تأخذك إلى أعماق الفكر

جياكومو ليوباردي | محاورة فرفوريوس وأفلوطين.. عن الانتحار وقسوة الطبيعة

يناقش جياكومو ليوباردي في محاورة فرفوريوس وأفلوطين فكرة الانتحار وأن هذا الفعل ليس إنكارًا للوجود، بل عمل موجه ضد التعاسة والملل المُستشريان في حياة الإنسان

أفلوطين: أنت تعرفُ كم أحترم أفلاطون، يا فرفوريوس ومع ذلك أثناء حديثي إليك الآن في مناسبة كهذه، سأعطيك رأيًا خاصًا، وسأغفل سلطته. فكلماته القليلة التي تحدثتُ أنا بها لم تكن أكثر من مقدمة ولا شيئًا آخر. وبالعودة إلى حجتي الأولى، أؤكد لك، أنه ليس فقط أفلاطون ولا الفلاسفة الآخرين، لكنها الطبيعة نفسها، تُعلّمنا أنه من غير المناسب أن نُنهي حياتنا بأنفسنا. ولن أقف كثيرًا عند هذه النقطة، لأنه إذا فكرت فيها مليًا، فأنا متأكد من أنك ستتفق معي على أن الانتحار أمر غير طبيعي. إنه في الواقع إجراء يتعارض مع الطبيعة. فلسوف يتم تخريب نظام الأشياء بأكملها إذا دمرت كائنات العالم نفسها. ومن البغيض ومن العبث أن نفترض أن الحياة توهب، ليتم سلبها فقط عن طريق مالكها، وأن الكائنات يجب أن تكون موجودة فقط لتصبح غير موجودة. فقانون الحفاظ على الذات هو أشد قوانين الطبيعة صرامة. والمحافظة عليها موضوعة بكل طريقة ممكنة داخل الإنسان وجميع مخلوقات الكون. وبغض النظر عن أي شيء آخر، ألا نخاف بصورة غريزية، ونكره ونتجنب الموت، رغمًا حتى عن أنفسنا؟ فلذلك، بما أن الانتحار يتعارض تمامًا مع طبيعتنا، فلا أستطيع أن أعتقد أنه مسموح به.

فرفوريوس: لقد تأملت بالفعل حول هذا الموضوع من جميع وجهات النظر؛ فبالنسبة للعقل فلا يمكنه تصميم مثل هذه الخطوة دون اعتبار. ويبدو لي أن كل براهينك في موضع مساءلة بنفس القدر لنقيضها. ولكنني سأكون مختصرًا. أنت تشك في ما إذا كان يجوز الموت دون ضرورة. وأنا أسألك هل يجوز أن تكون تعيسًا؟ فالطبيعة، كما تقول، تحظر الانتحار. وهذا أمر غريب، بما أنها غير قادرة أو غير راغبة في إرضائي أو أن تحررني من التعاسة، أيجب أن تكون لديها القدرة على إجباري على العيش؟. وإذا كانت الطبيعة قد منحتنا حب الحياة وكراهية الموت، فقد منحتنا أيضًا حب السعادة وكراهية المعاناة؛ والغرائز الأخيرة أقوى بكثير من الغرائز الأولى، لأن السعادة هي الهدف الأسمى من جميع أعمالنا ومشاعر الحب أو الكراهية لدينا. فلأي غاية إذن نتجنب الموت، أو نرغب في الحياة، لأن ننهض برفاهيتنا، وأن لا نخشى من النقيض؟

فكيف يمكن إذن أن يكون من غير الطبيعي الهروب من المعاناة بالطريقة الوحيدة المتاحة للإنسان، أي بالموت؛ حين تُصبح المعاناة في الحياة لا يمكن تجنبها؟ وكيف، أيضًا، أن يكون صحيحًا، أن الطبيعة تمنعني من تكريس نفسي للموت، وهو بلا شك شيئًا جيدًا، ونبذ الحياة، التي هي بلا شك شيئًا شريرًا ومضر، لأنها مصدر معاناتي؟

اقرأ أيضًا: محاورة بين الطبيعة وآيسلندي.. جياكومو ليوباردي

أفلوطين: هذه الأشياء لا تقنعني بأن الانتحار ليس غير طبيعي. أوليس لدينا رعب غريزي قوي بالموت؟ إضافة إلى ذلك، فنحن لا نرى أبدًا الوحوش الضارية، والتي تتبع دائمًا غرائزها الطبيعية (عندما لا يتم ترويضها من قِبل الإنسان) تنتحر، أو أن تعتبر الموت أمرًا لا يجب مكافحته، حتى في أعظم أوقاتهم معاناة. باختصار، كل الرجال الذين يرتكبون هذا العمل اليائس، سوف يكونون قد عاشوا غير ممتثلين للطبيعة. وعلى النقيض من ذلك، فالذين يعيشون بشكل طبيعي، يرفضون الانتحار دون استثناء، حتى لو أفكارهم اقترحت عليهم ذلك.

