تأخذك إلى أعماق الفكر

بشر بنكهة الطعام في رواية “كحل وحبهان”

يُشاع دومًا أن الشعب المصري شعبٌ مُحبٌّ للطعام، وأنه يربط كل مناسباته الحزينة والمبهجة بطبق ما. فـعيدُ الفطر لا يكون سوى بكعك، وعيد الأضحى يزيّنه اللحم، شم النسيم منذ الفراعنة وهو عيد السمك المملح والبيض والبصل الأخضر، والأفراح لا تخلو من الكفتة بينما المآتم من غير اللائق أن ننمّق اللحم المُعد فيها، يكفي أن نقدمه مُعدًا بالطريقة التقليدية. أما عن الأشخاص في حياتنا فهم كالطعام منهم من تجده خفيفًا على القلب، ومنهم من يكون ثقيلًا لدرجة أن “وجهه يقطع الخميرة من البيت“. وأفضلهم على الإطلاق الشخص الذي يفتح شهيتك على الطعام. نحن لا نحب شخصًا لا نستطيع أن نأكل معه أبدًا، دومًا تشير مشاركة الطعام على المحبة والألفة، وإهداؤه دليل على طلب المودة، ورفضه يعني بخل صاحبه وكآبة نفسه. للطعام معانٍ أخرى كثيرة غير ملء المعدة وسد الجوع، البشر كما الأطعمة بشكل أو بآخر:

هناك أشخاص وجودهم في الحياة له نكهة مميزة حتى وإن بدوا أشخاصًا عاديّين؛ لكن فيهم شيء مميز كما القول الشائع أن لكل سيدة نفس في طعامها فـلكُلِّ شخص حالة معيّنة يفرضها وجوده، وأفضلهم على الإطلاق من تجد نفسك تطلب منه لا إراديًا في كل مرة تلقاه فيها أن تتناولا شيئًا معًا.

شخصيات كحل وحبهان

  • عبد الله

كان عبد الله بمثابة طبق “المخلل” الذي يفتح شهيتك على الطعام، ويعينك حتى على تقبل طعام لا تفضله. كونه الطفل الوحيد في بيت لا يوجد فيه سوى جدة وأم وأب جعله يحظى بالكثير من المحبة وجعله ينعم باهتمامهم جميعًا ويلتقط تفاصيل هذا البيت وهذه الأسرة بدقة شديدة. تعلم عبد الله فن تقديس الطعام في بيت عائلته، التي كان لكل طبق فيها حفاوة خاصة مهما كان بسيطًا، تعلم استنشاق الطعام قبل أكله ومضغه على مهل والإحساس بما وراء الطعم وعدم التعجّل في البلع. تعلم كذلك الربط بين ما نأكله وما نشعر به، وأن نوع الطعام الذي نعدّه مرتبط بشكل أو بآخر بحالتنا المزاجية ونكهته تكون على مقدار محبتنا للشخص الذي نعده له. حب عبد الله للطعام ليس على سبيل النهم بل على سبيل التأمل والتلذذ؛ ولذلك تجده يعرف الأساطير التي قيلت عن الطعام وقصة كل تابل وحكاية كل وجبة ووصف دقيق لما تعنيه والرسائل التي تتضمن عليها.

يحمل عبد الله حبه وتقديسه للطعام معه عند انتقاله من بيت عائلته ليحيا بمفرده في العاصمة ويجد في حياته الجديدة أصدقاء يحب يمشاركتهم الطعام حتى ينفضِّ جمعهم ولأول مرة يفقد عبد الله شهيته للطعام؛ لأن الطعام تحلو نكهته بالمشاركة.

لا شيء أسوأ من أن يتناول الشخص الطعام بمفرده، الحكمة الشعبية التي تحذر من يأكل منفردًا من تعثر اللقيمات في حلقه تحاول أن تلفت النظر إلى جفاف ريق المتوحدين، بينما شخص تتحدث إليه وتشاكسه على الطعام سيجعل حلقك رطبًا، وسيجعل ريقك يجري.

  • صافية

ظهور صافية في حياة عبد الله كان بمثابة طبق المقبلات الذي يفتح شهيتك على الطعام ويعشّمك بالكثير من الأطباق الشهية القادمة، رغم وجودها الدائم أمامه في العمل لم يلحظ وجودها إلا حينما يكتشف أمر المعجنات بالقرفة التي كانت ترسلها له. ليست صافية نوعًا من البشر الذي يستجلب الحب والعاطفة ولكنها تمتلك نفسًا كريمة أشفقت على عبد الله حينما سمعته ذات مرة يشكو انسداد نفسه فأرسلت له هذه المعجنات لتعيد شهيته للطعام؛ لأنها مثله تحب الطعام، ولأنها تعرف معنى حياة الوحدة في العاصمة بعيدًا عن الأهل، وانفراط عقد الصحاب، ولأنها مرت بالكثير من الأشياء التي جعلتها تُصاحب الطعام وتستعيض به عن الكثير من البشر.

