تأخذك إلى أعماق الفكر

جياكومو ليوباردي | محاورة فرفوريوس وأفلوطين.. عن الانتحار وقسوة الطبيعة

يناقش جياكومو ليوباردي في محاورة فرفوريوس وأفلوطين فكرة الانتحار وأن هذا الفعل ليس إنكارًا للوجود، بل عمل موجه ضد التعاسة والملل المُستشريان في حياة الإنسان

سواء كان الانتحار عقلانيًا، أو توافقنا مع الحياة غير عقلانيًا، فالأول هو بالتأكيد عمل فظيع وغير إنساني. إذ أنه من الأفضل أن اتبع الطبيعة، وأبقى إنسان، من أن أتصرف مثل وحش يتبع العقل. وإضافة إلى ذلك، أفلا ينبغي لنا أن نفكر في بعض من الأصدقاء والأقارب والمعارف والأشخاص الذين اعتدنا أن نعيش معهم والذين سننفصل عنهم إلى الأبد؟ وإذا كانت فكرة هذا الانفصال لا تُعنينا، أفلا يجب أن نفكر في مشاعرهم؟ وإنهم سيفقدون شخصًا يحبونه ويحترمونه؛ وأن فظاعة موته ستعزز حزنهم. أنا أعلم أن الرجل الحكيم لا يمضي بسهولة، ولا يرضخ للشفقة والرثاء إلى حدٍ مُقلق؛ وإنه لا يمسح نفسه من على الأرض، ويذرف الدموع بطريقة غير معتدلة، ولا يفعل أشياء مماثلة أخرى تافهة، هذا الحكيم من يفهم بوضوح الحالة الإنسانية. ولكن يجب الحفاظ على ثبات الروح أمام الظروف الحرجة التي تنشأ عن الطبيعة، أو التي لا يمكن تجنبها؛ فإنها إساءة استخدام أن نُحرم أنفسنا إلى الأبد من المجتمع ومحادثة أولئك الأعزاء لنا. بل إنه بربري، وليس رجلًا حكيمًا، وأناني من لا يأخذ في الحسبان الحزن الذي يعيشه أصدقاؤه ومعارفه ومن هُم على علاقة به. فلا يهتم إلا بنفسه وقليلًا بالآخرين، والحقيقة أن المُنتحر لا يفكر إلا في نفسه. فإنه لا يرغب في شيء إلا رفاهيته الشخصية، ولا يُلقِي بالًا لبقية العالم. باختصار، الانتحار هو العمل الأكثر إفراطًا في الأنانية والدناءة، وهو بالتأكيد أقل أشكال حب الذات جاذبية في العالم.

أخيرًا، يا عزيزي فرفوريوس، إن نوائب وشرور الحياة، وعلى الرغم من كثرتها التي لا مفر منها، عندما تكون غير مصحوبة بكارثة خطيرة أو عجز جسدي، كما هو الحال في قضيتك، تغدو أمرًا يُمكن تحمله، ولا سيما من قِبل رجل حكيم وقوي. وفي الواقع، فإن الحياة نفسها ذات أهمية ضئيلة للغاية، بحيث لا يجب على الإنسان أن يزعج نفسه كثيرًا في الاحتفاظ بها أو التخلي عنها؛ أو أن يُفكر كثيرًا حولها، فيجب أن نعطي الغريزة الأولوية،  الأسبقية على نظيرتها اللاحقة.

لذا كصديق يرجوك أن تفعل هذه الأشياء، لما لا ترضيه؟ والآن أتوسل إليك، يا عزيزي فرفوريوس، بذكرى صداقتنا الطويلة، أن تطيح بهذه الفكرة. ولا تحزن أصدقاءك، الذين يحبونك بمودة دافئة، وأفلوطين صديقك، الذي ليس لديه حبيب ولا صديق أفضل في العالم منك. فساعدنا في تحمل عبء الحياة بدلًا من تركنا دون تفكير. ودعنا نعيش، عزيزي فرفوريوس، ونتعايش مع بعضنا البعض. ودعنا لا نرفض نصيبنا من المعاناة البشرية، ومصيرنا المقسوم لنا، ودعنا نتشبث ببعضنا البعض بتشجيع متبادل، ونعمل يدًا بيد مع بعضنا البعض بشكل أفضل لتحمل متاعب الحياة.

فعُمرنا قصير بعد كل شيء. وعندما يأتي الموت، فلن نشكو. لأنه في الساعة الأخيرة، سوف يريحنا أصدقاؤنا ورفقاؤنا، وسنشعر بالسرور من فكرة أننا بعد الموت سنظل نعيش في ذاكرتهم، وسنكون محبوبين منهم دائمًا.

المصدر:
محاورة فرفوريوس وأفلوطين لـ جياكومو ليوباردي
عن الترجمة الإنجليزية لـ تشارلز إدواردز

 

إعلان

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: كريم سعد

تدقيق لغوي: أحمد المسيري

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.