تأخذك إلى أعماق الفكر

رواية “شآبيب”: الغربة والاغتراب

الغربةُ هي أن تغادر وطنَك، أما الاغتراب فهو ألا يتسعَ لك وطنُك وترفض جذورُك أن تمدَّك بماء الحياة. الغربة شعور قاسٍ  يخنق صاحبَه، ويجعل الدنيا والحياةَ بأسرها ضيقةً في عينيه؛ لكنه يمنّي نفسه كلَّ  يوم بحلم العودة حيث وطنُه والأشخاص الذين يُحبهم. لكن ماذا بالنسبة لمن يشعر بالغربة في وطنه ووسط من يُفترض أنه يحبهم؟! هذا هو الاغتراب: أن تتجردَ الأشياء عن معانيها، وتصبحَ جوفاء لا تبعثُ في نفسك أيّ شعور، وربما تزرع في قلبك شعورًا مناقضًا لما يفترض أن تزرعَه. الغربة نتيجة طبيعيةٌ للاغتراب وهذا ما تناوله أحمد خالد توفيق في رواية شآبيب. كثيرٌ من الروايات العربية تناولت فكرة الغربة، كما صيغ الكثيرٌ منها في بيئةٍ غير عربية وتحديدًا في فترة الستينيات وما بعدها حيث كان كلُّ  شيء يدعو إلى الهجرة من البلدان العربية. وبعد كلِّ  هذه المدة ومع غيابِ  أدب الغربة أو الاغتراب بشكلٍ نسبيّ راح الأدب يتناول قضايا من يحيَون الغربةَ لا الاغتراب. جاءت رواية شآبيب من جديد لتمزجَ بين هاتين الحالتين الشعوريتين التي تترتبُ إحداهما على الأخرى. أيُّهما أقسى الغربة أم الاغتراب؟ وإلى أين يوديان بصاحبهما؟

أولًا الاغتراب: ألّا تجدَ في وطنك ما تُحب إلا من تُحِب!

محمد عدنان في رواية شآبيب فتىً مصريّ في الخامسة عشرة مولعٌ بالفضاء يصعد سطح البناية مساءً ويتأمل السماء. تمنى أن يحب فتاةً اسمها عزة لم يكن يعلم من هي ولا أين تقطن تحديدًا، لكنه ظل يراقبها من النافذة! إلى أن ظهرت عزة حقيقية في حياته وتوقف عن مراقبة النافذة. جمال الصدفة جعله هائمًا على وجهه، أيعقلُ أن تظهر في حياته فتاةٌ بنفس الاسم الذي تمناه ذات يوم في صباه! إنها عزة الفتاة الثورية التي لأجلها، ولأجلها فقط، انضم لأحد التنظيمات الثورية التي لم يكن له فيها ناقةٌ ولا جمل، لم يكن له سوى عزة وقصة حب أسطورية محتملة. لكن القدرَ لم يمهل محمدًا حتى تبدأ شرارة الحب الأولى في الاشتعال؛ فما أن عاد للمنزل حاملًا تلك المنشورات والتي قرر حرقها بطلوع الصبح كي لا يزعج أهل المنزل ويوقظهم بالدخان حتى اقتحمت المنزلَ قواتُ البوليس السريّ. وبقيةُ  القصة معروفةٌ، أعوام من السجن، والكبت، والحنق على كل شيء في هذا الوطن الذي لم يمهله فرصةً أن يبدأ قصة حبِّه الأولى.
يخرج محمدٌ من سجن الوطن ليجد نفسه في “سجن الذات” ثم إلى “سجن الكون” ويقرر حينها الهربَ إلى مكان بعيد حيث الغربة أهون من كل هذا علَّه يجد هناك ضالّته.

هل الهجرة ستفرّ به من سجن الكون؟ هل ستفرّ به من شكوكه وذكرياته وحيرته وافتقاره للأمن؟ بدا له هذا غريبًا وغيرَ منطقيٍّ. ولكن في أرض غريبةٍ وسط أناسٍ آخرين لربما صار شخصًا آخر، وعندها سوف يبدأ من جديد بعقلٍ لا يرى حولَه كلَّ هذه القيود.

ثانيًا: الغربة

هي الحلم الذي يزورنا ويسرّي عنا ما نلاقيه في أوطاننا، حلم يداعبنا ليخبرَنا أن الابتعاد هو الحل وكل شيء سيصير على ما يرام حيث عالمٌ يقدس الحرياتِ ويتقبل الآخر، حيث لا مكان للظلم والقهر! بمجرد اتخاذ هذا القرار وهجر الوطن” القبيح” يتضّح كم أن العالم كلَّه قبيح وأن القبحَ الذي نلاقيه في الخارج أفظع بكثير مما نلاقيه في الداخل.

