تأخذك إلى أعماق الفكر

رواية” أطياف كاميليا” المرأة بين التمرد والانكسار

حرية المرأة حلم قديم يراود كل الفتيات خاصة في الفترات الأخيرة. والمساواة بين الرجل والمرأة كذلك ليست أقل طلبًا؛ لكن أية مساواة وأية حرية تبحث عنها المرأة؟ حرية المرأة حقٌّ أُريد به الكثير من الباطل، أو لنقل إن جُل من استخدموا هذا الحق استخدموه بالطريقة الخاطئة؛ فالحرية في نظر الكثيرات ذهبت لتصبح تحررًا من الأعراف، والقيم، والأخلاقيات. ومن باب المساواة بين الرجل والمرأة: الخطأ ليس عيبًا، والخطيئة مُبررة وإلا لماذا لا يُعاب الرجل عليها وتُعاب المرأة. الكثير من المناطق المعتمة والرمادية تقبع تحت مسمى حرية المرأة، وصار هذا الشغل الشاغل للفتيات حتى وإن كن لا يعانين من كبت مجتمعي وأسري أصلًا كما بطلة قصتنا “أطياف كاميليا“.
كانت كاميليا تَوَّاقة للحياة، شغوفة بالنجاح والتفرد، فائقة الطموح حتى أنها تفوقت في تحقيق طموحها على أخيها، ومنحها أبوها ما لم يمنحه من الصلاحيات والرفاهيات في أن يحقق طموحه. لكنها لم تقنع بكل هذا كانت دومًا تطمع في المزيد؛ لكنها لم تكن تعرف تحديدًا ما هو المزيد الذي تريده؟ ربما كانت تريد تحررًا من كل شيء وتحليقًا بعيدًا عن كل شيء: عن الناس، والمجتمع، وأسرتها، وبلدتها.

يُلقي القدر بكاميليا في طريق رجل لا تدري تحديدًا كيف سينتهي حالها معه؛ فزواجهما مستحيل كما أخبرها بنفسه لأنه رجل متزوج ولديه أبناء وأنه لا يستطيع أن يمنحها ما هو أكثر من الحب وفي المقابل سيأخذ هو كل شيء وسيطفئ بحبه العصي جذوة روحها وقلبها فيما بعد، ويمنحها لذة الفاكهة المحرمة ثم يجعلها تتجرع كاسات الندم والأسى بقية عمرها.

متى تنكسر المرأة؟

فتاة حالمة وطموحة ككاميليا لم يكن أحد ليتوقع لها أن تخسر أبدًا؛ فقد كانت رابحة في كل شيء: كانت الأجمل، الأذكى، الأخف روحًا التي تأسر القلوب والعقول من أول وهلة. كان الجميع يرونها عصية حتى على أحلامهم؛ فمن يليق بفتاة كتلك؟! فجأة تلاشى كل هذا حينما ذابت روح كاميليا في علاقة استنزفت روحها وقلبها. انكسرت كاميليا أولًا حينما علقت قلبها بحب لا أمل فيه، وانكسرت ثانيًا حينما منحت كل شيء من قلب وعقل وجسد، وانكسرت ثالثًا حينما اختفت نظرة التوقير والفخر في عين أبيها وحل محلها نظرة الخزي والغضب، وانكسرت رابعًا حينما قبلت بزواج لا تطمئن فيه ولا تسكن لكنه كان ثمنًا طبيعيًّا لتهورها أولًا ورضاها بأن تمنح كل شيء لمن لا يُعطي أي شيء ثانيًا، وانكسرت خامسًا حينما اعتكفت على ظلال قصة حبها العصية وما دونها الموت وانطفأت روحها وانطفأ جمالها وشغفها بالحياة. هذه كانت كاميليا العمة التي ستعيش ابنة أخيها التي تحمل نفس اسمها نفس تلك التفاصيل لكن بخاتمة مختلفة.

كاميليا بين الحرية والتمرد

على عكس عمتها لم تكن كاميليا الصغرى تحظى بقدر من الحرية أو الترفيه والثقة، وَعَى أبوها الدرس جيدًا أو هكذا ظن، وعامل بناته بعكس ما كان أبوه يعامل أخته؛ فقسى عليهم. كاميليا كما عمتها لم تكن تحب هذا البيت ولا هذه الحياة ولا هذه المدينة؛ لكنها ليست مثلها تملك طموحًا، هي في الواقع لا تملك أي شيء سوى التمرد…التمرد لأجل التمرد! أن تفتح أول زرين من قميصها المدرسي هو التحرر في رأيها، كانت تشعر بالسعادة الغامرة حين تفر من المدرسة والدروس لأجل لا شيء. كاميليا الصغرى لا تملك شغفًا ولا طموحًا ولا حلمًا؛ لكنها ما زالت تبحث وفي أثناء بحثها تعثر على أوراق عمتها القديمة التي حوت قصتها بمراحلها المختلفة: من ذروة الإشراق حتى ذروة الانطفاء.

