تأخذك إلى أعماق الفكر

جيفارا بين تقديس اليسار وشيطنة اليمين

يقع أغلب البشر في خطأ شائع أثناء تناول التاريخ بالقراءة أو البحث أو حتى الحديث العام، وهو تناول الشخصيات التاريخية من منظور الأبيض والأسود فقط. ويقع قلة مثقفة في خطأ مشابه أيضًا لكنه أكثر خطورة، ألا وهو دهن حائط التاريخ كله باللون الرمادي. بينما الحقيقة وعلى طريقة الديالكتيك الهيجلي أن التاريخ يتكون من 50 ظلًا للرمادي.
ويعد جيفارا مثالًا مهمًا لتلك المعضلة لعدة أسباب: أولها هو أنه قريب منا تاريخيًا حيث مضى علي مقتله 50 عامًا تقريبًا. وثانيًا يعد من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل لحد الاستقطاب، فلن تجده إلا *مقدِس أو مشيطِن*، أبيض أو أسود.

ولذلك، وفي هذا المقال سأحاول أن أعرض وجهة نظر مختلفة، وجهة نظر غالبًا لم تسمع عنها من قبل!
والسبب في ذلك أنك غالبًا لم تعمد إلى تكوين رأيك عن طريق القراءة لمختلف التيارات، بل اكتفيت بما يمليه عليك التلفاز وآلات غسيل الأدمغة وبروباجندا نظام كاسترو وهوليوود. فلربما سمعت عن فيلم المخرج ستيفن سودربرغ Che (2008 film)، أو ربما فيلمThe Motorcycle Diaries (2004) لكن نسبة أنك قرأت مذكرات جيفارا نفسها أقل بكثير من نسبة رؤيتك لهذا الفيلم، وفرصة سماعك لرأي الكوبيين ممن عاصروا جيفارا أقل بكثير.

ووجب التنويه أنني لا أملى عليك رؤية معينة، أو أدفعك لاعتناقها، فقط أطلعك على رؤية مختلفة، أحداث ربما لم ترها أو تسمع عنها من قبل. وفي نهاية المقال أدعك تضع جيفارا في الدرجة الرمادية التي تراها مناسبة إن كان أقرب للبياض منه للسواد أو العكس.

من الصعب أن تتابع المقال بفهم إن لم تكن تعرف بعض المعلومات الأولية مثل من هو تشي جيفارا، من هو فيدل كاسترو وما هي الثورة الكوبية. ولهذا سأضع هنا تعريفات مختصرة للغاية ومخلة لكنها تعطيك الخطوط العامة لفهم المقال، وعليك أن تبحث عن باقي المعلومات بنفسك مع توفيري لمصادر ولبعض الكتب إن أردت الاستزادة

تشي جيفارا:- إرنستو “تشي” جيفارا (14 يونيو 1928 – 9 أكتوبر 1967) ثوري كوبي ماركسي أرجينتيني المولد، وهو طبيب وكاتب وزعيم حرب العصابات وقائد عسكري ورجل دولة عالمي وشخصية رئيسة في الثورة الكوبية. أصبحت صورته المنمقة منذ وفاته رمزًا في كل مكان وشارة عالمية ضمن الثقافة الشعبية.
وتسمى صورته المنمقة تلك التي تراها علي الحوائط والقمصان والتي شيرتات “غيريليرو هيروويكو” وبالعربية تعني الثائر البطولي، وهي من تصوير ألبرتو كوردا في هافنا كوبا

 

إعلان

الثورة الكوبية: تسمى أيضًا بثورة فيدل كاسترو وملخصها السريع جدًا أنه وفي عام 1959 اكتسح رجال حرب العصابات هافانا برئاسة فيدل كاسترو وأسقطوا الديكتاتورية العسكرية لفولجنسيو باتيستا. هذا برغم تسليح حكومة الولايات المتحدة وتمويلها لباتيستا ولعملاء الـ CIA داخل جيش عصابات كاسترو. دخل الثوار كوبا على ظهر اليخت غرانما ولم يكن معهم سوى ثمانين رجلًا لم يبق منهم سوى 10 رجال فقط، بينهم كاسترو وأخوه “راؤول” وجيفارا، ولكن هذا الهجوم الفاشل أكسبهم مؤيدين كثرًا خاصة في المناطق الريفية، وظلت المجموعة تمارس حرب العصابات لمدة سنتين وخسروا نصف عددهم في معركة مع الجيش. كان خطاب كاسترو سببًا في إضراب شامل، وبواسطة خطة جيفارا للنزول من جبال سييرا باتجاه العاصمة الكوبية تمكن الثوار من دخول العاصمة هافانا في يناير 1959 على رأس ثلاثمائة مقاتل، ليبدأ عهد جديد في حياة كوبا بعد انتصار الثورة وإطاحتها بحكم الديكتاتور “باتيستا”.

