تأخذك إلى أعماق الفكر

“رجال غسان كنفاني” حمل الحياة الثقيل

مرة أخرى يُنكأ الجرح الفلسطيني العربي النازف منذ واحد وسبعين عامًا، في العمل الروائي الجديد للكاتب المصري عمرو العادلي. الحديث عن النكبة، والنكسة، والحرب، والسلام استُهلك في آلاف الكتب والروايات والمقالات حتى سئمنا الحديث عنهم؛ لكن كاتبنا أعاد النظر إلى هذه الأحداث بطريقة مختلفة هذه المرة. أبطال رواية عمرو العادلي ليسوا نوعًا من الأبطال الخارقين والأسطوريين الذين يقفون في وجه التنين ويصيحون بالحقيقة؛ بل هم أبطال كزماننا مهزومون ومنسحقون، يعرفون الحق في دواخلهم ولا يستطيعون إنكاره ومع ذلك لا تأتيهم الشجاعة للصدح به. وبالطبع هنالك المتلونون الذين لا تعدمهم الدنيا أبدًا ويزداد عددهم كلما علا صوت الباطل وأصبحت القوة والغلبة للطغاة.

حينما تصبح الحياة عبئًا لا يُحتمل

أن تنجو من الموت مرة يعني أنك محظوظ، أما أن تنجو منه مرة إثر مرة يعني أن الموت لا يريد أن يُخلصك من عنائك وشقائك. في البداية كان مروان في فلسطين لا يعنيه أمر الأرض والزيتون إذ رأى والده يفر من المواجهة ويترك الأرض لمغتصبيها ويتركه وأمه وإخوته ويتزوج بأخرى لديها أرض لم تطلها يد الغاصبين بعد. وككل شاب، كان مروان يحلم ب “صفية” التي يحول بينه وبينها قصر ذات اليد، وهنالك دومًا الشرط الأبدي: من أراد الحب فعليه بالمال. يخرج مروان للتيه الأول في الصحراء التي وعدوه بأنها ستوصله للكويت حيث المال الوفير الذي سيسهل له الطريق لصفية؛ لكن بدلًا من ذلك يجد نفسه في جوف الصحراء مع سائق باعه الوهم ورفيقيه، لحسن حظ رفيقيه أنهم ماتوا ولسوء حظه أنه نجا!

في التيه الثاني وعقب النجاة من الموت يلتقي مروان بعم منصور السائق المصري الذي يحمله معه لمصر، يظل مروان يحلم بالعودة لوطنه في بادئ الأمر ثم بعد غياب عم منصور واختفائه أثناء سفره للكويت في عام 1967 يصبح لزامًا على مروان أن يبقى بجانب مريم ابنة عم منصور؛ لكن مروان دومًا على وعد بالتيه في جوف الصحراء، وفي كل مرة ينجو، تلك هي مأساته أنه ينجو، وينجو، وينجو. آخر نجاة لمروان لم تكن من التيه في الصحراء فحسب بل من تبدل مبادئه ومذاهبه، صحيح أنه ضعيف مقهور لا يملك حق النضال؛ لكنه على كل حال لن يخون ولن يعمل في نقل البضائع والمعدات للوحدات العسكرية الإسرائيلية في سيناء. بعد النجاة الأخيرة يدرك مروان أن الحياة قدره ولا مفر منها؛ لكنه حمل ثقيل والموت أخف وطأة منه.

” التمسك بالحياة عمل شاق، كيف يناضل طفل بكل ما لديه من طاقة كي يصير مثل الآخرين، يخرج من الحياة ثم يجرب هل يستطيع الدخول مرة أخرى أم لا، ربما استطعت في هذه السن أن أعرف كيف أتعذب وأنا أقاوم الموت؛ لكني لا أعرف لماذا أتعذب كي أحب الحياة؟”.

