تأخذك إلى أعماق الفكر

سلسلة الوعي: مقاربات فلسفية ونظرة تطورية لأصل الوعي

مقاربات فلسفية ونظرة تطورية لأصل الوعي (1-5)

وأنت تلاحظ إذًا أن كل الصور الردية تعالج الحالات العقلية وعلى رأسها حالات الوعي مثل الألم من خلال ردها إلى ظواهر فيزيائية مادية فتراها مرة ترد إلى حالة المخ كما هو الحال مع النزعة الفيزيائية وتراها ترد مرة أخرى إلى السلوك كما هو الشأن مع السلوكية، وترد مرة ثالثة إلى الحالات الحسابية كما هو الحال مع الوظيفية وبخاصة وظيفة الإله.

5. المذهب الطبيعي:

لقد أدرك بعض الفلاسفة المعاصرين أن كل الاتجاهات السابقة أخفقت في أن تجد للوعي مكانًا مقنعًا مرضيًا في العالم الرحب، واعتقد هؤلاء أن الوعي ظاهرة طبيعية تمامًا وأننا لا بد من أن نسعى إلى تفسيرها طبيعيًا. ومن أبرز الفلاسفة الطبيعيين الذين يؤيدون هذا الاتجاة نجد بول تشرتشلاند في كتابه “المادة والوعي” 1984، ودانيال دينيت في كتابه الوعي مفسرًا 1991 واووين فلاناجان في كتابه “إعادة النظر في الوعي” 1992 وفريد درتسكي في كتابه “تطبيع العقل” وغيرهم. يقول فلاناجان:”الوعي يوجد ومن الخطأ أن نستبعد الكلام عنه لأنه يسمى هذه الكثرة من الأشياء والموقف الصحيح هو أن نحرر المفهوم من ماضيه الروحي ونزوده بتحليل طبيعي معقول وموثوق.. وسيكون إنجازًا ضخمًا إذا استطعنا أن نفك لغز الوعي”.

ويقول الطبيعيون إنه برغم وجود اختلافات مهمة بين التفسير الطبيعي للوعي والتفسير الطبيعي للظواهر الأخرى، فإنه لا يوجد سبب مقنع يجعلنا ننظر إلى الوعي على أنه مسألة غير طبيعية يتعذر تفسيرها في حدود طبيعة ويقولون أيضًا إنه حالما يتقدم البحث في علم الأعصاب والعلم المعرفي ويتخلص الفلاسفة من بعض الأخطاء القديمة المتوارثة فإننا نستطيع أن نصل إلى تفسير معقول للوعي. وكثيرًا ما يشير الطبيعيون إلى ملاحظة “توماس ناجل” التي يقول إننا في موقف يشبه موقف الناس في العصر الحجري الذين كانوا يجهلون نظرية النسبية ولكنهم أخبروا بأن المادة صورة من الطاقة، ومع أنهم قد أدركوا ذلك إلا أنهم لم يُكوّنوا أبدًا التصورات التي تجعل هذا الزعم صادقًا، والسبب هو افتقارهم إلى الإطار النظري.

والسؤال الآن: أين يقف سيرل من كل هذه الاتجاهات؟ والجواب الذي نطمئن إليه هو أن سيرل يمكن ضمه إلى أنصار الاتجاه الطبيعي في دراسة العقل بعامة والوعي بخاصة وحجتنا في ذلك أن سيرل يسمي وجهة نظره الأساسية باسم “المذهب الطبيعي البيولوجي”

 ما هو أصل وعينا من وجهة نظر تطورية؟

من المرجح أن يكون وعينا كمنتج للتطور عن طريق الانتخاب الطبيعي، ربما نشأت من عدة ملايين من السنين وتسلسل خطوات لا حصر لها التي تشكل معًا نوعًا من التدرج من الوعي، إذًا ما هي الخطوة الأولى على هذا الطريق من غير الوعي إلى الوعي الأساسي الذي أدى في النهاية إلى الوعي المُعقد الذي نتمتع به نحن البشر اليوم؟

