تأخذك إلى أعماق الفكر

خلاصة كتاب نقيض المسيح “Der Antichrist” فريدريك نيتشه

إنَّ كلّ ما يقوله القسّ بشأن موضوع ما عليك أن تعكسه لتعرف حقيقته فكلّ ما يصدر عنه هو قلب للحقائق، إنَّ القسّ يأمرك بطاعة الله واحترامه وتنفيذ أوامره ونواهيه؛ لأنّه هو الإله نفسه الذي يريد منك تقديسه، إنّه يجعل من التاريخ مقسم ومتعلِّق بكل إيمانهم الدينيّ وتاريخهم المسيحيّ، كما يجعل من حياتك كلّها لعبة قائمة على ثواب وعقاب إلهه، إنَّه يسحب من الإنسان صلاحيات تحقيق واقعه وذاته بنفسه.

إنّه يجعل كل أمر في الحياة متعلقًا به من أمور الدولة والعلاقات الاجتماعيّة والقضاء وحتى مراسيم الزواج، لا يمكنك أن تتزوّج إلا بحضوره ومباركته ليجعل لزواجك قيمة وشرعية، أمّا من يرفض الامتثال لكلِّ هذه التقييدات فهو ملعون وضدّ مشيئة الله.
لقد كانت الخطيئة مجرّد شمّاعة يعلِّقها القسّ على ظهور الناس لجعلهم خاضعين له، بائسين ومحتاجين له، عكس الممتلئين صحةً وعافيةً، لا يشجع القسّ الإنسان على حيازة العلم بل يفضِّل أن يكون هو المتعلِّم فقط حتى يسيطر على عقول البسطاء، إنَّه يجعل من الشكِّ والرَّيبة والسؤال ذنوبًا يجب أن ينال صاحبها السخط من الله لأنَّه تَعَدٍ عليه و إنَّ القس يحب الحروب حتى تجعل الإنسان بائسًا أكثر لا يجد وقتًا لطلب المعرفة والتفكير باستثناء الهلع والفقر الذي يجرّه على التقرب منه وطلب مغفرته.
إنَّ القسَّ يسجن الأخلاق و يلعب بها كما أراد سواء يخترعها أو يعيد تشكيلها وطهيها على نار المقدس والإلهيّات، كذلك يطرد الطبيعة من الواقع والجديّة والوجود، إنّه يجعلها دنسة موحلة ويخترع الكذبة السماويّة والملكوتيّة مؤكدًا أنّها مقدّسة وإلهيّة والوجود الحقيقيّ لا غير خيالات لم تكن حتى موجودة في الإنجيل كأمر وحتى الكنيسة كمثالٍ تلك السلطة المُختَرَعة من قبلهم ليحكموا قبضتهم بالعالم حسب زعم نقيض المسيح. إنّهم يكرِّسون أخلاق الضّعف والارتكاس والشفقة أمَّا الإيمان فهو مجرَّد غطاءٍ يتلحف به هؤلاء الكهنة والقساوسة ليحقِّقوا مصالحهم فقط تمامًا مثلما فعل لوثر* -مؤسِّس البروتستانتية- ذاك القسّ الذي حارب عصر النهضة الذي كان يوليه نيتشه قدراً كبيرًا من الاحترام مقارنةً بعصورٍ عدَّة، كذلك القديس أوغسطين* لقد كان من أكثر القدّيسيين الذين مقتهم وربَّما كما أرى فإن أوغسطين قد نال حصَّته من سخط وشتائم نيتشه في هذا الكتاب كونه من أول رجال الدّين الذين كرسوا مفهوم تأسيس الكنيسة كفعل وتمثيل من السماء، وكذلك ترسيخ صورة مدينة الله الفاضلة التي تقوم على أساسها أي تمزيق العالم إلى جزئين جزءٌ أرضيّ و جزءُ سماويّ الشيء الذي يحتقره فيلسوفنا ويعاتب عليه أفلاطون وغيرهم من الطوباويين في مؤلفات أخرى، وها هو أوغسطين الآن فيلسوف مسيحيّ قد جاء ليزيد الطين بلّة. إنّ الكهنة أو القدّيسين الذين هم على شكل فلاسفة، أو الفلاسفة المُشَبَعِين بمبادئ العلم، اللّاهوتيون الذين يخلطون الفلسفة لهم من أشد الأشخاص خطورة على البشريّة كما يعتقد نقيض المسيح ومن المُؤكّد أنّه أعدَّ أوغسطين منهم وكلّ من هم على شاكلته.