فرفوريوس: حسنًا، كما تُريد، سأعترف بأن الإجراء يتعارض مع الطبيعة. ولكن ما علاقة ذلك بالأمر، فإذا لم تتفق ذواتنا مع الطبيعة؛ ألا يُعد ذلك أمرًا وحشيًا؟ قارن بيننا، على سبيل المثال، بسكان الهند أو إثيوبيا، الذين يقال إنهم احتفظوا بأخلاقهم البدائية وعاداتهم البرية. بالكاد تظن أن هؤلاء الناس ينتمون حتى لنفس النوع الذي ننتمي نحنُ إليه. فهذا التحول في الحياة، وتغيير الأخلاق والعادات من خلال التحضر، قد صاحبه، في رأيي، زيادة هائلة في المعاناة. فالمتوحشون لا يرغبون أبدًا في الانتحار، ولا يحفزهم خيالهم أبدًا على اعتبار الموت أمرًا مرغوبًا فيه؛ بينما نحن المتحضرون نرغب فيه، وأحيانا نسعى له طواعية.

إعلان

والآن، إذا سُمح للإنسان أن يعيش بشكل غير طبيعي، وبالتالي غير سعيد، فلماذا لا يموت أيضًا بشكل غير طبيعي؟ إن الموت في الواقع، هو الوسيلة الوحيدة التي يستطيع بها الإنسان إنقاذ نفسه من التعاسة التي تنجم عن الحضارة. أو، لماذا لا نعود إلى حالتنا البدائية، وحالة الطبيعة؟ آه، يجب أن نجد ذلك مستحيلًا تقريبًا فحينما يتعلق الأمر بالظروف الخارجية، فمن الناحية العقلية، يكون ذلك مستحيلًا تمامًا. وما هو أقل طبيعية من الدواء؟ وأنا أعني بذلك الجراحة واستخدام العقاقير. كلاهما يُستخدم بشكل اعتيادي صراحة لمحاربة الطبيعة، وغير معروفين تمامًا للوحوش الضارية. ومع ذلك، نظرًا لأن الأمراض التي يعالجونها غير طبيعية، وتحدث فقط في البلدان المتحضرة، حيث سقط الناس من حالتهم الطبيعية، فإن هذه الفنون، مع كونها غير طبيعية أيضًا، إلا أنها  تحظى بتقدير كبير ولا يمكن الاستغناء عنها. وبالمثل، يجب عدم إلقاء اللوم على الانتحار، وهو علاج جذري لمرض اليأس؛ اليأس الذي هو إحدى نتائج الحضارة. ويجب عدم إلقاء اللوم عليه أيضًا لأنه غير طبيعي؛ فالشرور غير الطبيعية تتطلب علاجات غير طبيعية. وفي الواقع سيكون الأمر عصيبًا وغير عادلٍ حين يكون السبب الذي يزيد من بؤسنا هو إجبارنا على العيش عكس الطبيعة، وفي هذا الصدد أينبغي علينا أن ننضم للطبيعة!، ونسلب من أنفسنا أملنا وملاذنا الوحيد المتبقي والمصدر الوحيد المتسق مع نفسه، وأن نُجبِر أنفسنا على الاستمرار في تعاستنا.

فالحقيقة هي هذه، يا أفلوطين. طبيعتنا البدائية قد غادرتنا إلى الأبد. والعادة والعقل أعطونا طبيعة جديدة بدلًا من الطبيعة القديمة، تلك التي لن نعود إليها أبدًا. وفيما مضى، لم يكن من الطبيعي أن ينتحر البشر أو يرغبون في الموت. وفي الوقت الحاضر، كلا الأمرين أصبح أمرًا طبيعيًا. بل إنهما يتوافقان مع طبيعتنا الجديدة، والتي، مثلها مثل القديمة، لا تزال تدفعنا إلى البحث عن سعادتنا. وبما أن الموت هو أعظم خير لنا، أليس من اللافت للنظر أن يسعى الرجال له طواعية؟ فعقلنا يُخبرنا أن الموت ليس شرًا، ولكنه، علاج لجميع الشرور، وهو أكثر الأشياء المرغوب فيها.

