تأخذك إلى أعماق الفكر

الجزء الثاني من سلسلة الوعي “الوعي والفلاسفة”

الوعي والفلاسفة

لقد كان هناك تنافس حثيث وحشي لا شفقة فيه بين الكائنات على كوكبنا لملايين السنين، وقد كان ظهور ملكات كالذاكرة والتفكير والإدراك يعادل في الأهمية في الصراع من أجل البقاء السيقان الأفضل للجري والقلوب الأفضل لضخ الدم والأكباد الأفضل لوظائفها البنائية، إني أنظر إلى الذات الإنسانية باعتبارها سلاح حاسوب عصبي، إنها كيان معلوماتي يقوم المخ بتنشيطه من وقت لآخر مثلما يحدث عندما تستيقظ من النوم وتبدأ في الربط بين إدراكاتنا الحسية وبين سلوكك الحركي.

ففي مثل هذه المواقف تشغّل آلة الأنا إدراكها لذاتها، في هذه اللحظة نصبح قادرين على إدراك هذه الذات الشفافة، إن النموذج الجيد للذات هو الذي يعين الكائن على الحياة في بيئته، وهو يبدأ بسمات بسيطة للغاية، عليك مثلًا أن تعرف إلى أي مدى تستطيع أن تقفز، ما قدرات جسمك، ما حجمك وما امتدادك حتى لا تقوم بالتهام ساقك! كما تفعل بعض الحيوانات البدائية مثلًا او كما يفعل بعض المرضى النفسيين..
8. يرى أن من علامات الصحة النفسية هو تعدد نماذج الذات والهويات الذاتية والخبرات الذاتية تبعًا لاختلاف الظروف الاجتماعية.
9. الزومبي الفلسفي احتمال لا مبرر لطرحه.
10. نحن نتمتع بحرية إرادة حقيقية.
11. أن تقدم العلوم العصبية ودراسات الوعي تهيئ لتبني صورة الإنسان بعيدة عن الميتافيزيقا ولا ندري إن كان العلم قادرًا على تقديم البديل المناسب لهذه المفاهيم التي حافظت على تماسك مجتماعتنا لسنوات طويلة والمهم ألا يكون البديل هو مادية فجة غاشمة.
12. تجعلنا ثورة العلوم العصبية في مواجهة عالم مليء بالإنجازات الحضارية التي نعجز جميعًا عن ملاحقتها في مجالات الإلكترونيات والانترنت والطب النفسي والعقاقير.
13.توماس ليس متفائلًا بالمستقبل بخصوص الوعي لكن من يدري؟!
14. انعكست دراسة توماس للوعي على حياته، فصار يدرك أننا كائنات هشّة للغاية، لذلك فدراسة الوعي يمكن أن تأتي بالحكمة أو بالاكتئاب.

اقرأ أيضًا: ما الوعي الذّاتي ؟ وكيف تكتسبونه؟

=====================
6. جون سيرل والغرفة الصينية

فيلسوف أمريكي ولد عام 1932 يشغل منصب أستاذ الفلسفة في جامعة بيركلي التي عمل بها منذ عام 1959 يُعرف نفسه بأنه دائمًا “يهتم بكل شيء”، درس في جامعة ويسكونسن ثم قضى ثلاث سنوات في منحة في أكسفورد وأصبح مدرسًا في كلية كنيسة المسيح، حصل على العديد من الجوائز وعُقدت العديد من المؤتمرات لدراسة أعماله، تُعتبر تجربة سيرل العقلية المشهورة “الغرفة الصينية” أقوى الأدلة ضد احتمال الذكاء الاصطناعي القوي وهذا اصطلاح من ابتداعه، ويتبنى سيرل أن العقل من إنتاج المخ ومن ثم نجده يدافع عن “المذهب الطبيعي البيولوجي”، ويؤكد هذا الفيلسوف الطبيعي عجز المادية عن تفسير الوعي، كما يؤكد احتياجنا لأطروحات جديدة تمامًا مما يعتبر تفنيدًا لأطروحات الماديين السابقيين، كتب العديد من الكتب في اللغة والمنطق والوعي وأهم كتبه في هذا المجال:
إعادة اكتشاف العقل 1992
غموض الوعي 1997
العقل، مقدمة مختصرة 2004
صناعة العالم الاجتماعي 2010
رؤية الأشياء على حقيقتها 2015

