تأخذك إلى أعماق الفكر

نسيج نجيب محفوظ وثوب محسن زايد

جميعنا أحببنا نجيب محفوظ كاتبًا، وأحببنا أعماله مكتوبة وسخطنا -وهو معنا- على أعماله التي تحولت إلى أعمال فنية ما بين أفلام ومسلسلات. لا أحد يدري ما سر خلطة نجيب محفوظ التي تجعل العمل فائق الروعة مقروءًا، سيئ الجودة لا يكاد يستساغ مسموعًا ومرئيًا. العوالم هي نفسها، والشخصيات هي نفسها، لكنها في النص الذي حاكه نجيب محفوظ بيده تصير أروع من أي سيناريو يصوغه أي كاتب ومن أي إخراج حتى وإن كان متقنًا… إلا في عمل واحد رأينا أن الشاشة أنصفته وزادته بريقًا. وتأكد لدينا أنه يمكن للسيناريو الذي يلتقط روح العمل لا نصه حتى إن حذف ثلاثة أرباع الرواية أن يقلب كفة الميزان. في حديث الصباح والمساء كانت الجودة الفنية متفوقة بمراحل على الجودة الأدبية وهذا ما أخبر به نجيب محفوظ بنفسه السيناريست محسن زايد، إذ قال له:

لقد أعطيت لك متر قماش فنسجت لي منه ثوبًا كاملًا“. هذه الواقعة حكتها دلال عبد العزيز إحدى أبطال العمل في لقائها التليفزيوني مع صاحبة السعادة عام 2017.

جوانب الإبداع في رواية حديث الصباح والمساء

الرواية عبارة عن سرد غير متسلسل لخمسة أجيال متتالية لعائلة واحدة. تتراوح شخصيات الرواية بين الغنى والفقر، والجمال والقبح، والخنوع والطموح، والوطنية وعدم الانتماء. كما يتناغم مع سيرة حياة الشخصيات تتابع الأحداث السياسية والاجتماعية في مصر والخطوب التي مرت بها وأهلها على مدار قرن كامل تقريبًا (بدءًا من الثورة العُرابية وحتى حرب السادس من أكتوبر عام 1973 والانفتاح وما تلاه).
رغم أن أيًا من شخصيات الرواية لم يأخذ حقه في السرد على عكس ما عودنا نجيب محفوظ وأذهلنا دومًا بقدراته السردية البارعة؛ إلا أن تتابع الأجيال وزخم شخصيات الرواية جعلنا نرى الدنيا بأسرها على اختلافها وتنوعها. لو قلت إنها متتالية عن الحياة والموت لحق لك، ولو قلت إنها تتبع للنفس البشرية في البيئات والظروف المختلفة وكيف أن اختيارات كل شخصية هي ما تحدد مصيرها لكنت على صواب أيضًا. القليل من السرد مع الكثير من الشخصيات ينحدرون من عائلة واحدة وربما ينتمون للأب والأم نفسيهما؛ ولكنك تجد حظوظهم من الدنيا متفاوتة كل حسب اختياره. منهم من اختار المال ولهث وراءه حتى فاته ركب الحياة، ومنهم من اختار الحب وخسر في سبيله كل شيء، ومنهم من اختار النضال والثورة، وآخر اختار الدين، وغيرهم لم يختاروا شيئًا على الإطلاق وتركوا الحياة تجرفهم حيث شاءت!

شخصيات الرواية

لا شخصيات رئيسية في العمل بالمعنى الذي اعتدنا عليه في معظم الروايات؛ لكن هناك شخصيات عمرت عن غيرها فتسنى لها معاصرة أكثر من جيل، ومعاصرة أكثر من حدث، والتقلب بين أكثر من حال.
شخصيات الخمسة أجيال انقسمت في مجملها إلى (أصحاب النفوذ والسلطة وهؤلاء متمثلين في آل داوود حتى أول ثلاثة أجيال منهم، وأصحاب المال والجاه وهؤلاء متمثلون في آل المراكيبي، وأصحاب الطموح وطلبة العلم والمال وهم آل يزيد الذين يسعون طوال الوقت لأن يعوضوا نقص مالهم وقلة جاههم بالعلم والطموح والتقرب من عائلتي داوود والمراكيبي ومصاهرتهم على مر الأجيال).

