تأخذك إلى أعماق الفكر

حرية الكفر

إنّ الأمر بمجادلة ومحاجة غير المسلمين يعني إقامة مناظرات معهم، وطباعة كتب تحاورهم وترد على كتبهم، ونشر مجلات ترد على مجلاتهم، أي دعوة لإقامة حوار مفتوح ومتبادل بين الطرفين، ويلزم عن ذلك بالضرورة أن غير المسلمين يبادلوننا المحاججة والجدال والدّعوة لدينهم، وإلا ما معنى الجدال مع أخرس غير مسموح له بالدعوة لدينه؟.

ونجد في السيرة ما يؤيّد هذا الحق، فبعد فتح حصون خيبر غَنِم المسلمون من حصونها عدة صُحُف فيها التوراة، ورغم العلم بأنها مُحرَّفة وتحوي على أخطاء عقدية، إلا أن الصحابة حافظوا عليها، وحين جاء اليهود يطلبونها، تكلم فيها رسول الله مع الصحابة، وردوها لليهود، ولم يصنع ما صنعه الرومان بعد دخولهم أورشليم حين أحرقوا الكتب المقدسة وداسوها(10).

وفي العهد الأموي كتب يوحنا الدمشقي كتاب (حوار بين مسيحي ومسلم) يناقش فيه القضايا الخلافية بين الإسلام والمسيحية، وينتصر للمسيحية، في صورة(إن قال لك العربي كذا، فقل له كذا). والسماح بنشر هذا الكتاب في العهود الأولى للإسلام دال على قدر التسامح المنتشر وقتها(11).

وكان العهد العباسيّ هو عصر انفتاح على أمم وديانات وثقافات مختلفة: (يهودية، ومسيحية، ومانوية، وزرادشتية، وبراهمة، ودهريين/ملحدين)، وكانت حرية الرأي والتعبير والدعوة في أوجها لا ترى سقفًا ولا تعرف حدًّا، وكل مؤمن بديانة نشر دعوته وعقائده بمنتهى الحريّة، فامتلأت الساحة العلمية بدعوات غير المسلمين، حتى انتقلت قصص أهل الكتاب إلى المسلمين، فدخلت الإسرائيليات في التفسير، وتأهَّب علماء الكلام للدفاع عن الإسلام، فاستمعوا لغيرهم، وخاضوا مناظرات مع يهود، ونصارى، ومانوية، وزرادشتية، وبراهمة، وملحدين، وهذا الاقتراب والانفتاح دال على مدى حرية الدعوة والتعبير في هذا العصر(12).

يقول أبو الأعلى المودودي: “لغير المسلمين في الدولة الإسلامية من حرية الخطابة والكتابة والرأي والتفكير والاجتماع ما هو للمسلمين سواء بسواء. ولهم الحق في انتقاد الدين الإسلامي مثل ما للمسلمين من الحق في نقد مذاهبهم ونِحلهم. ويجب على المسلمين أن يلتزموا حدود القانون في نقدهم هذا كوجوب ذلك على غير المسلمين”(13).

إعلان

ويقول علي شريعتي: “الإسلام يحث المسلمين على الدعوة إلى دينهم، ويُعِدُ ذلك وظيفة شرعية، ولكنه في نفس الوقت لا يحظر على الأقليات الدينية الأخرى أن تمارس الدعوة لنفسها”(14).

المصادر:
1-(المستدرك على الصحيحين) ج2 ص216 رقم (2801).
2-(الإسلام والاستبداد السياسي) ص113.
3-(فقه الجهاد) ج1 ص456.
4-(طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) ص110.
5-(مواطنون لا ذميون) ص198.
6-(فقه الجهاد) ج2 ص1012.
7-(عيون الأثر) ج1 ص253، (سيرة ابن هشام) ج2 ص160.
8-(حرية الاعتقاد في الإسلام ومعترضاتها) ص448.
9-(أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام) ص98.
10-(المغازي) للواقدي ج2 ص680، (حياة محمد) ص313.
11-(ضحى الإسلام) ص310.
12-(في علم الكلام – المعتزلة) ص30-89.
13-(حقوق أهل الذمة) ص34.
14-(معرفة الإسلام) ص118.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: خالد باظة

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.