تأخذك إلى أعماق الفكر

The Physician عندما تستغل الحضارة الإسلامية لتشويهها

عندما تسمع عن فيلم يتحدث عن الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى وتظهر فيه شخصية بن سينا تتوقع أن يتحدث عن العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، والتي كانت سببًا مباشرًا في نهضة أوربا بعد ذلك و هو شيء لا ينكره الأوربيون لكن أن تقوم بإنتاج فيلم مليء بالمغالطات التاريخية الفجة فهذه هي الكارثة لكن يبدو أن فيليب ستولزل مخرج الفيلم أراد مجاملتهم على حساب المسلمين، وأن حضارة أوربا لم تكن لتتطور لولا فضل اليهود عليهم بل وزاد الطين بلة بتصوير المسلمين بأنهم لولا المسيحيين و اليهود لم يكن لهم قيمة .

طاقم العمل :

توم بين ( روب كول ) – بن كنجيسلي (بن سينا ) – اوليفر مارتينيز (الشاه ) – إلياس مبارك (كريم ) – ستيلان سكارسجارد (الحلاق) – مايكل ماركوس (ميردين) .

قصة الفيلم :

الفيلم يتحدث عن الطفل روب كول الذي يعيش في إنجلترا بالقرن العاشر الميلادي ويعمل في مناجم الفحم ليعول والدته وأخوه و أخته الأصغر منه سنا، وذلك في وقتٍ حيث تتحكم الكنيسة في حياة الناس، ويسود الجهل والتخلف و إتهام كل من يستخدم العلم بالسحر، بينما على الجانب الآخر في المشرق الإسلامي يتنافس الناس على اقتناء الكتب وقراءتها، وتظهر أسماء أناس مثل ابن سينا و الخوارزمي و الجزري كل هذا رغم الضعف السياسي و التفكك الذي يسود العالم الإسلامي في العصر العباسي الثاني .

 

إعلان

 

تبدأ أحداث الفيلم مع إعجاب الفتى بالحلاق الذي يدعي أنه يعالج الأمراض ويشاهد عرضه كل يوم في الشارع الذي يسكن فيه حتى يلاحظ سوء حالة أمه الصحية، والتي يرفض كاهن الكنيسة دخول الحلاق ليعالجها و يباركها بالصلوات و الزيت المقدس، لكن تصعد روحها إلى بارئها، وعندما نعلم سبب وفاتها نتفاجأ فقد ماتت بسبب الزائدة الدودية فيكون ذلك دافع للفتى لمصاحبة الحلاق و التعلم منه الذي يرفضه في البداية، لكن تصل العلاقة إلى أن يعامله كولد له حتى يصير شابا مولعا بتعلم الطب، لكن ملازمته للحلاق لا تروي ظمأه للعلم خاصة مع حديث إحدى العاهرات له عندما قالت له أن يرسله لليهود فهم يعالجون كل شيء عندما لاحظت عليه ضعف بصره ويبدو أنه كان يعاني من وجود مياه بيضاء على عينيه، و يكون اليهود عند حسن الظن رغم رفض الرجل الذهاب لهم بسبب كراهيته لهم، و إدعائه بأنهم يغيرون خلق أبنائهم الذكور بإخصائهم قاصدا عملية الختان التي يقوم بها المسلمون و اليهود لأبنائهم الذكور .

 

بن سينا ويقوم بدوره بن كينجسلي يشرح لتلاميذه بمستشفى كلية طب أصفهان

ينجح اليهودي في علاج الرجل لكن ولع روب بالطب لا ينطفيء فالفتى يسأله أين يمكن أن يتعلم فيدله اليهودي على المشرق حيث العالم المتقدم فيقول له عندما تصل إلى موانيء مصر فهناك ستقتل لأنك مسيحي قل لهم أنك يهودي فهم يرحبون بهم في حديث يشير إلى الصراع بين المسلمين و المسيحيين في ذلك العصر وهنا تظهر أولى المغالطات فالمسيحيون و اليهود و الزرادشتيون كانوا يتمتعون بحرية العبادة، و لم يكن يضطهدهم أحد واليهود و المسيحيون كان هناك كثير منهم علماء و فلاسفة أسهموا في الحضارة الإسلامية، وعلى سبيل المثال موسى بن ميمون الطبيب، والفيلسوف اليهودي الأندلسي، و الطبيب الخاص للناصر صلاح الدين، و كلنا نعلم مدى تدين صلاح الدين فلما لم يضطهد بن ميمون ؟ .

يستعد الشاب ليلتحق بقافلة متجهة لأصفهان حيث يوجد الطبيب بن سينا الطبيب الأشهر في العالم في هذا الوقت وأبو علم الطب في العالم حتى عصرنا هذا .

