تأخذك إلى أعماق الفكر

تهافت فكرة الخلافة من منظور علي عبد الرازق

قراءة في كتاب: (الإسلام وأصول الحكم)

والسؤال الذي يطرحه بعد ذلك: هل كان النبيُّ صاحبَ دولة سياسية ورئيس حكومة كما كان رسول دعوة دينية وزعيم وَحدة دينية أم لا؟ إنه يرى أولًا قبل أي شيء وقوعَ هذا المَبحث خارجَ دائرة العقائد الدينية؛ فلا حرج أن يرى باحث كونه رسولًا ملكًا، أو ملكًا فحسب.

يفصل عبد الرازق بين معنى الرسالة ومعنى المُلْك، ويرى عدم وجود تلازُم بينهما؛ فليس شرطًا أن يكون الرسولُ ملِكًا؛ لأنَّ الرسالة مقام والمُلك مقام آخر، ولقد كان عيسى بن مريم رسول الدعوة المسيحية وزعيم المسيحيين يدعو إلى الإذعان لقيصر، وكان يوسف بن يعقوب عاملًا من عُمَّال المَلِك.

لا يعرف عبد الرازق لأحد من العلماء رأيًا صريحًا في هذه المسألة، ومع ذلك يجنح المسلمُ العاميُّ غالبًا إلى الاعتقاد بكون النبي ملكًا رسولًا، هذا ما يتماشى مع الذوق العام للمسلمين، ولعله أيضًا رأي جمهور العلماء من المسلمين؛ فقد جعل ابنُ خلدون على سبيل المثال الخلافة نيابةً عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا.

نعم، وُجِدَ ما يُشْبِه أن يكون مظهرًا من مظاهرِ الدولة والحكم أيام النبي كالجهاد الذي يراه البعضُ نوعًا من تثبيت الحكم وتوسيع المُلك، وكالأعمال المالية كجمع المال من جهاته العديدة (الزكاة والجزية والغنائم إلخ)، ومن ثَمَّ توزيعها، وكاستعماله بعض الأمراء على بعض المناطق، وغير ذلك مما يمكن اعتباره أثرًا من آثار الدولة، ومظهرًا من مظاهر الحكومة.

من نظر إلى مثل هذه المظاهر ساغ له اعتبار كون النبيِّ ملكًا رسولًا، ولكنَّ السؤال الذي يجابِه مَن يرى هذا الرأي هنا: هل كان تصرفه في ذلك الجانب شيئًا خارجًا عن حدود رسالته، أم كان جزءًا مما بعثه الله به وأوحاه إليه؟!

إعلان

إن ما يمكن تسميته بالمملكة النبوية وما يُشبه أن يكون دولة في عهد النبي عمل منفصل عن دعوة الإسلام، بل وخارج عن حدود الرسالة، وأنها لم تكن إلا “وسيلة من الوسائل التي كان عليه أن يلجأ إليها تثبيتًا للدين، وتأييدًا للدعوة”[14].

يقول عبد الرازق: “إذا كان الرسولُ قد أسس دولة سياسية، أو شرع في تأسيسها؛ فلماذا خَلَتْ دولتُه إذن من كثير من أركان الدولة ودعائم الحُكم؟! ولماذا لم يُعْرَف نظامُه في تعيين القضاة والولاة؟! ولماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك وفي قواعد الشورى؟! ولماذا ترك العلماء في حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه؟!”[15].

يُورِدُ بعد ذلك رأيًا يقول: إنه لا شيء يمنع من الاعتقاد بوجود نظام للدولة أيام النبي غير أنَّنا لم نصل إلى تفاصيله، ولم نعرف دقائقه، ثم يناقشه قائلًا إنه من الممكن أن يكون صحيحًا، ولكنَّ هذا لا يدفعنا أبدًا إلى الاعتقاد بشيء نجهل تفاصيله ولا نعرف دقائقه.

ويتساءل كذلك: هل يمكن أن يكون نظام الدولة أيام النبي نظامَ البساطة الفطرية وسلامتها؟! إنه يرفض هذا الإمكانَ أيضًا، ويرى أن سلامة الفطرة وبساطة الطبع لا يستدعيانِ أبدًا أن لا يكون لدولة من الدول ميزانية تقيد مصروفاتها على سبيل المثال.

إذًا كيف نلتمس حلًّا لهذا الإشكال؟ إنه لا يجد حلًا غير “القول بأنَّ محمدًا ما كان إلا رسولًا لدعوة دينية خالصة للدين، لا تشوبها نزعة ملك، ولا دعوة لدولة”[16].

القرآن والسنة ينفيان المُلك عن محمد

ينفي القرآن نفسه أن يكون محمد حاكمًا، ويؤيد القول بأنه لم يكن له شأن في الملك السياسي، ولم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان؛ اقرأ قوله مثلًا: “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ”.

