تأخذك إلى أعماق الفكر

رواية “جنتلمان في موسكو”: الرجل الذي تأقلم!

بابتسامة منتصرٍ وبشموخ الأبطال يسير الكونت “ألسكندر رستوف” لآخر مرة في شوارع موسكو ويودع حياة الترفِ والجاهِ دون أن تهتز له شعرة واحدة. هذه أول لقطة تتفتح عليها عين قارئ رواية “جنتلمان في موسكو” فيدرك أنه أمام عمل استثنائي، ونوع آخر من الواقعية التي لا تُبكي قارئها بقدر ما تعلمه الصمود حتى النهاية كما صمد بطل روايته. كعادة كل الثورات، أطاحت “الثورة البلشفية” بكل ما كان قبلها من معتقدات وأزاحت كل معارضيها أو من ينتمون للعهد الفائت وكان من بين هؤلاء الضحايا الطبقة الأرستقراطية التي ينتمي لها الكونت “روستوف”. لم يسرق، ولم يقتل، ولم يعارض، جريمته أنه ابن الطبقة الراقية التي لا مكان لها بعد الآن فلا طبقية بعد اليوم. يجد الكونت نفسه أسيرًا في فندقه الأثير؛ ولكن ليس كما كان قديمًا بل كحبيس يقع تحت الإقامة الجبرية، ومن الآن لن يكون محل إقامته هذا الجناح الأنيق بل حجرة في آخر الفندق مهجورة كانت قديمًا مسكونة من قبل الخدم.

بعد المصائب يأتي التأقلم

الدرس الذي وعيه ابن الطبقة الأرستقراطية قديمًا من جدته أنه: لا كلمات لطيفة تقال عن الخسارة وأن عليه أن يحرم خصمه متعة التشفي على الأقل. وهكذا جمع الكونت كبرياءه مع ما استطاع من أغراض يمكن للحجرة الصغيرة أن تضمها، وعلى بقية أغراضه العزيزة التي لا يتسع لها المكان أن تبقى، وأن عليه أن يحذفها من قلبه ومن ذاكرته. كانت اختيارات الكونت محدودة للغاية: ماذا يأخذ؟ وماذا يترك؟ فكل الأشياء إما مقتنيات شخصية أو هدايا وإرث عائلي. قرر الكونت بذكائه الأرستقراطي أن يحتفظ بحجرة مكتبه، وبطقم الخزف الفاخر، وعليه أن يتخلى عن كل هذا الكم من الكتب ويصحب معه كتابًا أجل قراءته كثيرًا، كان ورثه من مكتبة أبيه، وعليه أن يقرأه الآن. “مقالات ميشيل دو منتاني” الكتاب المؤجل، والذي صار الآن بمثابة القشة التي ستنقذ الكونت من الفراغ، والوحدة، والألم.

” لكن الكونت ليس من طبعه الانتقام، ولا يتمتع بمخيلة ملحمية، وبالتأكيد لا يملك الأنا الحالمة لكي يتصور نفسه وهو يستعيد إمبراطوريات مسلوبة. لا، مثله الأعلى سيكون في السيطرة على الظروف سيكون نوعًا مختلفًا تمامًا من الأسرى: “أنغليكاني” أطاحته الأمواج إلى الشاطئ مثل “روبنسن كروزو” عالقًا فوق “جزيرة اليأس”، سيظل الكونت محافظًا على عزيمته عن طريق الانشغال بالمسائل العلمية”.

يبلى الكونت بلاءً حسنًا في مهمة التأقلم مع وضعه الجديد، ومع فواجع حياته حتى يلتقي ب “نينا” الطفلة المشاكسة المهووسة بالحياة الأرستقراطية، التي تعقد معه اتفاقًا على أن يعلمها فنون الترف وحياة الأميرات وتعلمه هي فن التلصص وخبايا الفندق الذي صار كل عالمه وسيحيا فيه ما تبقى من حياته. تهون “نينا” على الكونت الكثير من الأيام القاسية برتابتها وضآلتها. الكثير من الأحداث القاسية تعصف بحياة الكونت، والكثير من المسرات تطرق بابه وتسير الحياة وهو معها،  أكثر من ثلاثين عامًا رابضًا في فندقه، الحياة تمر به ولا يمر بها. تتغير ظروف روسيا السياسية والاجتماعية والكونت “ألكسندر روستوف” أسير في فندقه يحاول الحياة قدر استطاعته. بالطبع لن نذكر هنا أن الكونت حاول الانتحار ذات مرة حينما تسلل اليأس لنفسه، فهذا حادث عابر إذا قورن بعدد الأعوام التي تحملها الكونت وعدد التقلبات التي عصفت به وانحنى لها جميعًا.

