تأخذك إلى أعماق الفكر

حدث ذات مرة في هوليوود: التفاصيل وحدها لا تكفي!

حدث ذات مرة في هوليوود.. بين التوثيق ونوستالجيا الجمهور.

فلتتخيل معي تلك القصة: جُندي يحزم حقائبه للرحيل، يمكننا الجَزُم من زيّه وشارته أنه مُنتمٍ لصفوف الجيش الأميريكي. الآن نُطالع المُلصقات الجدارية في حجرته لنرى فناني الروك الذين ظهروا في ستينات القرن العشرين والتي لاقت رواجًا وقتئذ، لو اتجهنا بأنظارنا صوب الجرائد المُلقاة على الأرض، سنجد عناوين الأخبار تُنذر بحربٍ قادمة! ثم يُخرج الشاب صورةً من جيبه لفتاةٍ جميلة يبدو أنها حبيبته لينظرَ إليها، ويبكي مع صوت أمه العابر من خلف الباب تطلب منه البقاء.

والسؤال الآن: هل نحن بحاجةٍ لأن نستوعب تفاصيل الحجرة ورمزيات الحدث لنتأثر بالمشهد؟ هل عدم علمنا بأن الجُندي ذاهب لفيتنام مثلًا من أجل الحرب التي كلفته بها بلده في الستينات، سيحول دون أن نتأثر بمشاعره المتضاربة إثر رغبته في البقاء مع حبيبته وأهله وبين الأمر الذي فُرض عليه؟!

بالتأكيد الدراما لن تتضاءل أمام ماهية الحدث بزمانه ومكانه؛ لأنها بالأساس نابعةٌ من شخوص القصة نفسها، لا من توصيف المرحلة التاريخية التي تقبع فيها. هذا بالضبط ما لم يفعله تارانتينو! فقد كدّس فيلمه بتفاصيل متعلقة بالفترة الذهبية لهوليوود، أي فترة أواخر الستينيات وما لحقها، لكنه نسي أن يُرينا صورة حبيبة الجندي أو أن يُسمعنا صوت أمه!

أحداث لا تحكمها وحدة قصصية!

لا أريد أن أُسمّي أحدث أفلامه “حدث ذات مرة في هوليوود once upon a time in hollywood” لوحةً سينمائية؛ فاللوحة ليست بحاجةٍ إلى شرح لتُدرك جمالها وتفردها. وأغلب أعمال الرسم والنحت مثلًا في عصر النهضة ترمز لأحداثٍ معينة أراد الفنانون تدوينها والتعبير عن رؤياهم تجاهها، ورغم ذلك، جهْلنا بتفاصيل المشهدية لم يُنقص من جمالها في أعيننا. لذا، ففيلم “حدث ذات مرة في هوليوود” أشبه ما يكون بالزخم السينمائي! صندوقٌ صنعة تارانتينو بحرفيته المعهودة وملأه بجذورِ أواخر الستينيات، لكنه لم يُضف إليه صبغةً جمالية، سواءٌ على مستوى الطرح القصصي أو انسابية المَشاهد ودراميتها؛ فأضحى توثيقًا باهتًا لتاريخ هوليوود وصناعة الويسترن يفتقد لذّته ومتعته لدى المشاهد الذي لم يطّلع على هذه الحقبة التاريخية من قبل.

إعلان

أحداث فيلم حدث ذات مرة في هوليوود

البداية مع بريك دالتون –ليوناردو دي كابريو– وصديقه كليف بوث –براد بيت– اللذين من المفترض أن نتفاعل مع علاقتهما، لكن في الحقيقة، أغلب مشاهد الفيلم تسرد أحداثًا فردية للثنائي؛ إما لريك وحده في مواقع تصوير أفلام الويسترن وتأرجحه بين النجومية وخفوت نجمه، أو كليف بوث وحده -أيضًا- إما في البيت أو هائمًا في شوارع لوس أنجلوس والتي امتلأت بمظاهر الستينيات، كيافطاتِ المحال وأنواع الناقلات والأزياء الصيفية. عجّ الفيلم بتفاصيل هوليوود التي عاشت أزهى فتراتها وقتئذٍ، خاصةً مع مشاهد مارجوت روبي والتي لعبت دور الممثلة شارون تيت؛ نجدها مثلًا تدخل السينما لتُشاهد فيلمًا لها وتتذكر التحضير لأدائه آملةً في مستقبلٍ مهني واعد غير مدركةٍ للمصير الذي ينتظرها.