فيدل كاسترو: فيدل أليخاندرو كاسترو (13 أغسطس 1926 – 25 نوفمبر 2016) رئيس كوبا منذ العام 1959 بعد إطاحته بحكومة فولغينسيو باتيستا بثورة عسكرية ليصبح رئيس الوزراء حتى عام 2008 عند إعلانه عدم ترشحه لولاية جديدة وانتخاب أخيه راؤول كاسترو مكانه. وكان كاسترو في 1965 أمين الحزب الشيوعي في كوبا وقاد تحويل البلاد إلى النظام الشيوعي ونظام حكم الحزب الوحيد. وأصبح في عام 1976 رئيس مجلس الدولة ومجلس الوزراء. وكان أعلى قائد عسكري.

تقديس اليسار

غالبًا ما يعمد اليساريين إلي تقديس رموزهم وتنزيه أفعالها عن الخطأ، وإنكار حدوثه. وإن لم يكن هناك مفر يعمدون إلى تبرير الأخطاء بالظروف التاريخية والمادية ويبررون بأن تلك الشخصيات دفعت دفعًا إلى ارتكاب ما فعلته عن طريق ضغط الرأسمالية الأمبريالية والعولمة.

فمثلًا نرى في  بدايات “ماذا تبقى من تشى غيفارا؟” للكاتب اليساري مسعد عربيد:

“يجدر بنا هنا أن نلحظ أن الكثير من الانتقادات التي تعرض لها تشي في فكره وممارسته، قد طغت عليها العوامل والدوافع الشخصية والسيكولوجية لتشي غيفارا الفرد، وتجاهلت العوامل والظروف الخارجية والاجتماعية والاقتصادية ومجمل السياق العام في أميركا اللاتينية أو أفريقيا أو العالم الثالث…. لا ضير في نقد الغيفارية، كحركة ثورية، طالما قام النقد على أرضية المقاومة ومقارعة الامبريالية. وعليه، فإن تقييم الغيفارية يجب أن يقوم على ضوء المعطيات الخاصة لكل حالة، لا على محاولات التدمير والتشويه والتزييف. كما لا يجوز أن يقتصر نقد الغيفارية على تعداد الأخطاء والأخفاقات وتجاهل الإنجازات التي حققتها الثورة والتجربة الكوبية على كافة المستويات، المحلية والإقليمية والأممية. لماذا النظر إلى الفشل في بوليفيا، مثلًا، دون الإقرار بالإنجازات في كوبا وأفريقيا”

ويكمل الكاتب في أجزاء نقد فكري ذاتي للـ”غيفارية” مع تقديس لجيفارا في أغلب الأجزاء ونقد منتقديه ابأنهم عملاء للامبريالية الأمريكية والرأسمالية.

وكذلك يؤمن باقي العالم أن تشي جيفارا مقاتل ضد الاستعمارية والسطوة الأمريكية، فقد قال هو شخصيا: “يجب أن نتذكر دائمًا أن الامبريالية نظام عالمي، هو المرحلة الأخيرة من الاستعمار، ويجب أن تهزم بمواجهة عالمية.”

ربما  يعود معظم هذا التقديس في العصر الحالي *لألة دعاية الحزب الشيوعي الكوبي* بقيادة فيدل كاسترو حيث حاول تحويل جيفارا إلي شهيد ليتعاطف العالم معه شخصيًا ومع حكمه الديكتاتوري لأن جيفارا كان مشاركًا فيه في فترة ما.