تقبل الكونت بروح الجنتلمان حذف لقب “صاحب السعادة” قبل اسمه، وتقبل برحابة صدر أن يصبح موقعه في مطعم “البويارسكي” أحد مطاعم فندق “المتروبول” الذي بات يخضع فيه للإقامة الجبرية من ضيف لنادل! أكثر من ضعف عمره قضاه الكونت في الفندق دون شكاية أو ملل، وقنع من الحياة بأن يكون مراقبًا لها لا فاعلًا، كان يرى الحياة في رواد الفندق ومطعم “البويارسكي”، كان يعلم ما آلت إليه روسيا من اجتماعات أعضاء “الكرملين” وكبار رجال الدولة التي كانت تعقد في الفندق، كان لا يعلم إلا ما أتيح له وما يسمح له تواجده في الفندق بمعرفته وخلاف ذلك كان لا يعلم ولا يهمه أن يعلم.

إعلان

المرء إن لم يقهر ظروفَه قهرتهُ

لو كان الحال قد استمر بالكونت على هذا الوضع حتى فارق الحياة وانتهت الرواية على ذلك لكان الكاتب جانيًا على كل قارئه إذ يُلقنه درسًا في الانهزام والانسحاب من الحياة؛ لكن حمدًا لله أنه لم يفعل وفتح لنا باب الأمل والتمرد على مصرعيهما في آخر الفصول. العزلة الطويلة التي قضاها الكونت مع الكتب أفادته كثيرًا ، وهكذا سطعت في رأسه مقولة “دو منتاني” في أحد مقالاته” إن المرء إن لم يقهر ظروفه قهرته”. بطريقة تشبه طريقة “آندي” في فيلم “The Shawshank redemption” فر الكونت بما بقي من حياته، وثأر لكل الأيام التي قضاها منفيًا عن العالم وانتقم بمن سفهوا منه طويلًا وأخرج لسانه للعالم معلنًا أنه سيحيا رغم كل شيء. صحيح أنه بلغ من الكبر عتيًّا، وتساقط معظم شعر رأسه وشاب ما بقي منه، وصحيح أن قدميه أصبحتا ثقيلتين وأصبح الدرج الذي كان يصعد قلبتين منه في خطوة واحدة شاقًا عليه صعوده حتى ولو قلبة بقلبة، صحيح أن ما تبقى من العمر ليس بكثير لكن الحياة لا تقاس بالأعوام؛ بل باللحظات التي شعر فيها المرء بالرضا، وعليه فإنه أسقط من عمره ما يزيد عن ثلاثين عامًا قضاها كضريبة لجرم لم يفعله ولكنه نبل الجنتلمان.

عن رواية” جنتلمان في موسكو”:

رواية “جنتلمان في موسكو” من الروايات الضخمة إذ يبلغ عدد صفحاتها أكثر من خمسمائة صفحة. صدرت الرواية عام 2016 وصدرت الترجمة العربية لها عام 2019 عن دار” التنوير” بترجمة رائعة من المترجم المصري إيهاب عبد الحميد. الرواية من تأليف “أمور تاولز” وصدرت له قبل ذلك رواية “The Rules of Civility” عام 2011. تصدرت رواية “جنتلمان في موسكو” قوائم الأكثر مبيعًا ولاقَتْ استحسانًا كبيرًا من القرَّاء والنقاد على حد سواء.

يقابل قارئ الرواية مفاجئتين عند اتمامها، الأولى أن الكاتبَ أمريكي وليس روسيًا؛ ولكنك تجد وصفًا دقيقًا لروسيا تحديدًا ميدان المسرح، والذي يقع فيه فندق ” المتروبول” ووصف مفصل للفندق والمناظر التي يطل عليها، وغرفه وثناياه بالتفصيل، وفي ذلك قال رجل الأعمال الأمريكي “بيل جيتس” على مراجعته للرواية على موقع “الجود ريدز” أنه قام بزيارة روسيا قبل ذلك وأقام بفندق المتروبول وأن الوصف الذي أورده “تاولز” في روايته دقيق لحد كبير. والمفاجأة الثانية أن العمل كُتب حديثًا وليس منذ خمسين عامًا؛ ولكنك تجد فيه روح الأدب الروسي التي تجدها في أعمال “دوستويفسكي” وغيره من الأدباء الروس وما فيها من وصف دقيق لطبقات المجتمع الروسي وعاداته وتقاليده آنذاك.

نرشح لك: الغربة النّفسيّة.. في رواية “حكاية بحّار” للكاتب حنّا مينة

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دينا سعد

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.