“بدأت تهرب من الدروس ولم يعد شيء يعنيها، تشعر بأن الروابط بينها وبين بيتها وبين المدينة والمدرسة والدروس والمدرسين تتآكل كأنها حبال ذائبة. كان تمردها يظهر في لمسات من زبدة الكاكاو على شفتيها تضعها وهي تركض على سلالم البيت بلا مرآة، تفتح أعلى زرارين في القميص، تزيل الشعيرات الصغيرة بين حاجبيها بملقاط أمها، وتنظر لمن أمامها في عينيه بثبات”

إعلان

تشعر كاميليا بأن قدرًا خفيًا ينتظرها وكأن روح عمتها تسحبها لتصير مثلها في كل شيء كما كانت مثلها في الشكل والاسم. بمرور الأيام ومع خوضها أكثر في أوراق عمتها تدرك أنها تشبهها حقًا في كل شيء وأن هذه النزعة للتمرد ليست بجديدة على هذا المنزل. الآن فقط ربما تفهم خوف أبيها الذي يترجمه لقسوة وحبه لأخته التي فقدها والذي ترجمه لعصبية وصرامة مع بنتيه خوفًا عليهما من مصير عمتهما.
كره كاميليا لحياتها في منزل أبيها دفعها لفعل مجنون، وهو أن تهرب مع شاب لا تربطها به أية عاطفة، أرادت فقط أن تتمرد وتهرب حتى ولو إلى ما هو أسوأ من حياتها في بيت والدها. لحسن الحظ تعود كاميليا لرشدها قبل فوات الأوان وتعود لبيت أبيها وتنال حظها من التقريع والصفع والقمع؛ لكنها رضت واستسلمت لكل هذا بعدما أدركت أنها لم تكن تؤذي أحدًا سواها وبعدما تفهمت شخصية والدها ودوافعه وأصبحت تشفق عليه.

كفرار أكثر تعقلًا تقرر كاميليا الزواج بفتى آخر لا تحبه أيضًا وتصر على والديها بأن يوافقوا على خطبتها له وأنها لن تكمل تعليمها بعد المرحلة الثانوية. هي فتاة ضائعة وتبحث لنفسها عن خلاص ولا تدرك حجم الخسائر التي يمكن أن تتكبدها في المستقبل جراء اختيار كهذا. وكما كانت عمتها هي لعنتها، كانت هي ملاذها أيضًا. حينما تعلم كاميليا بقصة عمتها مع زوجها الذي تزوجته دون عاطفة وعن ذبولها بجواره تقرر فسخ الخطبة. كانت كاميليا الكبرى بمثابة مُلهمة ومُخلصة لكاميليا الصغرى، رأت فيها نموذجًا مسبقًا لحياتها بمساراتها المتنوعة وما يمكن أن يحدث لو سلكت هذا الطريق، أو ذاك. لحسن الحظ كاميليا تعتبر بتجربة عمتها في الحياة حينما قرأت دفاترها كاملة واطلعت على مكنونات نفسها وما لم تخبر به أحدًا وعن ندمها على قرارتها وعلى سجنها لنفسها في قوالب متعددة: قالب الحب تارة، وقالب التمرد تارة أخرى وفي النهاية التلاشي والاختفاء من الحياة. صارت كاميليا نسخة منقحة من عمتها واختارت لنفسها طريقًا تحقق فيه طموحاتها دون التخلي عن فضيلتها، ربما تبحث عن الحب لكنها لن تمنحه لمن لا يستحق وبلا ثمن، والأهم من ذلك أنها لن تسجن نفسها في هُوَّة الندم والثورة والتمرد الأبدية.

وهم الحرية

في مقدمة روايته الشهيرة “ أنا حرة” يقول إحسان عبد القدوس أنه:

ليس هناك شيء يسمى الحرية، وأكثرنا حرية هو عبد للمبادئ التي يؤمن بها وللغرض الذي يسعى إليه. إننا نطالب بالحرية لنضعها في خدمة أغراضنا… وقبل أن تطالب بحريتك اسأل نفسك: لأي غرض ستهبها؟!.

الكل يبحث عن الحرية: المرأة تريد حرية كحرية الرجل رغم أن الرجل ليس حرًا، والرجل يبحث عن حرية من قيد الأسرة ومن سطوة المرأة الأنثوية، جميعنا متمرد على جميعنا. المؤلم أننا في أثناء بحثنا عن الحياة وعن الحرية التي نود، ننسى أن نعيش، ونصبح مجرد دمى متحركة تبحث عن حياة فاضلة لا وجود لها على كوكب الأرض؛ ونفاجئ في نهاية المطاف أنه لا توجد حياة كاملة، ولا حرية كاملة، وأن الحياة في حد ذاتها غاية تستحق أن نقاتل من أجلها لا أن ندفن أنفسنا أحياءً لأن الحياة لم تمنحنا ما أردنا…وهي دائمًا ما تفعل!

“عندما تذكرت جسمي الخالي من الحياة والطاقة بعد رحيلك، وعينيَّ المعلقتين في السقف دون حراك، وعظامي التي آلمتني طويلًا من فرط الاشتياق، شعرت برغبة في الضحك بصوت عالٍ واضطرب قلبي من تغيره ثم خنقتني الرغبة في البكاء. مشيت كثيرًا جدًا دون أن أشعر، تحولت شوارع القاهرة إلى شوارع عادية بلا أي ذكريات، لم أعد راغبة في تسجيلها أوالتأمل فيها، حزنت لانتهاء حياتي كما كنت أعرفها، وشعرت بخواء يسيطر على عقلي وقلبي، وكأنني غير مدركة لما حولي، لا أعرف إلى أين ينبغي عليّ الذهاب، ولا ما الذي يجب عليّ فعله في سنين حياتي القادمة”

عن كاتبة رواية “أطياف كاميليا”:

نورا ناجي كاتبة وصحفية مصرية تكتب بالعديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، مهتمة بالقضايا النسوية. صدر لها من قبل رواية “بانا” عام 2014، و” الجدار” عام 2016، و”بنات الباشا” عام 2017 والتي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة ساويرس الأدبية، رواية “أطياف كاميليا“. هي الرواية الرابعة للكاتبة صدرت في معرض الكتاب 2020.

نرشح لك: امرأتان في امرأة: قراءة في رواية المناضلة نوال السعداوي

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.