ونلخص كالعادة أغلب آرائه في عدة نقاط :

1. هو فيلسوف طبيبعي والمقصود بالطبيعي غير المادي في مواجهة النظرتين المادية والدينية لتفسير وجود ما في ظاهرة الحياة من ذكاء وغائية، ظهرت مجموعة من العلماء والفلاسفة ترفض النظرة الميكانيكية لفهم الطبيعة، وترفض كذلك الطرح الديني للخلق لاعتقادهم أنه يتعارض مع المنهج العلمي، فقاموا بالبحث عن مصادر طبيعية خارج المنظومات المادية، تكون قادرة على تفسير نشأة ما في الطبيعة من معلومات تقوم بتوجيه أحداثها وكذلك تفسير ما في الطبيعة من ذكاء وقصد وانتظام، ويطلق على هؤلاء اصطلاح الطبيعيين غير الماديين.

وعلى رأس هؤلاء توماس ناجل الذي طرح مفهوم “الغائية الطبيعية” التي تصلح كأرض مشتركة يستطيع أن يتحاور حولها المتدينون مع الطبيعيين غير الماديين، ويعني ناجل بالغائية الطبيعية أن قوانين الطبيعة الفزيولوكميائية تتمتع بقدر من اللاحتمية تسمح لما أسماه ” القوانين الطبيعية الغائية” بأن توجه الطبيعة لإنتاج منظومات ذكية محددة مسبقًا، إن هذه القوانين الغائية تتماشى تمامًا مع نظرية المعلومات ومع الطرح الديني كما يرى د.عمرو شريف، ومن الطبيعيين غير الماديين أيضًا الفيزيائي بول ديفيز والبيولوجي الأمريكي المهتم بأصل الحياة ستيوارت كوفمان. ويشارك جون سيرل المتدينين كثير من آرائهم ولكنه يصنف نفسه كـ “لا أدري”.

إعلان

2. يرى أن الوعي هو حياتنا وبالتالي لا ينبغي أن نسأل لماذا هو مهم، فللوعي وظيفة بدونها لا يكون الإنسان إنسانًا، فهو المسئول عن استقبال وفرز وانتقاء وتنظيم ومزج ومعالجة المعلومات في مجال وعي واحد.

3. مشكلة الوعي الصعبة هي جزء من مشكلة العقل الجسم، ولها شقين، الشق الفلسفي السهل الذي يقر بأن المخ هو سبب الوعي، والشق الصعب المتعلق بالبيولوجيا العصبية المسئولة عن التوصل إلى العمليات المخية المسئولة عن الوعي، ويكمن مفتاح اللغز في معرفة آليات الفرق بين المخ الواعي وغير الواعي.

4. إن الوعي تسببه عمليات فيزيوكميائية تقوم بها منظومة المخ.

5. نستطيع تحصيل معرفة موضوعية عن الخبرات الذاتية الواعية.

6. يتطلب حل مشكلة الوعي بحث كل الأفكار المطروحة، وإن كان طرح فيزياء الكوانتم قد أضاف إلى لغز الوعي لغزًا آخر وهو لغز الكوانتم.

7. الوعي ليس توهم ذلك إنك إذا توهمت أنك واعٍ فذلك يعني أنك واعٍ بالفعل.

8. يمثل الوعي مجال متوحد “نظرية مجال الوعي” ويشرحها سيرل بمثال حيث يقول:

تصور انك استيقظت من النوم في غرفة مُظلمة وهادئة تمامًا، لقد أصبحت متيقظًا تمامًا، بالرغم من أنك تستقبل قدرًا ضئيلًا للغاية من المثيرات الإدراكية، قد لا تشعر إلا بوزن جسمك على الفراش، ووزن الأغطية على جسمك، دون أية منبهات أخرى ومع ذلك فأنت واعٍ تمامًا، يا ترى ما الفرق بين مخك الآن ومخك منذ خمس دقائق قبل الاستيقاظ؟.