إعلان

على سبيل المثال خذ حجر فبالإجماع الحجر ليس بواعٍ ومع ذلك لا يتفق الجميع حتى على هذا الشيء، ادّعى بعض panpschics
أن كتلة من الصخور قد يكون لها حياة داخلية.. ومع ذلك لا توجد أسباب حقيقية لأي افتراض من هذا القبيل لأن الأحجار لا تظهر أي سلوك مطلقًا، لا يمكن إثبات حياتهم الداخلية أو دحضها، من هنا نقطة الانطلاق الأكثر شيوعًا هي الكائنات الحية، فالشيء الحي أو الذات هو جزء من الكون الذي يحافظ على نفسه ويجعل عددًا كبيرًا من نوعه وللقيام بذلك فيحتاج إلى طاقة، وهنا يكمن الوعي بالعالم.
ربما كانت الوظيفة الأصلية للوعي هي توجيه الذات المتنقلة التي كانت تعاني من نقص الطاقة إلى امدادات جديدة من المواد الغذائية.

فعلى نطاقات الحياة الأصغر لا تحتاج إلى أن تكون مدركًا للعثور على الطعام، فالتريكوباكس آدرينز مثلًا وهي أحد أبسط الحيوانات يتحرك بشكل عشوائي يتباطأ في وجود الطعام ويسرع في غيابه، هذا فعال للغاية ويجعل المخلوق الصغير يقضي وقتًا أطول حيث يوجد طعام أكثر من المكان الذي لا يوجد فيه طعام، لكنه لا يتحرك أبدًا في اتجاه معين نحو هدف معين وليس هناك حاجة لأن يكون على وعي ببيئته.

ربما اتخذت الخطوة الرئيسية نحو الوعي عندما بدأت الأنفس المتنقلة في التحرك بأنفسهم بشكل مباشر، التحرك نحو ما كان جيدًا بالنسبة لهم، ويقول الطعام وبعيد عن ما كان أقل عن شيء آخر مثل شخص آخر يعتقد أنه كان طعامًا.

مثال آخر
dugesia tigrina وهى دودة صغيرة معروفة بوجهها المُضحك، أحيانًا تكون الدودة جائعة وأحيانًا لا، هذا يعني أنه عندما يتحرك، هذا يعني أن الدودة لا تنتج ببساطة استجابة تلقائية لحافز خارجي، لكن أفعالها تعتمد على حالتها الفيسيولوجية الداخلية سواء كان جائعًا أو لا، عندما تأكل فقط تكون الدودة أقل نشاطًا ولكن عندما تتضور جوعًا لفترة من الوقت سوف تتحرك نفسها في اتجاه أشياء لذيذة، يستخدم هذا النوع مستقبلات كميائية على رأسه لتشخيص بيئته وتوجيهه في الاتجاه ما إذا كانت رائحة الطعام أقوى بعد العثور على وجبة وتناولها، يعود لمكان مُظلم محمي لهضم الطعام بأمان حتى يجوع مرة أخرى، ولكن الحيوانات التي تتبع حاسة الشم كرائحة عمياء ليس لها هدف ملموس في الرؤية، مازالوا يفتقرون إلى أي معنى للمكان الذي يتوجهون إليه، وبالتالي فإن الخطوة التالية على سلم الوعي هي إضافة بعض التصورات من بعيد مثل الرؤية، فالرؤية تضيف السياق والعمق إلى عالمنا، مع الرؤية يأتي شعور بالمكان الذي نحن وطعامانا موجودين فيه، إنها تضيف بُعدًا جديدًا بالكامل إلى الوعي وهي خطوة هائلة نحو الوعي الأكثر دراية.

جهاز بصري مثل العين يتيح لنا تصور هدفنا والالتصاق به، لكن حتى في هذه المرحلة لا تستطيع النفس سوى متابعة طعامها طالما تراه لذا فإن الخطة المنطقية التالية يجب أن تحدث في الداخل، لتصور الغذاء في غيابه على سبيل المثال تحتاج الذات “النفس” إلى خلق نوع من التمثيل الداخلي للعالم، والآن فقط يمكن للحيوان مواصلة البحث عن الطعام حتى عندما يهرب من مداولاته الحسية، بسبب هذا التمثيل الداخلي لما هو مهم في العالم يمكن أن يظل يركز على طعامه ورغبته في الحصول عليه، هنا توجد ذاتك في عالم يمكن أن تتعرف عليه، لقد ظهرت القدرة على تذكر الأشياء، بفضل الذاكر يمكن صرف انتباه الحيوانات عن السعي لبضع ثوانٍ ولكن سرعان ما تستمر في مسيرتها بعد ذلك وتسمى هذه الظاهرة ذات الصلة الدوام الكائن، يصف هذا إدراكنا أن الأمور تستمر في الوجود حتى عندما لا نستطيع رؤيتها، تتمتع بهذه المهارة المعرفية بعضُ الثدييات والطيور الأخرى أيضًا.

