تأخذك إلى أعماق الفكر

بين العقل واللاهوت في التاريخ المسيحي والإسلامي

لم یعد ذلك المفھوم الخاطئ لاستخدام العقل في الأمور الدینیة حیث في السابق، وكما ھو معروف كانت فكرة المناداة بالعقل واستخدامه تھاجَم من طرف رجال الدین الذین لم یدركوا الفھم الصحیح للدین سواء الدین الإسلامي أو الدیانات الأخرى. لكن بعد أن توسعت في مفھومي “العقل واللاهوت” والعلاقة التي تربطھما أدركت حینئذ أنّ من الصواب استخدام العقل في النص اللاھوتي وجعله المرتبة الأولى.

لذا فھل یعارض الدین سواء الإسلامي أو الدیانات الأخرى استخدام العقل في نصوصه اللاھوتیة؟

فعند بحثي عن ھذا الإشكال المطروح سابقًا، وجدت أن ھناك مجموعة من رجال الدين الذين يقولون أنه ليس من حقنا أن نستخدم عقولنا في الأمور الدینیة ونعید نظرنا في بعض النصوص اللاھوتیة، لأنهم یفضلون أن یسبحوا في الأوھام لا أن یطّلعوا على الحقائق الدینیة التي تدعو في حد ذاتها إلى استخدام العقل كملكة فكرية يتميز بها الإنسان، وهذا الإشكال بين العقل والدين يعتبر إشكالًا قديمًا تعددت الآراء فيه والاختلافات وحتى المعالجات التي بثت فيه.

في الحضارة اليونانية وكما هو معروف، فإن أول فيلسوف انتقد الدين وخاصة فكرة الآلهة بانتقاد جريء يتعلق الأمر بالفيلسوف “سقراط”، هذا الأخير الذي أطلق مسار العقل والتفكير الفلسفي بغية تحرير العقول من الأوهام والجهل وترسيخ ملكة العقل واستخدامها بكل حرية. لكن آنذاك فكل محاولة لاستخدام العقل كانت تهاجم بشكل من الأشكال الخارجة عن الإنسانية من قبل أصحاب الفكر الظلامي الملطَّخ ببراطين الجهل، وهذا ما تعرّض له فيلسوف الفلسفة “سقراط” بمطالبته بشرب السم كمحاكمة له بسبب ما أدلى به أمام الجمهور فيما يتعلق بفكرة الآلهة.

وقد استمرت هذه المحاكمات الظلامية ضد العقل حتى في العصور الوسطى التي كانت تتميز بسيطرة الكنيسة المسيحية على عقول الناس وتجريمها لكل من يخالفها أو ينتقدها أو يتفوه بكلمة نقدية ما تجاهها، في حين كان العالم الإسلامي يعاني كذلك من نفس المشكلة التي تتمثل في العقل واللاهوت حيث عولجت هذه الإشكالية من طرف مجموعة من الفلاسفة من قبيل مثلًا:  الفيلسوف المغربي “ابن رشد” من خلال كتابه “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”، هذا الكتاب الأخير الذي عالج فيه ابن رشد مسألة العقل والنقل حيث توصل إلى أن لا سبيل إلى فهم النقل من دون استخدام العقل، وهذا الكلام الأخير في نظر ابن رشد لا يوحي إلى أي تعارض بين النقل والعقل. لكن ظل صوت الظلام مستمرًا داخل العالم الإسلامي رغم المعالجات الفكرية والنقدية للعقل والنقل؛ والسبب في ذلك هو كون فقهاء الظلام كانوا قريبين من ذوي القرار أي الملوك الذين لم تكن لهم الإرادة للتغيير بشأن قضايا الدين والعقل والإنسان، بغض النظر عن الملك العباسي المأمون واهتمامه بالعلم والفكر والترجمة، الذي لم يوحِ إلى أي تغيير في عقول العامة والسبب راجع من طبيعة الحال إلى سيطرة المؤسسة الفقهية الجاهلة على كل أوضاع وقضايا الدولة والمجتمع، ومن هنا تهميش أصحاب الفكر والعلم وبالتالي انعدام الاهتمام الكلي للحضارة والرغبة في استمرارها.

في نهاية المطاف فكل ما ذكرناه سلفًا كان سببًا في انتقال كل ما أنتجه الفلاسفة والعلماء داخل العالم الإسلامي بشكل متسلسل إلى العالم الغربي إثر انتهاء القرون الوسطى -أو كما تسمى بالقرون الظلامية بالنسبة للغرب. ومن هنا بداية الحضارة الغربية بفضل ما أنتجه أصحاب الحضارة الإسلامية التي سرعان ما تبخرت في الهواء الطلق، وقد صدق ابن رشد عندما رد على بكاء تلميذه على حرق العرب لكتب معلمه حيث قال ملتفتًا له: “إذا كنت تبكي حال المسلمين فاعلم أن بحار العالم لن تكفيك دموعًا. أما إذا كنت تبكي على الكتب المحروقة فاعلم أن للأفكار أجنحة وهي تطير لأصحابها”.