ليس وطني دائمًا على حق؛ لكنني لا أستطيع أن أمارس حقًا حقيقيًا سوى في وطني.

محمود درويش

في الغربة نجد أمينة التي تعاني أفظع أنواع العنصرية لأنها امرأةٌ عربية مسلمة. تتعرض أمينة لعمليات تحرشٍ  سافرة تقف فيها مكتوفةَ الأيدي وتترك العابثين يعبثون بجسدها كيفما شاءوا لأن أحدًا لن يخلّصَها، حتى قوات الأمن التي تقف على مقربةٍ منها، حتى المارة… جميعُهم مغلفون بالكراهية لكلِّ ما هو عربيٌّ ومسلم.

وعلى مسرحٍ آخر من مسارح الغربة يوجد “سليم” الشابُّ المنعدمُ الهوية والطموح، لا يعني له هذا العالم أيَّ شيء، لا رغبات ولا طموح ولا حنين لوطنٍ خلفه ولا خوف من غربةٍ أمامه. هو نتاج قرارات أبيه، حتى زواجُه كان بناءً على رغبة أبيه ولم يعترض لأنه لا رغبات لديه. هو شخصٌ هامشيٌّ من الطراز الرفيع. تنقلب حياة سليم رأسًا على عقب حينما يتعرض لحادث اعتداءٍ عنصريّ يفقده زوجتَه وأبناءه على مرأى ومسمع منه. هنا فقط يصبح لدينا “سليم” آخر يعرف معنى الغربة، ومعنى عنصريةِ الغرب التي يغلفونها بصيحات الحرية لكنها حريةٌ لهم فقط لا عليهم.

إعلان

خلف كلِّ هذه الكواليس يوجد “مكرم” الرجل ذو النفوذ والمكانة العلمية المرموقة في الولايات المتحدة الامريكية. مكرم أفضل حالًا  منهم جميعًا لأنه رجلٌ ذو شأن، بالإضافة إلى كونه مسيحيًا ومشكلة الغرب مع المسلمين لا تخصه. هذا ما كان يظنه مكرم قبل أن تكبر فتاته بملامحها العربية التي لن تعفيها من نظرات العنصرية والنقد لها ولجذورها العربية، وعاداتها وتقاليدها الشرقية. مكرم رغم كونه رجلًا متعلمًا ومنفتحًا  إلا أنه يرفض أن تفقدَ ابنته عذريتها دون زواج.
ينظر مكرم لحال العرب في الشتات وكيف أن الحياة هنا لا تشبههم، وكيف أنهم انفصلوا عن بلدانهم فلم تعد عودتهم لها سهلة. من هنا تأتي الفكرة العبقرية لمكرم بصنع عالمٍ على مزاجه الخاص ووفقًا لتقديره هو. سيصنع دولةً مزعومةً مثل إسرائيل تمامًا: الأمرُ ببساطة تزييفُ بعض الحقائق التاريخية لتثبت أن لك جذورًا في مكان ما، ثم تصَدِّرُ صورةً مأساويةً لشعبك المشرد المنبوذ، ثم تختار بقعةً مناسبةً لتنشئ عليها دولتك المزعومة.

تجري كلُّ الأمور في صالح مكرم، تزويرُ التاريخ سهلٌ  وطلب تعاطف شعوب العالم ليس بالأمر العسير، والتواصلُ مع قيادة واحدةٍ من أكبر الدول في العالم لتيسير خطته لا يعصى عليه. تجري كلُّ الأمور كما شاء مكرم ويصدقُ كثير من العرب في الشتات كذبتَه ليفروا من غربتهم واغترابهم، ويحطوا جميعًا على “شآبيب” الجنةَ الموعودة، وحلم الخلاص من قبح العالم. في شآبيب سيكون هناك مئات القصص والحكايات التي لم تكن في الحسبان، ستتغير الكثير من المصائرِ والأقدار والشخصيات.

عن أدب الديستوبيا

الديستوبيا هي عملية تخيل المستقبل بطريقةٍ تشاؤمية إلى حدٍّ بعيد، وقد برع أحمد خالد توفيق في هذا النوع من الأدب منذ صدور رواية “يوتوبيا” والتي تطلُّ علينا بين الحين والآخر باقتباساتٍ تشبه واقعنا، ومرورًا برواية “مثل إيكاروس” وغيرها من الأعمال التي تنقر ناقوس الخطر لمستقبلنا الذي سيكون مظلمًا لو استمر واقعنا على هذا الحال.
صدرت رواية شآبيب عام 2018 عن دار الشروق فكانت آخر أعماله، وبدت واقعيةً لحدٍّ كبير.

نرشح لك: في رثاء الفارس الأخير أحمد خالد توفيق

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.