إن تصاوير المخ المتاحة حاليًا تتشابه كثيرًا في حالتي الوعي واللاوعي، بعد ذلك ها أنت تغادر فراشك في الغرفة المظلمة الهادئة وتفتح النوافذ وتذهب إلى الحمام للاستحمام وغسل أسنانك وغير ذلك من الأنشطة التي لم تمارسها منذ قليل، يقول سيرل:

الجديد الذي أطرحه في نظريتي والذي ينبغي أن نتبناه في دراستنا للوعي هو أن نعتبر أن هذه الخبرات ليست خلق جديد للوعي، لكنها تعديلات في “مجال الوعي المتوحد” الذي بدأ عند استيقاظي.

وينظر سيرل هنا إلى الوعي ليس باعتباره خبرات ذاتية متعددة يمثل مجموعها الوعي كما تمثل الشعرات المنفصلة ضفيرة الشعر، ولكن باعتبار أن هناك مجالًا متّحدًا للوعي، إما ان يكون موجودًا كما في اليقظة، أو غير موجود كما في النوم، وتمثل خبراتنا الذاتية تعديلات فيه، ومثال ذلك خزان الماء الذي نملأ منه زجاجات بأشكال مختلفة، فيأخذ ماء الخزان الواحد هيئات الزجاجات المتعددة.

وتبعًا لتصور سيرل هذا فليس الصواب أن نبحث عن التعالقات العصبية لكل خبرة حسية منفصلة مثل إدراك حمرة اللون الأحمر أو صوت المقام “دو” ولكن الصواب هو التوصل إلى الفرق بين عمليات المخ الواعي والمخ غير الواعي، فهذا سيمكننا من فهم مجال الوعي المتوحد.

9. إن وجود الخبرة الذاتية الواعية بالواقع أمر لا لبس فيه، ولكننا قد نعي بالشيء داخل خبرة ذاتية ما مختلف عن حقيقته، لذلك لا ينبغي التعويل على الخبرة الواعية في التوصل إلى الحقيقة كما تبنى ديكارت.

10. الزومبي الفلسفي كيان ممكن التصور وممكن الوجود من ناحية المبدأ ويثبت المفهوم تميزنا بشيء إضافي يجعلنا بشرًا.

11. تبين تجربة الغرفة الصينية العقلية أن العقل يتميز عن الحاسوب بالفهم الذي هو الانتقال من بينة الجملة إلى معناها، ومن ثم فما يُطلق عليه الذكاء الاصطناعي ليس إلا تحايلًا كبيرًا، وتجربة الغرفة الصينية كما لخصها سيرل أنه كانت هناك دائمًا وما زالت نظرة إلى العقل تتبنى أن المخ هو حاسوب رقمي وأن العقل هو برنامجه.

وينبني على هذه النظرة مفهومان:

الأول: أننا نستطيع ان نفهم عقولنا تمامًا عن طريق التوصل إلى برامجها.

والثاني: أننا نستطيع أن ننتج عقولًا عن طريق تصميم البرامج الملائمة.

لقد قدم سيرل تفنيدًا بسيطًا مباشرًا يستطيع كل شخص فهمه لهذه النظرة ويستطرد فيقول:

مع ذلك أدهش هذا التفنيد الكثيرين وهذا هو طرحي: أنا لا أتحدث اللغة الصينية ولا أفهمها بل لا أستطيع التفريق بين الكتابة الصينية والكتابة اليابانية، تصور أني حُبست في غرفة بها حاسوب يحمل برنامجًا لمعالجة الرموز الصينية، وقد طرحت علي أسئلة بالرموز الصينية، وكان علي أن أبحث في كتاب للتعليمات موجود معي في الغرفة عما يجب أن أفعل، وأن أعطي أجوبتي بالصينية، أي أنني أستلم مدخلات بالصينية وأنتج (عن طريف الحاسوب) مخرجات بالصينية، بالرغم من أني لا أفهم كلمة واحدة من هذه اللغة، علاوة على ذلك فإني لا أفهم برنامج الحاسوب ولا الحاسوب يفهم هذا البرنامج أيضًا، وإن كان يتبع تعليماته، ومن ثم فهو لا يفوقني في شيء.