يقول عبد الرازق: ” القرآن كما ترى يمنع صريحًا أن يكون النبيُّ حفيظًا على الناس، ولا وكيلًا، ولا جبَّارًا، ولا مسيطرًا، وأن يكون له حق إكراه الناس حتى يكونوا مؤمنين: ومن لم يكن حفيظًا ولا مسيطرًا؛ فليس بملك؛ لأن من لوازم الملك السيطرة العامة والجبروت، سلطانًا غير محدود”[17].

بل إذا انتقلنا إلى السنة؛ فإننا سنجد المعنى نفسه أكثر وضوحًا؛ فمن ذلك ما رواه صاحبُ السيرة النبوية: “أن رجلًا جاء إلى النبي لحاجة يذكرها؛ فقام بين يديه؛ فأخذته رعدة شديدة ومهابة؛ فقال له صلى الله عليه وسلم: هوِّنْ عليك؛ فإني لستُ بملك ولا جبار”[18].

الفرق بين زعامة الرسالة وزعامة المُلْك

لا شكَّ أن النبي كان زعيمًا في قومه مُطَاعًا، لكن لا يجوز الخلطُ أبدًا بين زعامة الرسالة وزعامة المُلك؛ فالفرق بينهما متباين ومتضادّ جدًا؛ لأنَّ الرسالة تستلزم لصاحبها شيئًا من التَّمَيُّزِ الاجتماعيِّ بين قوم الرسول، ونوعًا من القوة الروحية، وقد يتناول الرسولُ من سياسة الأمة ما يتناوله الملوك، ولا يعني هذا أن يكون ملكًا، بل رسولًا تناول من شؤون الملك ما يستقيم به أمر قومه.

ويُفَرِّق أخيرًا بين ولاية الرسول على قومه وولاية الملك؛ فيقول: “ولاية الرسول على قومه ولاية روحية، منشؤها إيمان القلب، وخضوعه خضوعًا صادقًا تامًّا يتبعه خضوع الجسم، وولاية الحاكم ولاية مادية، تعتمد إخضاع الجسم من غير أن يكون لها بالقلوب اتصال”[19].

إنه لمن المعقول أن يكون الإسلامُ دينًا عالميًّا، وأن تنتظم البشرية كلها في دين واحد لرب العالمين، ولكن، ليس من المعقول على أي حال أن يُؤْخَذَ العالَمُ كله بحكومة واحدة، وأن تُجمَع تحت وحدة سياسية واحدة؛ فذلك مما يوشك أن يكون خارجًا عن الطبيعة البشرية، ولا تتعلق به إرادة الله على حد تعبيره.

إنه ينتهي إلى نتيجة تقول إنَّ الملك والحكومة “غرض من الأغراض الدنيوية التي خَلَّى الله سبحانه وتعالى بينها وبين عقولنا، وترك الناس أحرارًا في تدبيرها على ما تهديهم إليه عقولهم، وعلومهم، ومصالحهم”[20].

الدولة العربية

وحدة دينية

لم تكن الوحدةُ العربية أيام النبي -في رأي عبد الرازق- وحدةً سياسية بأي وجهٍ من الوجوه، ولا كان فيها معنى من معاني الدولة والحكومة، بل كانتْ وحدة دينية خالصة من السياسة.

يدلك على هذا أن النبي لم يتعرَّض لشيء من سياسة الأمم، ولا سمعنا أنه عين واليًا أو عزله، أو وضع قواعد تسير عليها شئون التجارة والصناعة وغير ذلك، بل كان يقول لهم:” أنتم أعلم بشئون دنياكم”. وما شرعه الإسلام وأخذ به النبيُّ من أنظمة وقواعد وآداب لم يكن في شيء كثير أو قليل من أساليب الحكم السياسي، بل كان شرعًا دينيًّا خالصًا.

النبي لم يستخلف أحدًا من بعده

انتهى ما كان لدى النبي من زعامة دينية بموته ولم يُعَيِّن خليفة من بعده، بل لم يُشِر طول حياته إلى شيء يُسَمَّى دولة إسلامية. والنبي ما لحق بالرفيق الأعلى إلا وقد أدَّى رسالته عن الله كاملة؛ فإن كانت شئون الحكم والسياسة دينًا وشرعًا مُنَزَّلًا فكيف له أن يترك أمر ذلك مُبْهَمًا على المسلمين؟!

بل عندما اختلف المسلمون في تعيين الخليفة كانوا يعرفون أنهم يختلفون في أمر من أمور الدنيا لا أمر من أمور الدين، وأن نزاعهم شأن سياسي لا يمسُّ دينهم، “وما زعم أبو بكر ولا غيره [وهو الخليفة الأول] أن إمارة المسلمين كانت مقامًا دينيًّا، ولا أن الخروج عليها خروج على الدين”[21].