إعلان

الدين المسيحي والإصلاح العقلاني

إذا ما تحدثنا على سبیل المثال عن الدیانة المسیحیة وما وقع بالضبط في القرنین 15 و 16م، فھنا نذكر أن ھذین القرنین تمیزا بما یصطلح علیه بـ”الإصلاح الدیني”، فنجد آنذاك كانت ظواھر وهمية كثيرة بھذا المعنى. أغلبها ما سُمي بـ”صكوك الغفران” أي: شراء الغفران مقابل دفع المال، لكن بعد أحداث مرت من مختلف مظاھر الكنیسة الكاثولیكیة والأرثودكسیة ظھر عدة مصلحون دینیون ضد ھذه الكنائس الأخیرة بانتقادات موجھة لھذه الكنائس (الكاثولیكیة والأرثودكسیة)، فمن أبرز المصلحين نجد: “جان ویكلف” (1320-1384) فھو مصلح دیني انجلیزي، حیث قال منتقدًا للكنیسة المسیحیة: “إن البابا لا یستطیع أن یطلب ھذا المال إلّا على سبیل الصدقة. ولما كان أھل البلاد أوْلى من غیرھم بھذه الصدقات، فإن توجیه الدولة إلى البلاد الخارجیة إذا كانت البلاد في حاجة إلیھا. یخرج بھا عن نطاق الصدقات ویجعلھا حماقة وبلاھة.

وفي نفس المسار الإصلاحي للكنيسة المسيحية فقد ظهر المصلح الديني التشيكي “جان ھس” (1370-1415) الذي كانت غايته تتجلى في إصلاح الكنيسة التشيكية معتبرًا أن هذه الأخيرة قد خرجت عن مبادئ الدين المسيحي، بالإضافة إلى ادعائه أن بعض القساوسة قد انحرفوا عن واجباتهم الدينية واهتمامهم بمصالحهم الشخصية عبر استغلالهم المادي للناس البسطاء. وبهذا النقد الإصلاحي للكنيسة التشيكية فقد اكتسب جان هس آنذاك مجموعة من الأشخاص الذين سموا فيما بعد بالمعتدلين بفعل تأثرهم بنقده (أي نقد جان هس) الصادق للكنيسة في نظرهم، لكن في نهاية المطاف فقد اتُّهِم المصلح جان هس بالهرطقة، مما جعل من مصير هذا المصلح التشيكي هو الحرق من قبل الكنيسة.

وهكذا استمرت المهاجمات العنيفة للكنيسة لكل شخص أراد أن يصلح الكنيسة بغاية جعل هذا الدين المسيحي دينًا مبنيًا على التفكير الحر بالإضافة إلى نزع السلطة العنيفة من أيدي الكنيسة. وبعد كل هذه الانتقادات الإصلاحية والأحداث التي مرت على كل من الكنيستين الكاثوليكية والأرثودكسية فقد انتصر صوت العقل في نهاية المطاف، لكن هذا الانتصار لم يتحقق إلا بعد الإصلاح العقلاني الذي قام به المصلح الديني الألماني “مارتن لوثر” حيث جعل من الدين المسيحي دين العقل والتفكير الصحيح؛ عبر إتيانه بمذهب مسيحي عقلاني سمي بالمذهب البروتستانتي.

من هنا تجذر العقل كملكة فكرية في الدين المسيحي وبالتالي عولجت مشكلة العقل واللاهوت ، والشيء الفاضل في هذه الإصلاحات الدينية وهو أنها ساهمت بشكل كبير في ظهور عصر الأنوار الذي بلغ حدوده القصوى من حيث الفكر، والعلم، و الفن، والموسيقى، ومختلف المجالات الأخرى. إذن يمكننا القول في نهاية المطاف إن هناك عنصرين ساهما في بناء الحضارة الغربية، العنصر الأول يتمثل في: إنتاجات الحضارة الإسلامية (من علم وفكر وفلسفة وفن… إلخ)، أما العنصر الثاني فيتجلى في الإصلاح الديني خلال القرنين 15 و16م.