يستطيع القسّ فعل كل شيء ليُسَيِّر بعصاه العالم بما في ذلك ممارسة طقوس وثنيّة قربانيّة رمزًا للمسيح لا غير وتبنِّي معتقدات الشعوب الأخرى لتوجيه عصا الراعي إليهم وضمهم إلى المسيحيّة، أمّا النُّصوص والوثائق والكتب المقدّسة التي أوصلوها إلينا عبرهم والتي تُسمَّى موروثًا لا تعدو إلّا أن تكون مجرَّد نصوص أدبيّة لا يمكن للمرء حتّى أن يأخذها بجديّة ويطبِّق عليها المنهج العلمي.
وإنّه من السيء حسبي كما أرى أنَّنا لم نستطع رصد أنف بينوكيو ذاك، الأنف الخشبي الذي يطول كلّما كذب، كان القساوسة من دون أنوف على عكسه، فذاك الخشب قد اسْتُغِلَّ كلّه ببراعة لصنع صليب المسيح، لكنّ هاهو نيتشه الآن قد جاء ليؤكد لنا ضلالهم بطرق أفضل، ربّما بأنفه ذاك الذي مدحه في كتابه الأخير بعد موته (هذا هو الإنسان)، أنفه الذي لديه القدرة على كشف الكذب كما كان يقول، كذَّب الجميع بمن فيهم هؤلاء الطهاة ورائحة طعامهم.

ذلك المُبشِّر مات كما عاش، وكما كان يعلِّم، ليس من أجل تخليص الإنسان، بل من أجل أن يعلِّم كيف ينبغي على المرء أن يعيش، والممارسة هي تلك التي تركها للناس.
-فريدريك نيتشه، نقيض المسيح، ص 81

المسيح

يبدو المسيح عند نيتشه عصيًّا عن منحه تعريفًا شاملًا أو شخصيةً واحدةً فقط لها من التوضيح ما يكفي لجعلنا نكتفي بيسوع واحد، غير أنّه مثل الحقيقة والأخلاق لا يمكن تعريفه على نحو دوغمائي. إنّ كل ما وضعه نيتشه عن المسيح لا يعدو إلّا أن يكون فرضيات يمكن أن تصيب باعترافه مع ترجيح الكفّة لأحدها على الأخرى، ناهيك اعترافه الثاني حول ما يحتويه الإنجيل من غموض وتناقض حول المسيح وكذلك قلّة اطّلاعه على المؤلفات التفسيريّة للإنجيل ودراستها.

إنّ المسيح قد تعرَّض لعملية تشويه وقص وكذلك زيادة، لقد بُتِرَت أطرافه وقُطِع لسانه وتمّ تركيب قطع جديدة له منذ موته معلقًا على الصليب، تلك كانت بداية المسيح الذي نعرفه الآن.
لم يكن المسيح يريد تأسيس ديانة ولا حتى كنيسة بل كان متمردًا يحاول التمرُّد على السلطة اليهوديّة والطبقيّة، لقد كان بوذا ثاني يعيش في فلسطين لكن هذا لا ينفي أبدًا أنّه ظل يهوديًّا تسيطر عليه بيئته تلك وتقاليده، غير أنّه أراد التقدُّم خطوةً للأمام لخلق حياة من الممارسات والأفعال لمن يُقدِّرها، لقد أراد القول أن الملكوت قد يجده الشخص في ذاته وفي كلّ مكان يراه، غير أنّه كان يستعمل الرموز، لقد وصفه نيتشه على أنّه المرمز أي أنّه يجعل من الحقائق و الواقع مثل الأحداث والأوقات والأشخاص مجرّد أمثلة حياتيّة تخدِم ايحاءاته الباطنية والروحية تلك، أيّ بعبارة أخرى استعارات أرضية تخدم المعنى الرمزيّ السريّ.