كذلك شراؤها لرواية توماس هاردي والتي نقلها زوجها المخرج رومان بولانسكي إلى شاشة السينما بعدها بسنوات، وغيرها من التفاصيل المتعلقة بحياة شارون تيت الخاصة. وهُنا تجاهل تارانتينو -كحاله طوال الفيلم- أن يُطلعنا على مشاعر الجندي! فلم تُشَكِّل هذه التفاصيل فارقًا دون وجود حبكةٍ واضحة تكون الشخصية محورها؛ فلا يوجد مشهد تمثيلي واحد لمارجوت روبي، وكانت كل مشاهدها مجرد إسقاطات على حياة شارون تيت الشخصية أو المهنية، وقد أحال كل دورها على معلوماتٍ مُسبقة، ونحن مُطالبون بمعرفتها قبل مشاهدة العمل!

نعم رأيت براد بيت وهو ينتقد جماعات الهيبيز التي ظهرت في الستينيات وكانت لديهم ميولٌ للعنف والجرائم، لكنني لم أعِ شيئًا عن ماضي شخصية كليف بوث أو حتي ما ترنو إليه، سوى أنه أُشيع بقتله لزوجته وإفلاته من العقاب، دون إعلامنا حتى بشأن تفاصيل القضية أو كيفية نجاته بفعلته -إن كانت تلك الإشاعات صحيحةً. لم يجنح الفيلم من الأساس إلى إخبارنا عن رغبات شخصية كليف بوث أو مسعاها لأُدرك هل الشخصية طيبة أو خبيثة؛ لأتفاعل معها على الوجه المطلوب. فقط رأيناه يذهب إلى موقع تصوير الويسترن ويسأل عن رجل يدعى جورج سبان، دون توضيح لأسباب ذلك أو حتى من يكون ذلك الشخص -الذي علمتُ بعد قراءتي أن جماعة مانسن التي قتلت الممثلة شارون تيت اعتادت على السكن بمزرعةٍ يملكها وكان يؤجرها لمنتجي أفلام الويسترن في الخمسينات والستينيات.

كذلك حوار ليوناردو ديكابريو مع الطفلة في موقع التصوير والذي كان بمثابةِ تقدير للممثلة جودي فوستر، وغيرها من التفاصيل التي شكّلت المضمون الكُلي للفيلم، دون أن يتم إفرادها داخل إطار قصصي جذاب تحدث منه الدراما وتتصاعد معه دوافع الشخصيات ورغباتهم. ويكفي أن مشهد نهاية الفيلم نفسه سيفقد معناه -الذي أعجبتُ به حقًّا- لو أن المُشاهد لم يقرأ من قبل عن جماعة مانسن وقصة جرائمها التي غزت كاليفورنيا في أواخر الستينيات. لذا، رغم الأداء التمثيلي الجيد من ليوناردو ديكابريو ووجاهة براد بيت التي اعتدنا عليها، لم يكن الفيلم متماسكًا، مع تأرجحه بين شخصياته في مشاهد منفصلة، وغياب التتابع والمحركات الدرامية.

سينما توثيقية.. ولكن!