إعلان

جماليات مسلسل حديث الصباح والمساء

حديث الصباح والمساء

أهم ميزة في المسلسل أنها ربطت الأحداث والشخصيات بعضها ببعض في ترتيب متسلسل منطقي؛ فأنت في الرواية تقرأ في هذه الصفحة عن شخصية من شخصيات الجيل الرابع والصفحة التي تليها تكون عن شخصية من شخصيات الجيل الأول أو الثاني. هذا التسلسل المنطقي أزال الغموض والتشويش وجعل المشاهد يشعر بالألفة مع المسلسل، وجعله يشعر بالتشويق في كل حلقة وينتظر تطور الأحداث في الحلقة التي تليها، ومن يا ترى سيولد ومن سيموت، من سيتزوج ومن ستترمل أو تطلق.
كانت الرواية عبارة عن سرد مبتور لكل شخصية، وتتابع لاهث لضم أكبر عدد من الشخصيات وأكبر عدد من وجهات النظر والمصائر والنهايات؛ لكن في رؤية محسن زايد الفنية تناقص عدد الشخصيات لأقل من النصف مع إسهاب أكثر لكل شخصية والتعمق في بواطنها ودوافعها. كذلك ركز المسلسل على أشياء ذكرت على عجالة في الرواية ولم تلفت الأنظار لكننا نجدها في المسلسل حاضرة وبقوة، بل ومن أكثر المشاهد تأثيرًا على مدار الحلقات.
من هذه النماذج شخصية يزيد المصري الذي كان مجرد شخصية عابرة لم يركز نجيب محفوظ عليها كثيرًا، ولم يقف على واقعة موته وبنائئه لقبره في جوار “سيدي نجم الدين”؛ إلا أنه في المسلسل كان رجلًا ورعًا وكانت قصة موته غاية في التأثير والغرابة، إذ ترك تجارته وكل شيء وصار يذهب كل يوم لبناء قبره بجوار مقام سيدي نجم الدين كما أمره في الرؤيا التي رآها، لتفيض روحه بعد إتمام بناء القبر ويدفن فيه.

داوود يزيد المصري أحد الشخصيات التي نالت مساحة عريضة في سيناريو محسن زايد تخطت بها تلك المساحة التي حُددت لها في الرواية. ركز محسن زايد في شخصية داوود على فكرة الاغتراب والتشتت بين الجذر والساق، داوود جذوره مصرية شرقية محافظة؛ لكنه نشأ في مجتمع غربي وأحيط بتقاليد وعادات غربية طوال الوقت وعندما عاد لمصر وتزوج سليلة العائلات الكبيرة تفاقمت أزمته. وحتى عندما حصل على البشوية لم يصبح يومًا باشا بكل معنى الكلمة وكذلك لا يصح القول عنه بأنه كأبناء الطبقة الكادحة في تفكيره ومعتقداته.


كذلك قصة زواج عطا المراكيبي بالسيدة هدى الألوزي نالت في المسلسل أكثر من حظها في الرواية وصنع منها محسن زايد قصة أسطورية. الشخصية المحورية في المسلسل كانت جليلة والدة راضية على عكس ما هو في الرواية، حيث كانت راضية الشخصية الأكثر حضورًا في العمل لعلمها بالغيبيات ولحب الجميع لها ولأنها عمرت طويلًا.
كذلك هناك شخصيات استطردت الرواية في سردها؛ لكننا نرى المسلسل مر عليها على عجالة، من هذه الشخصيات شخصية دنانير ابنة رشوانة التي اختارت التعليم والعمل على كره لتتكفل بأمها بعد وفاة والدها. ينتهي مصير دنانير وحيدة بدينة في الخمسين أما المسلسل فجعل من التعليم والعمل قضيتها وصنع قصة حب عذبه بينها وبين ابن خالها عامر ولم يضع لها نهاية.