أيضًا يميل الأطفال من البشر إلى تطوير هذه القدرة في وقت بلوغهم ثمانية أشهر بينما تظهر صغار الدجاج هذه القدرة خلال يوم أو يومين فقط، تشير القدرة على تذكر شيء ما في غيابه إلى شعور أساسي بالوقت على الاقل، فالشعور بالوقت هو خطوة كبيرة على سلم الوعي، قد يمكن نفسه أيضًا من التطلع من اللحظة الحالية وتوقع المستقبل.

على سبيل المثال يستطيع الدجاج البالغ أن يقاوم الوجبة المعروضة أمامه إذا كان يتوقع أن يحصل على وجبة أكبر كجائزة لفترة من الوقت في الانتظار، هذا النوع من الإرضاء المتأخر يعني أن هناك قدرة على تصور مكافأة موجودة فقط في المستقبل، والتي بالطبع تكون تحدٍ كبير بالنسبة للبشر البالغين حيث يفضلون الحصول على الأشياء اللحظية الصغيرة بدلًا من الانتظار والحصول على أشياء أكبر وأثمن..

western scrub jay نوع من الطيور يعتبر من الخبراء في تأخير الإشباع اللحظي حيث يظهرون إحساسًا أكثر تفصيلًا بالمستقبل عندما يخبئون الطعام في ذاكرة تخزين مؤقتة لاسترجاعه في وقت لاحق ويعيدون إخفاء الطعام أيضًا في حالة علموا بوجود لص محتمل يراقبهم، هذا يعني أنهم يعرفون أن هناك ذوات جائعة أخرى، يدركون ويرون العالم من وجهة نظرهم الخاصة المختلفة، يمكن لهذا الطائر بشكل ما أن يتوقع أو يقرأ عقل غيره من الطيور ولذا يخبأ طعامه إذا أحس بخطر أو أنه مراقب من آخرين، هذه القدرة على قراءة العقل ضرورية لمستويات الوعي المُعقدة. بوضع نفسك في موقف الآخرين يمكنك التغلب على منافس آخر آو تتعاطف مع صديق جائع.

وبذلك تأخذ اللغة القدرة على قراءة العقول وتمثيل ما هو غائب لمستوى جديد تمامًا، الكلمات تمكننا من بناء فرضيات حول العالم ووضع خطط مفصلة والتواصل مع بعضنا، الكلمات تمكننا من التفكير في أنفسنا ومكانتنا في الكون وحتى حول وعينا الخاص.

إذًا ما هو أصل وعينا؟
ربما بدأت كحركة موجهة لذات الكائنات الجائعة نحو مصدر الغذاء مع فوائد البقاء على قيد الحياة وأعطاها ذلك منافسين انتقلوا بشكل عشوائي أو لم يتحركوا على الإطلاق، ربما بدأ كل شيء مع الرغبة في المزيد من الطعام.

==============
المصادر
1. موسوعة الفلسفة ل د.عبد الرحمن بدوي
2.فلسفة العقل لدكتور صلاح اسماعيل
3. https://www.youtube.com/watch?v=H6u0VBqNBQ8&fbclid=IwAR1l-RzPln_I6hBCuQuik1E92RPfAHNljpM8jDUQdbjNFg6tdySyFkMFM_0

4. https://sites.google.com/view/sources-consciousness?fbclid=IwAR3I7P-zIXiARKwYzsb4bTkVwDOjQBIJbFHLiBSG2r22_F5dzpEdUaKRLX4
5.What Is Consciousness?, 2018
https://www.scientificamerican.com/article/what-is-consciousness/

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.