والآن إذا قارننا تعاملي مع أسئلة اللغة الصينية بتعاملي مع أسئلة مماثلة تلقيتها باللغة الإنجليزية، فستجد إجابتي بالإنجليزية بنفس كفاءة أبناء هذه اللغة لأنني واحد منهم، كذلك تكون إجابتي باللغة الصينية بنفس كفاءة أبناء اللغة لأني أستخدم البرنامج وكتاب التعليمات، إن ظاهر الإجابتين يبدو متماثلًا لكنهما في حقيقتهما مختلفتان تمامًا، إذًا ما هو الاختلاف؟
الاختلاف واضح للغاية، وهو أنني لا أفهم الصينية وأنني فقط اتبع خطوات البرنامج بينما لدي شيء إضافي في الإنجليزية وهو أنني أفهم معنى الكلمات، من الواضح تمامًا أن الحاسوب لا يحتاج أن يعرف معنى أي شيء، إنه فقط يتعامل مع الرموز والأصفار والآحاد، أما العقل فلديه شيء إضافي آخر غير الرموز، إنه المعنى، لقد فندت بالدليل النظرة التي يطلقون عليها تعسفًا “الذكاء الاصطناعي القوي” وهذا الادعاء خطأ تمامًا حيث إن ” بنية الجملة غير معناها” إنها كلمات أربع تفضح الكثير من التحايل.

وعندما سألت سوزان بلاكمور جون سيرل عن تداعيات طرحه لهذه لتجربة العقلية قال:

أدهشتني ردود الأفعال التي أثارها الدليل الذي قدمته من خلال التجربة عن أهمية الوعي ومن ثم ضد الذكاء الاصطناعي، لقد صدرت مئات الأبحاث والدراسات التي تناقش الغرفة الصينية بعد أن هددت الأسس العقلية المتعلقة بالنظرة الحاسوبية للعقل، والتي تنطلق من النظرة الاختزالية للوعي والحياة العقلية، والتي يطرحها الاختزاليون والوظائفيون مع إغراء استخدام الحاسوبات كنموذج لفهم العقل الإنساني وإمكانية صناعة حاسوبات ذكية واعية.

كذلك اكتشفت أن الدليل الذي طرحته التجربة قد هدد بقطع الكثير من المنح البحثية والوظائف والأموال المتدفقة، نحن كفلاسفة لانبالي بذلك إطلاقًا، فنحن لا نحصل على أي أموال عن أعمالنا، لكن الكثير من الناس يحصدون الكثير من أموال المنح من وراء وعودهم الكاذبة بأنهم يصنعون عقولًا صناعية، لقد أثار ذلك معارك ممتدة مازالت مستمرة وستظل حتى يختفي هذا الجيل من رجال الذكاء الاصطناعي ويظهر جيل جديد، واستطرد سيرل أن هناك عددًا من الحجج آخذ في التزايد والمثير للدهشة أن أشهرها وأكثرها قبولًا هو أضعفها لكن هكذا تسير الأمور أحيانًا، إن حجة المعارضين الأشهر تدور حول أنه بما أني أجبت عن الأسئلة فإنني أفهم اللغة الصينية!!
إني أرها حجة متهافتة بائسة، سأخبرك لماذا.. أبدأ بأن أطرح السؤال: لماذا لا أفهم اللغة الصينية؟ الإجابة واضحة: لأني لا أستطيع الانتقال من بنيتها إلى دلالتها، أي لا أستطيع فهم معاني رموزها، وإن كنت عاجزًا عن ذلك فمحتويات الغرفة والحاسوب الذي يجيب عن الأسئلة عاجزيْن أيضًا.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.