والآن أخبرني.. هل جميع أعمال البشر المتحضرين تنظمها معايير طبيعتهم البدائية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأعطنِ مثالًا واحدًا؟!. لا، إن حاضرنا، وليست طبيعتنا البدائية، هو الذي يفسر أفعالنا؛ أي، أنه عقلنا. فلماذا إذن يجب الحكم على الانتحار وحده على أنه غير عقلاني، ومن ناحية طبيعتنا البدائية؛ التي ليس لها تأثير على حياتنا، لماذا هي تُسيطر على موتنا؟ ولماذا لا ينبغي أن يحكم موتنا نفس العقل الذي يحكم حياتنا؟ إنها لحقيقة، فسواء كان ذلك بسبب العقل أو تعاستنا، إن بداخل الكثير من الناس، وخاصة أولئك الذين يعانون من التعاسة والمِحن، يتم إبطال كراهية الموت البدائية بداخلهم، وتتحول حتى إلى رغبة ومحبة، فكما قُلتُ، هذا الحب، على الرغم من أنه يتعارض مع طبيعتنا البِكرية، وهي حقيقة واقعة في يومنا هذا. فإننا أيضًا تُعساء بالضرورة لأننا نعيش بشكل غير طبيعي. وبالتالي من غير المعقول بشكل واضح، التأكيد على أن الحظر الذي نهى عن الانتحار في الحالة البدائية يجبُ أن يكون جيدًا الآن. وهذا يبدو لي مبرر كافي للفعل. وما يتبقى هو البرهان إذا ما كان مفيدًا أم لا.

أفلوطين: لا يهم هذا الجانب من السؤال، يا عزيزي فرفوريوس، لأنه إذا كان الفعل مسموحًا به، فلا شك لدي في فائدته القصوى. ولكنني لن أعترف أبدًا أن أي إجراء محظور وغير لائق يمكن أن يكون مفيدًا. فالأمر يحل نفسه حقًا في هذا: فأيهما أفضل، أن تُعاني، أم أن لا تُعاني؟ ومن المؤكد أن معظم البشر يفضلون المعاناة مختلطة مع المُتعة، عن حالة خالية من كلا الأمرين المعاناة والتمتع، ولذلك نحنُ نرغب ونتعطش للمتعة. ولكن هذا جانب من السؤال، لأن المتعة والسرور، بالشكل السليم، أمر مستحيل بقدر عدم وجود مفر من المعاناة. وأعني أن المعاناة مستمرة مثل رغبتنا التي لن تشبع أبدًا من المتعة والسرور، وبصرف النظر عن المعاناة العرضية والغريبة التي يجب أن يختبرها حتى أسعد البشر. وفي الحقيقة، إذا كُنا على يقين أنه من خلال استمرارنا في العيش، ينبغي أن نستمر في المعاناة، فيجب أن يكون لدينا سببٌ كافٍ لتفضيل الموت على الحياة؛ لأن الوجود لا يحتوي على متعة حقيقية واحدة للتعويض عن هذه المعاناة، حتى لو كان ذلك ممكنًا.

فرفوريوس: يبدو لي أن الملل وحده، وحقيقة أننا لا نستطيع أن نأمل في وجود أفضل، هو سبب مقنع بما يكفي للحث على الرغبة في الموت، وعلى الرغم من أن حالتنا يسودها النماء. فغالبا ما يكون الأمر مفاجأة بالنسبة لي أنه ليس لدينا سجل من الأمراء الذين انتحروا من الملل والضجر من عظمتهم، مثل الرجال الآخرين في مراكز الحياة الُدنيا. فلقد قرأنا كيف اعتاد هيجيسياس القوريني، على التفكير ببلاغة كبيرة حول بؤس الحياة، حتى أن مُستمعينه ذهبوا على الفور وانتحروا؛ ولهذا السبب كان يطلق عليه “المُقنِع بالموت”، وحظره بطليموس عن الإدلاء بمزيد من الخُطب حول هذا الموضوع. وصحيح أن بعض الأمراء قد تعرضوا لعمليات انتحار، منهم ميثريدات وكليوباترا وأوثو. ولكن هذه كلها حالات أنهت حياتها طواعية للهرب من شرور مُعينة، أو من الخوف من زيادة المِحن. فالأمراء، أتصور، أنهم أكثر عرضة من البشر الآخرين ليشعروا بالكراهية تجاه حالتهم، والتفكير بشكل جدي حول الانتحار. لأنهم لم يصلوا بعد إلى قمة ما يسمى بالسعادة البشرية؟! برغم أنهم لديهم كل ما يتطلعون إليه، ولديهم بالفعل جزءٌ من كل ما يشكل؛ ما يُسمى بالأشياء الجيدة في هذه الحياة. لذا هم لا يمكن أن يتوقعوا المزيد من المتعة في الغد مما كانت عليه في اليوم. وهكذا أنهم في حالة غير مرضية أكثر من الناس الأقل شأنًا. الذين في الوقت الحاضر هم دائما حزانى وغير راضيين. ولكنهم يتطلعون للمستقبل الذي قد يحمل المتعة لهم.

