب الإنجاز في حدود التبعات أو المسئوليات…هذه الخصائص واضحة كلها في عمر” [1]

عمر بن الخطاب والإسلام:

عمر في إسلامه كان رجلاً غيوراً على دينه ولن نتكلم عن قصة إسلامه التي يعرفها الجميع، لكن بدت غيرته على دينه في موقفين شديدين.
أولهما في صلح الحديبية: لم يوافق على شروط ذاك الصلح وكانت من ضمن الشروط أن من يُسلم من مكة ويذهب إلى المدينة لا يُقبل منه إسلامه ويُردّ مرة أخرى إلى مكة أما من رجع إلى مكة رافضاً دين محمد فيرجع ولا يُردّ، فرفض عمر مثل تلك الشروط وذهب إلى رسول الله وقال له:ـ”ألسنا على الحق وهم على الباطل؟” قال:ـ “بلى” قال:ـ”أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟” قال:ـ”بلى.” قال:ـ”ففيم نعطي الدنية في ديننا؟!! ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟” قال:ـ”يابن الخطاب، إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ولن يضيعني أبدا.” قال:ـ”أوليس كنت تحدثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟”قال:ـ”بلى، فأخبرتك أنّا نأتيه العام؟” قال:ـ”لا” قال:ـ”فإنك آتيه ومطوّف به.” ثم ذهب عمر لأبي بكر فقال له مثلما قال لرسول الله وردّ أبي بكر مثلما ردّ رسول الله وزاد:ـ”فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق.” ثم نزلت “إنّا فتحنا لك فتحا مبيناً…” فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر فأقرأه إياه، فقال:ـ”يارسول الله أو فتحٍ هو؟” قال:ـ”نعم” فطابت نفسه ورجع.

ولأنّ عمر رجلٍ حقاً فندم ندماً شديداً على قصر رؤيته، وضيق نظره وبصيرته التي ألجأته إلى التلفظ في حضرة رسول الله بأشدّ الكلمات، واتهامه بأنه يعطي الدنية في دين ربه فيقول عمر عن ذلك:ـ”فعملت لذلك أعمالاً، مازلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذٍ، مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً.”

ثاني ما ظهر به غيرة عمر على دينه هي عندما قال رأس المنافقين عبد الله بن أُبيّ بن أبي سلول قول عظيم بعد غزوة بني المصطلق، عندما بعث عمر بن الخطاب غلامه المهاجري ليملأ له ماء من بئر وبُعث غلام أنصاري ليملأَ ماء هو الآخر فاختلفوا على من يملأ أولاً وارتفعت الأصوات وقامت الرجال يتصارعون معاً الأنصاري أمام المهاجري فقام رسول الله وقال:ـ “أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنه.” وانفضّ الرجال فنفج عبدالله بن أُبيّبن أبي سلول في النار وقال للأنصار :ـ”أرأيتم ماذا فعلتم؟؟ آويتموهم إلى بلادنا فأخذوا من بلادنا واليوم يعادوننا، والله ما أرى ومن معه من المهاجرين إلا كمثل القائل”سمّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنّ الأعز منها الأذلّ.” ووصل الكلام لرسول الله ولعمر عن طريق غلام والذي كذّبه عبد الله مستنكراً أن يصدّقوا ما قاله غلامٍ صغير، فقال عمر: يارسول الله دعني أقطع رقبة هذا المنافق. فقال:ـ”لا ياعمر، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، اصبر ياعمر:” وبعد الوصول إلى المدينة نزل القرآن الكريم يؤكد كلام الغلام ويكذب رأس المنافقين عبد الله، وتعرف المدينة كلها مهاجرين وأنصار بكذبه فقال رسول الله لعمر:ـ” كيف ترى ياعمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي: اقتله، لأردعت له آنف، ولو أمرتها اليوم بقتله لقتلته.” قال عمر:”قد والله علمتُ، لأمر رسول الله أعظم بركة من أمري”
هكذا تهذبت روح عمر بن الخطاب على يد سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وهكذا تطورت وتغيّرت طريقة التفكير حتى استطاع أن يبني بتلك العقلية الفذة المؤمنة دولة إسلامية شديدة القوام منظمة تحترم أمام العالم كله.

إعلان

المصادر

[1]عبقرية عمر عباس العقاد

مساهمة من دينا البديوي

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.