الأمر فقط يحتاج لرجال

المبادئ تبدو قوية حين التحدث عنها، أما التمسك بها والدفاع عنها بحق فأمر ثقيل لا يقدر عليه غير “الرجال”. كما أن الحق يسقط بالتقادم، فالمبادئ تسقط بقلة المدافعين عنها، حتى يختلط الحق بالباطل؛ لكن هل قول الحقيقة أمر خارق؟ الإجابة: لا، فهذا صاحب الشاحنة الذي أنقذ مروان من التيه الأخير يخبره بها من خلف المقود وهو ينفخ دخان سيجارته وكأنه لا يفعل شيئًا على الإطلاق:

“بلدكم منكوب لأن الجميع يعاملونه كما يعامل السائق الطريق، عندما يقع حادث مفاجئ، تسير السيارات في طريقها المعتاد، لا يتدخل أحد للمساعدة، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن السائقين جميعًا في مأمن من الحوادث؛ رغم أن القضية كلها لا تحتاج إلا إلى رجال”.

شيئًا فشيئًا يتبدل مروان ويصبح شبحًا لشخص كان قديمًا فلسطينيًّا، وتصبح هذه الكلمة عبئًا يحمله على كتفه ويذكره بخنوعه وخضوعه، ويكتشف أن جينات أبيه طغت على جينات أمه، وفر مثله من كل شيء تاركًا الدنيا بما فيها، بماضيه، بحاضره، باسمه، بكل شيء يذكره بأنه لا يستطيع، وأنه ليس كُفئًا لأن يستطيع.

إعلان

“خسرت كل المعارك، حتى البيت الذي فتح لي أبوابه ضاع مثلما ضاعت قيسارية عن طريق التجار والمتآمرين. لم يعد بوسعي تحديد موقعي من الحياة، تبدلت الأماكن قليلًا يا أمي وانحرفت مني، تُهت ولم يعد بإمكاني العودة مرة أخرى، انقضت بضع ساعات وأنا أبحث عن شيء لا أعرفه، مرت سنة تلو الأخرى ولم أجد هذا الشيء حتى الآن”.

لماذا رجال غسان كنفاني ؟

استنبط الكاتب عمرو العادلي شخصيات وعوالم روايته من شخوص وعوالم غسان كنفاني الذين دومًا ما يتأرجحون بين القوة والضعف، ودومًا ما يكونون في مواجهة الحياة بمفردهم، ويكون الموت بالنسبة لهم رفاهية لا يحصلون عليها. رغم أن العمل الذي بين أيدينا يحاكي أعمال غسان كنفاني إلا أنه تفرد عنه في السرد المطول؛ حيث أن أعمال غسان كنفاني دومًا ما تتأرجح بين المئة صفحة فأقل من القطع الصغير، مكونة بذلك قصة طويلة أو نوفيلا، وتكون مكثفة للغاية ومُختصرة لأقصى حد، بينما في”رجال غسان كنفاني” السرد عنصر فعال جعل الرؤية واضحة لكل الأحداث التي مر بها البطل، بدءًا من حياته في فلسطين وحتى تيهه في الصحراء، إلى حياته في مصر وملابساتها. رجال غسان كنفاني رؤية حالية لأحداث مضى عليها عشرات الأعوام، وإعادة بعثها من جديد. هي إعادة نظر فينا، تُرى من أصبحنا من هؤلاء الرجال: الضعيف المستسلم، أم القوي المناضل، أم المتمسك بأرضه حتى آخر حبة رمل فيها، أم من يسلم بالأمر الواقع ويفر إلى أي مهرب يأويه؟ وفي أي مرحلة نحن الآن؟ التيه في سبيل الحق، أم الوصول لقرار الاستسلام حفاظًا على الحياة؟

عن الكاتب

رواية “رجال غسان كنفاني” هي الرواية السابعة للكاتب عمرو العادلي، وصدرت في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2020 عن “مكتبة الدار العربية للكتاب”، صدر له من قبل ست روايات مثل: رواية اسمي فاطمة، التي ترشحت للقائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد عام 2019، ونال جائزة الدولة التشجيعية عن روايته ” الزيارة” عام 2015. صدرت للكاتب كذلك خمس مجموعات قصصية فازت منها مجموعة “حكاية يوسف إدريس” بجائزة ساويرس فرع كبار الأدباء عام 2015.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دينا سعد

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.