والداعي للسخرية أن المستفيد الأكبر من تلك الدعاية هي الماكينة الرأسمالية التي تستطيع تحويل أي شيء إلى مصدر دخل، كما يباع الآن كتاب رأس المال لماركس بما يناهز الـ3000 جنيه مصري، استغلت نفس الماكينة شهرة جيفارا لتبيع الملايين من التي شيرتات والبوسترات والقلائد والقمصان تحت اسمه، بل حتى أن شركة مرسيدس بنز حولته لرمز لأحد حملاتها الدعائية

 

شيطنة اليمين

فكما يجب أن تشكك في أي رمز يقدسه اليسار لأن بعضهم مثلًا ما زال يدافع عن ستالين ويرى جرائمه مبررة في سياقها التاريخي. فكذلك يجب أن تشك في أي محاولة للتشنيع تصدر عن اليمين الأمريكي، فهم ما زالوا يدافعون عن جرائمهم ضد العراق وفي فيتنام أحيانًا. وهكذا يرى اليمين جيفارا أنه كان مجرمًا دوليًا و قاتلًا جماعيًا. حيث قام بتكوين وتدريب كتيبة إعدام لفرض الشيوعية بالقوة على الدولة الكوبية وأمريكا اللاتينية بأكملها، وقامت كتيبة الإعدام تلك بقتل الآلاف من الرجال والنساء والأطفال. فلم يكن جيفارا في نظرهم سوى مدمن للقتل والأدرينالين. وإنه لم يكن ليغدو شيئًا لولا أيدولوجيته التي عملت علي تلميعه وتحويل كل قتله إلى قتل باسم العدالة. فهو لم يهتم بكوبا أو اقتصادها، بل فقط اهتم بالثورة لغرض الثورة لا أكثر ولو كان ولد منذ خمسة قرون فقط لكان من ضمن الرهبان والجنود الذين يقتلون الهنود الأصليين باسم الرب، فكلاهما يرى أن القتل مسموح ما دام طريقًا لهدف أنبل.

نقط الخلاف في شخصية جيفارا

1- القتل

“يمثل الكره أهم عنصر في الصراع، فتحركُ الكراهية الخالصة الموجهة إلى العدو، النفسَ الإنسانية لتدفعها خلف حدود طبيعتها البشرية فتحولها إلى آلة قتل باردة عنيفة، فعالة وانتقائية” تشي جيفارا

“مدفوعًا بجنون الغضب، سألطخ سلاحي بحُمرةِ دمِ أي معادٍ يقع بين يدي، فينتشي أنفي بتنشق الرائحة النفاذة لاختلاط البارود بالدم. ومع موت أعدائي، أعوي بوحشية مهيئًا كياني للانضمام لصفوف البروليتارليا في الصراع المقدس”

تمثل الاقتباسات السابقة مصدر صراع بين اليسار واليمين للحكم على تشي جيفارا، فالبعض ينفي قوله لها تمامًا بأي شكل بينما البعض يبررها، بينما يحاول الآخرون إثباتها بأي شكل ولأن الحقيقة تظل غائبة سأنقل لك جميع الآراء ولك الحكم.

اليسار

يحاول بعض اليساريون نفي قوله لتلك العبارات تمامًا، بينما البعض الآخر يفسر هذا بأنه حتى لو قال مثل تلك العبارات، فمن الطبيعي نتيجة الظلم والفقر وعدم المساواة المنتشرة من حوله، وكرد فعل على فظائع النظام الديكتاتوري في كوبا، حيث إنه لم يقتل سوى من يستحق القتل ممن قتل الأبرياء وسلب قوتهم من قبل من أعضاء أو مؤيدي النظام الديكتاتوري السابق، وكثير من الذين حكم عليهم بالإعدام كانوا متهمين بالتعذيب والاعتداءات البدنية.
أثناء عمله في منصب قائد لسجن “لا كابانا” قام باستعراض التظلمات من المدانين خلال عملية المحكمة الثورية ووضعها في الحسبان.

اليمين

أما اليمين على الجانب الآخر يأكدون أنه لم يكتف بقتل بعض مؤيدي النظام الديكتاتوري السابق فقط، بل وصل عدد الإعدامات في السجن منذ تولي جيفارا من 5 آلاف في أدنى الحالات إلى 16 ألفًا في أقصاها. فكان الرجال يصلون عن طريق شاحنات، وينزلون منها إلى ساحات الإعدام حيث يتم قتلهم بالرصاص ثم كنسهم من الساحة وهكذا بشكل يومي. وخلال فترته ساهم في قتل 100 شخص بشكل مباشر موثقين رسميًا وربما يناهز الخمس مائة بشكل غير مباشر عن طريق أوامر الإعدام كما قال ارماندو لوجو.