شخصية النقشبندي التي تفتتح وتختم المسلسل لم يرد ذكرها في راوية نجيب محفوظ سوى على عجاله لكونه الابن الوحيد لصغير راضيه وعمر “قاسم”، لم ترد تفاصيل عن حياة النقشبندي سوى أنه هاجر لألمانيا وتزوج بألمانيه وقضى بقية حياته هناك. من هذه اللمحة العابرة صنع محسن زايد عالمًا روحانيًا فريدًا، وكان من أوائل من اخترعوا فكرة أن أرواح من وقعوا في غيبوبة تسبح في ملكوت غير الملكوت وتلتقي بأرواح غير الأرواح وهي الفكرة التي تناولتها هوليوود لاحقًا بكثرة. فكرة كتاب الموتى والمكوث بين الحياة والموت والاطلاع على أسرار الموتى والبقاء في عالم الأحياء كانت أحد دعائم تفرد المسلسل. حينما يلتقي النقشبندي جده الأكبر يزيد المصري ويمنحه يزيد كتابًا يضم تاريخ العائلة وفروعها المتناثرة هنا وهناك. في كل حلقة يقلب النقشبندي صفحة من كتاب الموتى هذا ويطوف بنا في عالم من الخيال، حيث شخوص الماضي تمثل أمامنا ويمرون مرنا سريعًا بأفراحهم وأتراحهم وتنطوي صفحات أعمارهم واحدًا تلو الآخر. عشرات الأعوام وعشرات الحيوات تنتهي في غمضة عين، في عالم البرزخ بينما نحن الأحياء نعد الساعة زمنًا؛ لكن هناك في مكان آخر خارج زماننا ومكاننا يصبح الوقت لا شيئًا، والدنيا بكل ما فيها مجرد لمحات سريعة الزوال.
تنتهي شخصيات محسن زايد عند الجيل الثالث ويتجاوز الجيلين الرابع والخامس، اللذين تحدث فيهما معظم التقلبات والطفرات فينقلب الغني فقيرًا، والجميل قبيحًا، وتنقلب الموازين ويصبح أصحاب النفوذ أشخاصًا عاديين، وتحط الثروة على الفقراء، وتزيد حالات المصاهرة بين أفرع العائلة المختلفة، وينتهي الحال بالكثير منهم للطلاق أو العزوف عن الزواج من البداية. الجيلان الرابع والخامس هما أسوأ الأجيال حظًا رغم أنهم ولدوا في زمن ما بعد الاحتلال والجهل والتخلف، وعاصروا النصر والانفتاح؛ لكنهم يبقوا أقل الأجيال تصالحًا مع الحياة ومعرفة لما يريدونه منها.

الموسيقى والتتر

الموسيقى والمقدمة والخاتمة الغنائية للمسلسل كانتا من أكثر الأشياء التي جذبت المشاهد له وربطته بالمسلسل وأبطاله، كذلك الموسيقى الداخلية للمسلسل التي تنوعت بين الحزينة والبهيجة. ألّف المقطوعات الموسيقية للمسلسل الملحن الكبير “عمار الشريعي“، الذي اعتمد في ألحانه على الآلات الشرقية التي تشبه إلى حد كبير مصر في أوائل القرن التاسع عشر حيث البساطة والشجن معًا. أما الكلمات التي لخصت المسلسل على إجماله فللشاعر “فؤاد حجاج” الذي جعل من المقدمة والخاتمة مرثية ووصف للبشرية كلها وليس تترًا لمسلسل.

حديث الصباح والمساء برؤيته الفنية والأدبية عمل يستحق التأمل. لا تغني الرواية عن المسلسل ولا يغني المسلسل عن الرواية، رغم كون فكرتهما واحدة إلا أنهما يؤخذان معًا لترى الصورة كاملة بشمولية نجيب محفوظ وكثرة شخصياته وباستفاضة محسن زايد والتفاته إلى التفاصيل.

اقرأ أيضًا: اكتشاف روايات جديدة لنجيب محفوظ

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.