تأخذك إلى أعماق الفكر

بواكير علم الكلام

ولقد ارتبط الآباء الأربعة لعلم الكلام، بالتراث المسيحي السابق عليهم، ارتباطًا قويًا. وهو ما يظهر جليًا، من خلال (الأساتذة) الذين تلقوا عنهم الأفكار الكلامية، ومن خلال طبيعة البدع (الهرطقات) التي قالوا بها، فأفزعت علماء المسلمين من أهل السنة، مثلما كانت هذه الهرطقات، قد أفزعت في القرون السابقة على ظهور الإسلام، رجال الكنيسة الأرثوذكسية من خلال مواقفها التاريخية من الهراطقة.[12] فلم تكن الإرهاصات الأولى لعلم الكلام، إلا دخولًا في التراث العربي اللاهوتي، الذي كان امتدادًا طبيعيًا للتراث المسيحي الذي ساد من قبلهم، وفي زمانهم. ومثلما نالت الهراطقة نقمة الأرثوذكس، طالت المتكلمين نقمة أهل السنة. فارتبطت المصائر، وتوحدت النهايات، واقترنت في الأذهان المسارات.[13]

ومما سبق يمكننا القول أن علم الكلام كان علمًا اجتمع في إنشائه ووضع أسسه؛ الأفراد (الآباء المتكلمون) والمجتمع بتراثه الأسبق، مما يوضح جليًا أن هذا العلم ليس نتاجًا إسلاميًا خالصًا، أو قل لم يكن في بدايته إنتاجًا إسلاميًا خالصًا. لكن مع ترسخ هذا العلم في العقلية العربية الإسلامية ونمو تلك الرؤى والأفكار الفلسفية وتحولها من مجرد (كلام) إلى نظريات عقائدية مكتملة مدعومة بأسانيد عقلية ونقلية، ومرتبطة ارتباطًا واقعيًا واجتماعيًا بالمجتمع العربي الإسلامي، فتحول الكلام إلى علم عربي خالص، وانفصل انفصالًا نهائيًا عن اللاهوت، وظل قائمًا بذاته في مجابهة تحولات الزمن.

نرشح لك: صورة الإلهيِِّ في الدين الإسلاميِّ: كيف تَجَلَّى اللهُ في مُدَوَّناتِ علم الكلام

[1]. اللاهوت العربي وأصول العنف الديني - يوسف زيدان - ص 156.
[2]. نفس المرجع السابق ص 157.
[3]. نفس المرجع السابق ص 161.
[4]. سير أعلام النبلاء - الإمام الذهبي - ص 3895.
[5]. اللاهوت العربي وأصول العنف الديني - يوسف زيدان - ص 164.
[6]. نفس المرجع السابق ص 170.
[7]. نفس المرجع السابق ص 166.
[8]. سير أعلام النبلاء - الإمام الذهبي - ص 1291.
[9]. اللاهوت العربي وأصول العنف الديني - يوسف زيدان - ص 167.
[10]. نفس المرجع السابق ص 168.
[11]. سير أعلام النبلاء - الإمام الذهبي - ص 1339.
[12]. اللاهوت العربي وأصول العنف الديني - يوسف زيدان - ص 169.
[13]. نفس المرجع السابق ص 172.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.