ينتقد عبد الرازق ما يقوله الشيعةُ بخصوص أن النبي لم يمُتْ إلا وقد عيَّن عليًّا خليفة من بعده بالنصِّ عليه، وينقل رأي ابن خلدون في ذلك: “إن النصوص التي ينقلونها ويُؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذةُ السنة ولا نَقَلَةُ الشريعة، بل أكثرها موضوع، أو مطعون في طريقه، أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة”[22].

وينتقد كذلك مذهب القائلين بالنصِّ على أبي بكر الصديق كما ذهب إلى ذلك ابن حزم؛ إذ يرى أن مجرد إجماع المهاجرين والأنصار على أن سموه خليفة رسول الله نصٌّ جليٌّ في استخلافه. يرى عبد الرازق نوعًا من التعسُّف في هذا الرأي، خاصة وقد اختلف الصحابة في بيعة أبي بكر، وامتنع أَجِلَّة منهم عنها كعلي بن أبي طالب، وسعد بن عبادة مثلًا.

إذًا ما سر هذا اللقب (خليفة رسول الله)؟ ولماذا ارتضاه أبو بكر؟ يحاول الإجابة عن هذا السؤال عن طريق القول إن النبيَّ كان زعيمًا للعرب ومناط وحدتهم، فإذا كان أبو بكر من بعده زعيمًا للعرب وإنْ كانت زعامة سياسية؛ فقد ساغ لُغَةً أن يقالَ خليفة رسول الله. هذا غير ما لهذا اللقب من روعة وقوة وجاذبية؛ فلا عجب حينئذٍ أن يرتضيه أولُ حاكم على العرب في دولة حادثة تريد النهوض بين أعاصير من الفتن تتجاذبها.

قيام الدولة العربية

كما أن زعامة النبي زعامة دينية؛ فإن زعامة من جاؤوا بعده كانت سياسية ليس غير؛ فما كان لأحد أن يخلفه في زعامته الدينية أبدًا.

إذًا كيف يفسِّر عبد الرازق قيام دولة بعد موت النبي؟ إنه يرى أنَّ شعبًا ناهضًا كالعرب، لم يكن له أن يرجع إلى ما كان عليه من بداوة وتَفَرُّق قَبَلِيّ إذا ما انحلت عنه رابطة النبوة. كان من الطبيعي لقوم هُيِّئَتْ لهم أسباب القوة والغلبة والوَحدة أن تأخذ حظها من الوجود كاملًا، وكان لا بد أن تقوم دولة ووَحدة سياسية للعرب.

يقول عبد الرازق: ” تلك دولة جديدة أنشأها العرب؛ فهي دولة عربية وحكم عربي؛ لأنَّ الإسلام دين البشرية كلها، لا هو عربي ولا هو أعجميّ. قامت على أساس دعوة دينية، وكان شعارُها حماية تلك الدعوة والقيام عليها… وهي دولة أيدت سلطان العرب، وروجت مصالح العرب، ومكنت لهم في أقطار الأرض؛ فاستعمروها استعمارًا”[23].

كانت حروبًا سياسية لا دينية

يُنَاقِش عبد الرازق في نهايات كتابه تلك الحروب التي أخذت طابعًا دينيًّا في عهد أبي بكر الصديق؛ فيرى أنَّ ما سُمِّي بحروب الردة كانت في معظمها حروبًا سياسيَّة لجماعات رفضت بيعة أبي بكر الصديق والانضمام إلى وحدته السياسية لسبب ما.

يقول عبد الرازق: “ولسنا نتردد في القطع بأن كثيرًا مما سموه حرب المرتدين في الأيام الأولى من خلافة أبي بكر لم يكن حربًا دينية، وإنما كان حربًا سياسية صرفة، حسبها العامة دينًا، وما كانتْ كلُّها للدين”[24].

إذًا لم يكن كل الخارجين على أبي بكر -في رأي عبد الرازق- من المرتدين حتى مَنْ منع الزكاة منهم؛ لأنهم رفضوا الإذعان لحكومة أبي بكر، وكان من الطبيعي أن يمنعوا الزكاة عنه؛ لأنهم لا يعترفون به، ولا يخضعون لسلطانه وحكومته.

ما السبب إذًا في تسميتها بهذا الاسم؟ لعل السبب يرجع إلى أنَّ أبا بكر كان قد ابتدأ حروبه من أجل تدعيم دولته بحربِ مجموعات عربية كانت قد ارتدَّت فعلًا عن الإسلام، بل ادَّعى بعضهم النبوة في حياة النبي وبعد وفاته، ومن هنا نشأ لقب المرتدين، وبقي لقبًا لكل من حاربهم أبو بكر؛ مما أدى إلى انطباع حروبه في جملتها بطابع الدين.

خاتمة

ينتهي عبد الرازق من بحثه إلى نتيجةِ “أنَّ الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كلِّ ما هيَّؤُوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عز وقوة. و[أنَّ] الخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة. وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها؛ فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا؛ لنرجع إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة”[25].

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبد العاطي طلبة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.