تارانتينو وكوارون

في العام الماضي، شاهدت فيلم روما للمخرج المكسيكي ألفونسو كوارون، ومن الممكن أن أجزم بالتماثل بين الأطروحتين؛ فالفيلمان يُريدان توثيق فترةٍ ما ذات أهمية بالنسبة لصانعَيْها؛ تارانتيو يتحدث عن فترةٍ لها الفضل في تشكيل وعيه السينمائي إن جاز التعبير، وكوارون يتحدث عن فترة السبعينيات في المكسيك وقت أن كان طفلًا. لكن بالتدقيق في فيلم روما سنجده عملًا فنيًّا قائمًا بذاته، رغم أنه كذلك غاص في أعماق تلك الفترة بتفاصيلها وأحداثها؛ لكن الفرق أن كوارون أتي بشخصيةٍ وعَبَّر من خلالها عن أحداث تلك الفترة، فكانت مشاعرها هي المُوَثِّق لما شهدَته المكسيك وقتها لا مجرد السرد الرتيب؛ ألا وهي شخصية الخادمة. فلم أكن بحاجة لأن أعلم أن مشهد المظاهرة يرجع تاريخه إلى مذبحة الطلاب التي حدثت في عهد لويس إيشيفيريا لأتأثر بمشهد الخادمة وهي تنزف وعلى وشك أن يُجْهض جنينها بعدما دخلت الميليشيات المسلحة.

مشهد من فيلم Roma

وهكذا في باقي مشاهد الفيلم وأحداثه التي كانت تنعكس على شخصية الخادمة وكأنها مشرفتنا في تلك الرحلة السينمائية؛ فلم يُقدم المخرج موسيقى الميتال كأصوات منبعثة من الراديو فحسب، لكنه وجّه كاميراته صوب وجه الشخصية وتعبيراتها وهي تستمع إليها؛ لم يحدثنا بشأن تجاوزات الحكومة بخصوص امتلاك الأراضي، لكننا استشعرنا تضرر الشخصيات من ذلك؛ لم يُرِنا الزلازل القاصمة لتلك الأرض في السبعينيات، لكنه جعلنا نشاهد بأعيننا وَقْعَها على الشخصيات والأبنية. وهنا لم يقع السرد في رتابة فيلم تارانتينو “حدث ذات مرة في هوليوود”؛ لأنه أثرى التعبير الدرامي وصاغ قصته التي تسير بمعزلٍ عن الحقبة التاريخية ذاتها، في حين أن تارانتينو بعثنا في رحلةٍ دون مُشْرِف يوضح لنا أحداث فيلمه، أو حتى يدلنا على الطريقة المُثلى للتفاعل مع أبطاله.

تارانتينو من خلف الكواليس

السينما كعمل يتحدث منفردًا

السينما لغة عالمية، والأعمال الفنية بكافة أنماطها يجب أن تكون مستقلة بذاتها ولا تُحيلنا إلى مصدرٍ ما بدونه لن نشعر بالإمتاع الفني؛ لذا رأيت الفيلم كأنه رحلةُ نوستالجيا باهتة مملة في أروقة هوليوود الستينيات، وكأننا على وشك إنتظار وجبةٍ ما، فأتي صانعها وقد أفرد مكوناتها أمام أعيننا دون أن يدمجها معًا ليصنع عشاءًا طيبًا لا يُنسى نشعر بالامتنان له، نحن فقط تذوقنا كل مُكوِّن على حدة، فافتقدت الوجبة مذاقها المُعتاد. الإخراج بالتأكيد جيد، يُشبه لغة تارانتينو، سواء في مشاهد الحوار المُطولة أو العنف والدموية، الأداء التمثيلي مقبول أيضًا، سيناريو حدث ذات مرة في هوليوود لم يكن في أعظم حالاته لكنه جيد، وإن كان بائخًا أحيانًا ويفتقد لرونق حوارات تارانتينو التي عهدتُها؛ فلا أتذكر جملة علقت بذهني كالعادة في أفلامه، لكن كل تلك المكونات لم يتم توليفها في عمل مترابط له وحدة بناء.

وفي النهاية، يبقى فيلم “حدث ذات مرة في هوليوود” مصنوعًا لفئةٍ معينة تود أن يصبح جزءٌ من تاريخها موثقًا سينمائيًّا، لكن بغير قصةٍ نتفاعل معها تفقد رمزيات الفيلم قيمتها؛ فالتفاصيل وحدها لا تصنع فيلمًا جيدًا.

نرشح لك: مراجعة فيلم الصمت Silence

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد أيمن

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.