إعلان

لقد أراد مصالحة الإنسان مع الله والقول أنَّه جاء لذلك وبذلك فإنَّ كلّ المفاهيم حول الغفران والكفّارة والخطيئة قد أزيلت عن طريقنا، ليس هناك من شيء غير تطبيق الأفعال المسيحيّة التي كان يفعلها المسيح ويؤمن ويدعو إليها لكنها مجدّدًا ظهرت بعد موته على أساسه ناقصة وزائدة في وضعية واحدة، لقد منحنا المسيح الوصفة الأصليّة لكنّنا غيّرنا مكوناتها لوصفة أخرى.
لقد كان رحيمًا، لم يقاوم الشرّ و لم يرُدَّ الإساءة، لا مشاعر نافرة وغاضبة ولا ردَّات فعل ولا عقاب للأشرار باستثناء المحبّة، المحبّة تلك التي تعمي عن الحقيقة وتجعل المسيحيّ مشلولاً عن الدفاع عن نفسه، هذا ما كان المسيح يؤمن به التسامح والبقاء من دون دفاع، كان من البديهيّ جدًّا أنّه مات على الصليب من دون فعل أيّ أمرٍ يستحقه.

لم يهضم أتباعه عار موته ذاك كما رأى نيتشه، إنَّهم لم يتعبوا من تلفيق الأكاذيب على لسانه ولم يستطيعوا تقبُّل موته والأسئلة التي ستطرح عليهم حول مصيره الشائن، لقد أرادوا الانتقام لموته لكنّ أي انتقام هذا لا تأمر به المسيحيّة ولا تشجّع عليه بل تتبنى ضدّيته أي القبول بالإساءة، ما من حلٍ إلّا أن يخترعوا ديانة بأكملها قائمة على القيامة والخلاص بروح يهوديّة ويؤسِّسوا الكنيسة، وما جعل هذا كلّه مُتَحقِّق بشكلٍ رهيب هو بولس، ذلك الحاخام كما يلقبه نيتشه، ذاك الذي اخترع ديانة جديدة مناقضة للمسيح الأول والحقيقة. كلّ أكاذيب من كذبته الكبرى التي تسند على صلبه وموته كفَّارة لخطايانا وأنّه النبيّ المعلم الابن، كاسر شوكة الموت والقائم من الموت قد حيكت بمنتهى التخطيط والخبث، حتّى أنّ النبيّ محمد نفسه يراه نيتشه في هذا الكتاب قد اقتبس مفهوم القيامة القائم على المسيح من كذبة بولس المُفَضّلة.

لقد كان المسيح الأول عند نيتشه ليس كمثل المسيح الثاني المُخترَع لكنّ مع ذلك هذا لا يعفيه أبدًا من مساوئه -أقصد المسيح الأول نفسه- فحبُّه للمساواة ونبذه الطبقيّة، سكوته عن الحق وعدم الدفاع عن نفسه، ترميزاته تلك وحتّى ثورته على التمرُّد سلميًا واعتماده على الضعفاء والفاشلين ومنحهم أهميّة تثير الاحتقار في نفس نيتشه والأسوأ من كلّ هذا نسخته الجديدة الأكثر سوء؛ المسيح الثاني الّذي ليس لديه أيّ إيجابيّة مثل الأول على الأقل.
سنكون بعدها في فرضيّة أخرى يطرحها نيتشه جاعلًا من التناقض الذي عند الإنجيل هو تحت تأثير وبسبب تناقض المسيح نفسه فهو يدّعي إمكانيّة كون المسيح مشوّه أصلًا منذ البداية من دون تدخل أحد، لكنّه يُبعِد هذا الاحتمال لما فيه من تصديق الدقّة والصّدق في سيرته وتفاصيلها في كل قصَّة حتى معجزاته وبالتالي أفضل احتمال هو افتراض عملية تشويهه من قبل اليهود مع غيرهم؛ فالإنجيل فيه من الحقيقة ما فيه من الكذب وبالتالي المسيح كذلك، هناك يجتمع التناقض و الضدّية مسيح و إنجيل حقيقي ومسيح كاذب وإنجيل كاذب يسيران في طريق واحد، أراد نقيض المسيح شقه إلى شقين فهل نجح؟

المسيحيّ ذلك الملاذ الأخير للكذب، إنَّما هو اليهوديّ مرة أخرى، اليهوديّ نفسه دومًا.
-فريدريك نيتشه، نقيض المسيح، ص 98