يقول جيفارا في مذكراته “إن شكليات المحاكمات تفاصيل برجوازية تافهة لا ينبغي الالتفات إليها، فتلك ثورة، ولذلك يجب على الثوار أن يكونوا آلات قتل باردة”
وطبق جيفارا جملته هذه على صديقه الفلاح المسكين الذي ينصب نفسه متحدثًا باسمهم ليلًا نهارًا فربطه بكرسي ثم أنهى حياته بطلقة في صدغه فيقول أحد أصدقائه في مذكراته
“أنهيت المشكلة بإعطائه طلقة من مسدس عيار .ملم32 على الجانب الأيمن من دماغه. فلهث قليلًا ثم مات. وحال مواصلتي إزالة ممتلكاته الشخصية، لم أستطع انتزاع الساعة المربوطة بسلسلة إلى حزامه. عندها قال لي بصوت ثابت أبعد ما يكون عن الخوف: انتزعها بقوة فما أهميتها؟ فعلت ذلك وحاجياته الآن ملكي”
ويخبرنا هذا الاقتباس بعكس ما يشيعه اليساريين عن نفس القصة أنهم فتشوه أولًا ثم اكتشفوا خيانته عن طريق رسالة من كاسيلاس المعارض.

ويشاع أيضًا أنه لم يهتم فعلًا لسماع شهادات ضحاياه أو أن يتحقق من تورطهم الحقيقي، فكما ورد على لسان الصحيفة الفرنسية “الاكسبريس” في تقرير أحدث ضجة إعلامية في وقته عام 2009 بعنوان: “اعترافات وتحقيق حول جرائم تشي جيفارا” حيث أدلى بعض المقربين منهم بشهادتهم فجاء منها:

لوسيانو ميدينا .. ساعي البريد الخاص بفدل كاسترو.

81 سنة، اشتغل مابين 1957 و 1958، كانت وظيفته هي نقل الرسائل بين الثوار، كاسترو، راوول، كاميلو، وجيفارا.. يقول لوسيانو “التشي” كان أكثرهم سوءًا، كان يقتل بدم بارد ..الموت بالنسبة له لعبة. عقب الثورة بيومين، كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحًا، التشي أمر بإحضار نادل قهوة إسمه رانشو كلارو، وأمر بإعدامه أمام أبنائه وزوجته، بتهمة الخيانة والعمالة، ذنب رانشو الوحيد، هو أنه صرح لأحد زبناء المقهى، أنه لايتعاطف مع الثورة ورجالها! في اليوم الموالي، قام التشي بإعدام 15 شخصًا، بواسطة مسدسه الخاص، والتهمة دائمًا “الخيانة”.

رماندو لاغو، رئيس سابق لمعهد الأبحاث الكوبية للتوثيق

أكد بالتفصيل أنه بالسجن الذي ذكره أوغستين،1 يناير 1959، بعيد السيطرة على مدينة سانتا كلارا، جيفارا أمر بإعدام ما لا يقل عن 216 معتقلًا وسجينًا، ولم يأخذ بعين الاعتبار كل التوصيات التي وصلت لإنقاذ العديد منهم وخاصة الذين لا دخل لهم مباشرة بالثورة، لكنه كان يرد بازدراء: “كلهم يلبسون قميصًا أزرق، أي قميص السجن، وبالتالي سيموتون” لم يرحم أحد من هؤلاء! في حين أن رووول كاسترو، الرئيس الحالي لكوبا أعدم ما يزيد عن 500 سجين. كانت آلة القتل والإعدامات التي يقودها الثائر الوسيم، لا تميز بين كبار النظام البائد وبين الأبرياء البسطاء الذين تم اعتقالهم تعسفًا، منهم الشاب رافائيل جارسيا 26 عامًا، والذي توسلت أمه وأخوه، جيفارا، ووضعوا بين يديه ملفه، الذي يبين براءتها.. كان جواب الكوموندانتي: قريبكم قد يكون بريئًا، لكنه يرتدي البدلة الزرقاء، وهذا يكفي لإعدامه.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: عبدالله أمين

تدقيق لغوي: ندى حمدي

تعليقات
جاري التحميل...