يصل الشاب مع القافلة ويتعرف على ريبيكا اليهودية القادمة من الأندلس لأصفهان، و نجد هنا التاجر اليهودي الذي جلبها يقول أنه احضرها من أسبانيا، وهو إسم لم يكن يطلق عليها في ذلك الوقت كما نلاحظ إرتداء اليهود لعباءة، بيضاء مقلمة بخطوط سوداء لتمييزهم عن المسلمين تشبه المسالح التي يرتدونها عند الصلاة، وعندما يصل لإحدى القرى في فارس يجد أنها أبيدت عن آخرها دون سرقة الأشياء الثمينة فيقول له قائد القافلة إنهم السلاجقة، ويتحدث عن أنهم يعتبرون الملذات الدنيوية معاصي، وهذا خطأ فادح فهو يصور السلاجقة بأنهم مجموعة من المسلمين متطرفي الفكر ينحدرون من قبائل همجية، وهو تضليل بشع فالسلاجقة قبائل تركية كانت تعيش في المناطق ما بين أوزبكستان و كازاخستان و إيران و أفغانستان، تعتمد على الرعي وكانت تعتمد على الإنتقال للمناطق التي توجد بها المياه حتى إعتنقت الإسلام ولم تحمل أبدا أي فكر متطرف، بل كان لهم الفضل في إنقاذ الدولة العباسية من السيطرة الشيعية في الواقعة المسماة بفتنة البساسيري، وسيطرت على الخلافة و كان لها دور كبير في صد عدوان البيزنطيين من على حدود الشام، بل و توغلوا في أراضي البيزنطيين وفتحوها
كما كان لهم دور كبير في مقاومة الصليبيين رغم ضعف حال الدولة وتفككها في ذلك الوقت، بالإضافة إلى أنهم عندما أظهروا من يقومون بدور السلاجقة ممثلين سمر الوجوه أصحاب عيون سوداء وبنية واسعة، وهي ملامح أقرب للملامح العربية لا التركية في ذلك الوقت التي تتميز بالبشرة البيضاء و العيون المسحوبة الآسيوية وهو ما يظهر بشكل جلي في سكان كازاخستان وأوزبكستان و طاجيكستان، على العكس من سكان أذربيجان وتركيا لإختلاطهم بالفرس و اليونان والعرب والروس و القوقازيين، ومن المثير للسخرية أن الجزء الصحيح من ذكرهم للسلاجقة هي مهارتهم الشديدة في ركوب الخيل و إستخدام القوس والسهم بينما هم يمتطونها .

ويلتقي الشاب بإبن سينا بعد صدام مع طالب مسلم متدين يكرهه لا لشيء إلا أنه يهودي ويظهر قبول بن سينا للطالب دون النظر لدين او عرق وهم يهيشون بأصفهان التي لم يقيم فيها بن سينا بل عاش في همدان ولعلهم جعلوها أصفهان لأنها من مراكز اليهود في إيران وهنا يظهر فاليهود المتدينيون معتدلون لا يرون تناقضا بين الدين والعلم بينما المسلمون يشبهون الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى فهم يرون العلم سببا لإنتشار المعاصي و الأمراض خاصة مع إنتشار الطاعون عن طريق السلاجقة في إشارة واضحة لشائعات سعي القاعدة لإمتلاك سلاح بيولوجي وهي مغالطة آخرى لكن لا بأس ان يستخدمها المخرج لتشويه الحضارة الإسلامية حتى عندما يظهر صديق روب المسلم المدعو كريم الشاب الغني المرفه الذي لا يهمه غير متع الدنيا من نساء و خمور وعندما تتحسن العلاقات إثر أزمة الطاعون تجده يفعل ذلك لكي لا تتشوه سمعته لدى أصدقاؤه حتى عندما تحسنت الشخصية كانت لهدف الرياء والسمعة وتجد المسلمين المتدينين متطرفين نفس التيمة العقيمة المستخدمة في السينما المصرية لا يظهر المتدين إلا متطرف بينما المتدين الحق هو الدرويش السلبي  بينما ميردين الطالب اليهودي هو طالب مجتهد و فقير إلتحق بالكلية لتفوقه العلمي و بينما كريم إلتحق بها بسبب الثراء الذي يميز عائلته و تبرع والده بمكتبة كاملة للجامعة .

أوليفر مارتينيز في دور الشاه

عندما يأتي مشهد إجتياح السلاجقة لأصفهان يقومون بمطاردة اليهود الذين يلجأون لملجأ تحت الأرض، ويقومون برمي المشاعل في مشهد رمزي، وإسقاط على الهولوكست، أحد تابوهات الحضارة الغربية بالإضافة للصدام بين معتقدات بن سينا وعلم التشريح، كان بن سينا محرما للأمر لولا إستغلال روب لجثة رجل زرادشتي الذي يبدو فالبرغم من إظهاره له بشخصية العالم المفكر إلا ان المخرج يصر على إستشهادات بن سينا الزائدة عن الحد بأبقراط و أرسطو ليبدو بن سينا بمظهر الناقل للعلوم لا أكثر بدون آي إبتكار منه .

الفيلم كعادة الأفلام الغربية عموما يبدو فيه الإنتاج الضخم من حيث الملابس المعاصرة للفترة، و تصوير المدين فظهرت سيدات إنجلترا يرتدون ملابس قريبة  لزي المسلمات حجاب وملابس واسعة محتشمة كذلك ملابس اليهود و الزي العسكري وإن كان زي السلاجقة العسكري شبيه بملابس المسلمين الأوائل لا بزي السلاجقة أبدًا.

لينك الفيلم على imdb

مساهمة من محمد نبيل

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.