تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف ندرك الزمن الشخصي ونكسِر حلقة التكرار

مراجعة الفيلم الآسيوي Lost in mobius

شعور بأن المكان مألوف، لوحات إيشر التي تعتلي جدران المنزل بشكل ملفت، غرائبية الكاتبة صاحبة المنزل التي صنعت جوًّا مرعبًا ليكون مصدرًا لإلهامها. ثم مشاهدتها لساعة حائط تأخذها بعيدًا إلى ذكريات الطفولة؛ حيث يُقتَل والدها بشكل غير متعمّد في مشهد ضربه لوالدتها وهو سكران، فتطلب إبعاد الساعة إلا أنهم يقومون بتغطيتها فحسب كون شرط عدم تحريك كل شيء كان متفقًا عليه.

وبعد أن يلفت انتباهها شخص يتلصص عليهم من الباب، تبدأ المشاهد تتخذ صورة غرائبي، إذ تشاهد الأحداث التي مرّت خلال هذا اليوم متكررة بشكل مخيف، ووعيها متركّز في واحدة من شخصياتها المتكررة التي تعيش نفس الأحداث، تحاول كسر هذا التكرار المرير بالهروب، تركض لاهثة غير مدركة أنها عالقة في شريط موبيوس، وكأنها تأكل ذيلها منتظرة الخلاص.

Relativity اللوحة الظاهرة في الفيلم

تسقط بين السلالم متعددة السطوح، وهي كذلك تتسم باللانهائية، حيث تجد نفسها في الجهة الأخرى من المساحة، تمر نفس الأدراج المقطوعة ولكن بطرق متعددة لانهائية تجعلها حبيسة هذه السلالم، سقوط يتّسم بالديمومة وهروب خالد.

قص شريط موبيوس

استخدم شريط موبيوس في مجموعة من الأفلام التي تطرح فكرة العوالم المتوازية والاختراق الممكن بينها جيئة وذهابًا، الشخصيات المتكررة للبطلة حقيقة جدًا، فهي المزيد منها في عوالم أخرى تعيش نفس اليوم، عندما عادت للتفتيش عن آثار ذلك اليوم على نفسيتها كأنها عادت إلى نقطة البداية (والتي هي نقطة النهاية) في الشريط الزمني الداخلي، فهنا هي تعبُر من زمنها الداخلي إلى الزمن الخارجي والعكس، تعاود الرجوع للماضي، للحظة قتل والدها عندما ترى الساعة التي تشبه الساعة التي فرّ دم والدها ليغطيها، وهي بنفس الوقت تنتقل عبر الزمن إلى زمن خارجيّ حيث تقطن ذاتها الأخرى في عالم آخر وتعايش نفس اليوم بالضبط.

شريط موبيوس، ايشر

بعد عدد من التكرارات، ومحاولتها (الشخصية الواعية المستمرة) من فهم الأمر جيّدًا والتنقل عبر المنزل العالقة فيه، أدركت أن ما عليها فعله هو العودة إلى زمنها الداخلي، إلى طفولتها حيث بقي الذنب عالقًا بها لأنها طعنت والدها بالمقص، أدركت أن عليها أن تتحدث إلى هذه الذكرى وتمتص ألمها وشعورها بالذنب.

إعلان

لأنها كانت مدفوعة لفعل ذلك، هنا حيث الهروب الدائم وتغطية الساعة التي تذكرها بالمشهد لم ينفعها، بل المواجهة كانت هي المقصّ الذي قصّت به شريط موبيوس لتمنع التكرار الداخلي، لتوقف دماغها عن محاولات حمايتها الزائفة، فكل شيء تلتقطه الحواس يذكّرنا بالألم نبتعد عنه بغير مبرر منطقي، لذا تكون مسؤوليتنا أن نعيد تعريف الأشياء ونتصالح مع الذكريات بمواجهتها.

 

توصية

عندما شرعت في الكتابة أدركت أن ما برأسي أكثر من أن يتم وضعه في حدود المقال، ومع أن الفيلم ليس الأول الذي يناقش هذه الأفكار إلا أنه عالجها بطريقة مختلفة، والأهم أنه أعطى حلًّا من داخل الإنسان، ولم يجعل هذه التكرارات حتميّة كما في فيلم Triangle 2013 مثلًا، كما أنه زاوج بين فكرة العلاج العلاج النفسي والولوج إلى داخل أعماق اللاوعي مع فكرة السفر الزمني، لكنه كان سفرًا داخليًّا فقط، ولم يفرض حتمية القدَر والأحداث على الأقل في تعاطينا نحن لها، فإن كنّا لا نملك تغيير الماضي فالمطلوب مواجهته وليس محاولة الهروب منه أو تغييره.

 

المصادر 

[1] هذه الفكرة من كتاب عالمنا الافتراضي

[2] من كتاب فقط ستة أرقام لمارتن ريس

[3] هكذا تكلم زرادشت، نيتشة

[4] زرادشت الذي حير العالم، مجدي كامل

[5] نيتشة مقدمة قصيرة جدا، مايكل تنر

[6] كائن لا تحتمل خفته، ميلان كونديرا

[7] حلم اقليدس، موريس مارجنسترن

[8] الهندسة والطبولوجيا مع ثورستون

للاستزادة حول ايشر ورؤية بقية أعماله الفنية، هنا

*اهريمن هو الشيطان او كيان الشر في الديانة الزرادشتية

** اهورا مزدا هو الاله الحكيم العليم الخالق في الديانة الزرادشتية

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دعاء أبو عصبة

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

الصورة: مريم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.