الدين الإسلامي والعقل

إن التامل في الدين الإسلامي وخاصة نصوصه القرآنية التي تتعلق بالعقل يبين بشكل واضح وبكل جلاء مدى مكانة العقل داخل الإسلام (القرآن الكريم)، فعند رحلتي البحثية في مدى حكم الإسلام في ما يتعلق باستخدام العقل في نصوصه اللاهوتية وجدت أن هذا الدين وفي حد ذاته دين عقلاني بامتياز، فعندما نتأمل جيدًا بعض النصوص القرآنية من قبيل مثلًا: “يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا وما يذكر إلا أولوا الألباب” (سورة البقرة، الآية 269)، انطلاقًا من هذه الآية القرآنية الأخيرة نفهم جيدًا أن أولوا الألباب هم أصحاب العقول، ولا يمكن أن يكون المرء حكيمًا إلا إذا تحلى بالعقل، بالإضافة كذلك إلى الآية التي تقول:

“قل سيروا في الأرض وانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير” (سورة العنكبوت، الآية 20)

فمضمون هذا النص القرآني الأخير يبين مدى حث الخالق الإنسان على استخدام عقله، أو بالأحرى أن المعرفة لا يمكن تحقيقها إلا باستخدام العقل الذي يساعد الانسان على البحث والاستكشاف. إذًا فمن خلال ما ذكرناه في الأخير يبين بشكل واضح أن للعقل مكانة عظيمة داخل النصوص اللاهوتية الإسلامية وخاصة مرجع القرآن الكريم الذي يعتبر المرجع الديني الاساسي للدين الاسلامي، وقد يتضح ذلك بكل جلاء للمتأمل في النصوص القرآنية من خلال كلمة واحدة هي التي تؤكد بشكل واضح وبدون تشكيك يتعلق الأمر بأول كلمة قرآنية في سورة العلق وهي “اقرأ”، إن هذه الكلمة الأخيرة توضح أن للقراءة مكانة لا يستهان بها، فمن المؤكد أن الإنسان إذا ما قرأ فمن طبيعة الحال سوف يستخدم عقله وربما قد يشكك، لكن في نهاية المطاف سيصل إلى الصواب المراد تحقيقه.

التناقض بين ماهو سني وما هو قرآني

إن القارئ لنصوص الدين الإسلامي وخاصة النصوص القرآنية يظهر له نوع من التناقض بين الإسلام من جهة والمسلمين من جهة أخرى، والسبب في هذا التناقض يكمن في سيطرة النصوص الفقهية (أو ما يسمى بصحيح البخاري ومسلم… إلخ) على عقول المسلمين، وبالتالي أصبح المسلمين يعملون بما كتب وبث داخل صحيح البخاري ومسلم؛ باعتبار أنهما الدين الإسلامي الذي دعى إليه النبي محمد في حد ذاته، ونسيانهم لما يوجد في القرآن الكريم.

إذًا نفهم جيدًا أن هناك تناقضًا بين السنة والقرآن الذين من المفترض أن يكونا شيئًا واحدًا. لكن بحكم ما وقع في تاريخ الإسلام فقد اختلقت نصوص دينية على أساس أنها نصوص تفوه بها الرسول محمد بنفسه، وهذا يخدم بشكل أو بآخر الملوك المسلمين الذي كانوا يستغلون هذه النصوص للقيام بحروب وغزوات وسفك دماء… إلخ، رغم أن وظيفة الحديث هي تبيان للناس ذكر الإله وليس الإتيان بتشريع جديد على حد تعبير الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري.

إذًا انطلاقًا مما ذكرناه في الأخير يتبين لنا أن الدين الإسلامي هو القرآن الكريم الذي بلغه الرسول للمسلمين على غرار ما اجتهد فيه الرسول بنفسه في بعض القضايا الاجتماعية التي كانت تخص مجتمع شبه الجزيرة العربية آنذاك. لأن وما يسمونه هؤلاء الفقهاء بالسنة النبوية وبالضبط للأحاديث النبوية الصحيحة فإنها تتعارض بشكل واضح بشكل أساسي مع النص القرآني من جهة والعقل من جهة أخرى، ومن هنا صواب كتاب “صحيح البخاري نهاية أسطورة” للباحث المغربي رشيد أيلال، الذي يبين بشكل واضح مدى استفزاز العقل وإهانته من قبل هذا الذي يسمى بصحيح البخاري، وفي نهاية المطاف يمكننا القول إن هذه الثنائية المتناقضة بين القرآن والسنة هي التي ساهمت في ركود وانحطاط المسلمين على كل المستويات والمجالات المعرفية بشتى أنواعها إلى حد عصرنا هذا رغم كل الإصلاحات الدينية والثقافية التي قام بها مجموعة من المفكرين والفلاسفة من قبيل: الكواكبي، محمد عبده، جمال الدين الأفغاني، بالإضافة إلى مفكري القرن العشرين يتعلق الأمر بمالك بن نبي، والجابري، ومحمد أركون… إلخ، التي سرعان ما باءت بالفشل، وقد صدق ابن رشد مرة ثانية حينما قال: “الله لا يمكن أن يعطينا عقولًا ويعطينا شرائع مخالفة لها”.

*المراجع:
1- كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال لابن رشد،الفصل : "التوافق بين المعقول والمنقول".
2-منشورات جان ويكلف وجان هس ضمن كتاب: قصة الحضارة،المجلد السادس الجزء الأول "الإصلاح الديني".

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: هشام كبو

الصورة: مريم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.