كانت تشعر بما يعانيه عبد الله من فقدان للشهية في الطعام التي يرادفها فقدان الشهية في الحياة. في البداية لم يكن عبد الله يراها لكن شيئًا فشيئًا بدأ يدرك أن هذه هي المرأة التي يمكن أن تشاركه حياته؛ فمن يفتحون شهيّتنا على الطعام ونستطيع أن نشاركهم طعامنا بالطبع هم أمثل من يستطيعون فتح شهيّتنا على الحياة والمُضي معنا فيما تبقى منها.

إعلان

يجد الرجل الأمان في رفقة امرأة قوامها العطف والرقة، واحدة تنتصر في وقت الاختيارات المضادة للإنسانية، امرأة الكرم هو فلسفة حياتها. كرم المرأة ينعكس على كل شيء فيها، من درجة ضبط التوابل في طعامها إلى درجة اهتمامها بكحل عينيها، مرورًا بكرم المودة تجاه الآخرين، المرأة الكريمة ساحرة بالفطرة ،بالضبط مثل صافية.

  • الأب

علاقة عبد الله بوالده تشبه تمامًا علاقتنا بالأطباق التقليدية التي نجبر على أكلها صغارًا مُكرهين لأننا نحب الأكلات الحديثة، والوجبات السريعة، ثم نكبر شيئًا فشيئًا ونستكشف أننا كنا نحبها قديمًا وكنا نكره تناولها صغارًا لأننا كنا مُجبرين فقط! يزداد حُبنا للأكل المنزلي كلما كبرنا ونحن دومًا لطريقة أمهاتنا في إعداده، ونظل دومًا نفتش عن طعم يشبه هذا الطعم الذي تذوقناه في الصغر. كانت علاقة عبد الله بوالده مضطربة كثيرًا في صغره ولا يذكر منها سوى الخمسة أيام التي كان مُضطرًا فيها لضبط هذه العلاقة وتعديل سلوكه ليحظى برضى والده المقرون بموافقته على ذهابه لحفل محمد منير الذي يحضر لأول مرة في مدينته. خمسةأيام تفصله عن تحقيق أمنيته، كان عبد الله يدرك أنه لن يصمد هذه الأيام الخمسة.

هذه الأيام الخمسة لم تخل من شد وجذب بين الأب وابنه، وبين خطأ عبد الله وعقاب أبيه حتى أتى اليوم الخامس وعبد الله مُصاب بعرج من “العلقة” التي تلقاها على يد والده وفسدت كل الأمور تمامًا؛ لكن الأب يكون في ذلك اليوم أكثر لينًا من ذي قبل ولا يحرم عبد الله من المتعة التي انتظرها خمسة أيام كاملة وحاول جاهدًا أن يكون مثاليًا في نظر والده.

عندما اقتربنا من مدخل العمارة كان خالي يقف بعيدًا، وكانت أمي وجدّتي تطلّان من الشرفة، تأمل أبي المشهد ثم تبادل مع جدتي نظرات هما فقط اللذان يعرفان ترجمتها، هزت جدتي رأسها وهي تشير ناحية خالي، وقف أبي مترددًا، نظر للأعلى مرة أخرى، كانت أمي صامتة ويعلو ملامحها أسى واضح. ربت الأب فوق كتفي، ثم دفعني برفق للأمام: “روح لخالك”.

عمر طاهر

كتابة عُمر طاهر أشبه بالطبق الشعبي الذي تحتكر سر صنعته أسرة معينة، رغم أن مقاديره معلومة للجميع؛ لكنه لا يخرج من يد أحد بنكهة تشبه نكهة تلك الأسرة أبدًا. هي رائحة الأطباق المصنوعة بحب وإتقان، لا يملك متذوّقها إلا أن يقول “سلمت يداك”
ما يقدمه عمر طاهر في كحل وحبهان هو نوع من الدفء والبساطة التي تتوقع كاتبها جالسًا معك على بساط أرضي ولا تتخيله أبدًا مُطلًا عليك من شاشة قناة ثقافية يتشدق بجمل ضخمة تبدو في ظاهرها بليغة؛ لكنها في باطنها مجوفة فارغة، حتى وإن كنت مصريًا ولم تغادر مصر ولو لنصف ساعة ستكتشف أنك ترى مصر بثقافتها وتراثها الشعبي وأجوائها الأسرية المُحبة لأول مرة.

كحل وحبهان” هي العمل الروائي الأول (والأخير حتى الآن) لعمر طاهر، يمكنك استنشاق رائحة عمر طاهر في أي عمل يكتبه أو يقدمه حتى وإن كانت تجربته الأولى؛ لكنه استطاع أن يجعلها متفرّدة وتحمل بصمته الخاصة وليست نُسخًا من روايات عربية أو عالمية لكتاب كبار.

كحل وحبهان” بشخوصها ومفرداتها وأماكنها وحتى غلاف الرواية، جميعها منتجات مصرية خالصة وبجودة عالية: جودة الماضي الشاخص في وجداننا جميعًا وجودة الأسرة بصورتها المثالية والشوارع العامرة ببشر نألفهم ويألفوننا والحياة النابضة والمُبهرة على بساطتها، والتي لاشيء يُبهر فيها سوى بساطتها.

نرشح لك: القاهرة الجديدة.. بواكير الرواية الاجتماعية

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دينا سعد

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: سدرة الأصبحي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.