المسيحيَّة المُتَهَوِّدة والبوذيَّة

إنّ المسيحيَّة ما هي إلا يهوديَّة بغطاءٍ جديد وإنَّ المسيح نفسه قد كان يهوديًّا فلذلك من الصّعب أن تقوم المسيحيّة من دون جذورها وأساساتها القائمة على اليهود ومعتقداتهم، لقد قَلَبَ اليهود كل القيم النبيلة والحقائق منذ قرون، فقد كانوا قبل يرون في الإله تعبيرًا عن قوتهم وتحقيقًا لحياتهم وتثبيتًا لغرائزهم، كانوا في عصور ذهبية حقيقة غير أنّ الفوضى بعدها وتغيّر عدّة أمور جعتلهم يبتعدون عن الإرادة الصحيّة، فكانوا إن ابتعدوا أيضًا عن الحياة المختلفة لدى الشعوب والحضارات واكتفوا بخلق إله واحد فقط، ليس حتى إله قوميّ خاص بهم، بل إله يدّعي أنّه هو الوحيد المضطَّهِد والنَّافي لآلهة الشعوب الأخرى والمنعزل عن الحضارة كذلك. لقد تمّ بلورته بشكل مختلف كليًّا عن ما سبق وغيره من الآلهة.

لقد بالغوا في التشديد على مفاهيم ومصطلحات ساهمت في خلق أخلاق انتكاسية عدمية وحياة وسلطة نافية مثل ولادتنا عن خطيئة، ذنوبنا التي وجب أن تُكَفَّر بقربان أو بتوبة أو بأيّ بهتان، تبعيتنا للحاخام وسيطرته على كل مجالات الحياة من مجالات اجتماعيّة وسياسيّة وخصوصيّات، حتى صاروا يفسِّرون أيّ حدث حسب دعامة الثواب والعقاب أو العناية الإلهية، الله في كل مكان يراقبنا، إذا أُعجب بما نفعل فسوف يغدق علينا بالحلوى أما إذا شاغبنا فلن ننال غير الضرب على القفا، وما المسيحيّة إلا نهر نابع من بحر اليهودية نفسها، من نفس قساوستها وأرضها، غير أنّ البوذيّة كما يرى نيتشه هي نقيض المسيحيّة من عدة زوايا ونقاط.
-أولًا: إنّ البوذيّة ورغم أنّها تشترك مع المسيحية في عدّة نقاط مثل الانتقاص من العالم الحيوي ورؤيتها اللّذة كمصدر للألم؛ إلا أنّها أكثر قدرة على التشبث بالواقع والموضوعيّة من المسيحيّة، فالبوذيّة تعترف بالألم كحقيقة قائمة بذاتها في عالمنا وبهذا فهي لا تهرب من الحقيقة وإنما تمنحك فرص أو حلول لمحاربة الألم وهي تتغيّر حسب رغبة كلّ شخص، كما أنّها متبوعة بنظام صحيّ وحرّ، كالتجوال في العالم والتأمّل والتعقّل والاهتمام بالغذاء.. إلخ، غير أنّها ليست مقيّدة أمّا المسيحية فهي قائمة على ابتداع عالم ثانٍ غير حقيقيّ وحقيقة مزيفة، إنّها تخاف من الحقيقة والواقع كما هو من دون أي تجميل أو تشويه فتبتدع مفهوم الخطيئة التي تحلُّ محلَّ الألم فتؤلمك بطريقة غير مباشرة بل إنّها تحضُّ على الألم والأمراض للوصول إلى الله وتجعل حياتك جحيمًا، فلا حلّ إلا في تبعية القساوسة والتوبة وتنفيذ ما يقولون؛ لكنَّ على عكس زاوية نظر نيتشه إلى البوذية وصفعها للإله عن تجاهل، فإنّه قد غاب عنه كونها قد صارت بطوائفها بعد موت مُؤَسِّسها تستعمل نوعا من البوذية المؤسساتية أي المقيّدة وقد أُقحم حتى مفهوم شبيه بالملكوت في فِكْر أحد طوائفها لكن ما يهمنا في مقصده بعيدًا عن هذا هو المبالغة بالتَّقييد والصرامة كما تفعل المسيحيّة أكثر من غيرها.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.