ولكن أي كان الأمر. فنرى حينئذٍ أنه لا يوجد ما يمنع البشر من ترك الحياة طواعية، وتفضيل الموت، فبعيدًا عن الخوف من عالم آخر، فجميع الأسباب الأخرى غير واضحة المعالم. بل إنها ناتجة عن نظرة خاطئة، فعند مقارنة مزايا وشرور الوجود. فكل منا يشعر في أي وقت بالتعلق القوي بالحياة، أو يعيش في حالة من الرضا؛ يفعل ذلك وهو مدفوعًا بقرار أو إرادة أو حتى حقيقة خاطئة.

أفلوطين: هذا صحيح يا عزيزي فرفوريوس. ولكن مع ذلك، اسمح لي أن أنصحك، بالاستماع إلى نصيحة الطبيعة بدلًا من العقل. وأن تتبع غرائز تلك الطبيعة البدائية، أمنا جميعًا، والتي رغم أنها لم تبدِ أي عاطفة لنا في خلقنا من أجل التعاسة، إلا أنها عدو أقل مرارة وقسوة من عقلنا، بفضوله غير المحدود، وتخميناته، وثرثرته، وأحلامه وأفكاره وتعاليمه البائسة. إلى جانب أن الطبيعة سعت إلى تقليل تعاستنا من خلال إخفائها أو تحديدًا إخفائها عنا قدر الإمكان. وعلى الرغم من أننا قد تغيرنا، وتقلصت قوة الطبيعة بداخلنا، إلا أننا لم نتغير كثيرًا وهناك بقايا عديدة مما كُنا عليه سابقًا، ولم يتم خنق طبيعتنا البدائية تمامًا بداخلنا. ورغم كل حماقتنا، فلن يكون الأمر خلاف ذلك. كذلك أيضًا، فإن النظرة الخاطئة للحياة التي ذكرتها، وعلى الرغم من أنني أعترف بأنها في الواقع غير صحيحة، إلا إنها ستستمر. ولن يحتفظ بها فقط البلهاء ومتوسطي البديهة، بل سيحتفظ بها الأذكياء والحكماء والمتعلمون، وسيظلون كذلك دائمًا، فما لم تضع الطبيعة – وليس الإنسان ولا عقله – التي صنعتنا بنفسها حدًا لذلك. فدعني أؤكد لك، أنه لا الاشمئزاز من الحياة، ولا اليأس، ولا الإحساس بتفاهة كل شيء، ولا انعدام أهمية الإنسان، ولا كراهية النفس وكراهية العالم، سيدوم طويلًا؛ فرغم أن نزعات العقل هذه معقولة تمامًا، والعكس غير معقول. فحالتنا البدنية تتغير في كل لحظة. وغالبًا دون أي سبب خاص، فتحيا الحياة من جديد داخلنا مرة أخرى، وتضفي الآمال الجديدة سطوعًا على الأشياء البشرية، والتي تجعلها تبدو مرة أخرى جديرة ببعض الاهتمام؛ وليس من إدراكنا، ولكن ممّا يمكن تسميته بالحواس العُليا للعقل. وهذا هو السبب في أن كل واحدٍ منا، على الرغم من إدراكه التام للحقيقة، فلا يزال يعيش على الرغم من العقل، ويتوافق مع سلوك الآخرين؛ لأن حياتنا تتحكم فيها هذه الحواس وليس إدراكنا.

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: كريم سعد

تدقيق لغوي: أحمد المسيري

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.