تأخذك إلى أعماق الفكر

الجزء الثاني من سلسلة الوعي “الوعي والفلاسفة”

الوعي والفلاسفة

وفي الحقيقة، فإنه في إطار ثورة علوم المخ والأعصاب لا نجد شخصًا ذا اعتبار يقول بوجود مركز في المخ يقابل المسرح الديكارتي ولا بوجود كيان حقيقي يرصد ما يقع في هذا المركز من أحداث، وبالرغم من ذلك ما زال ثالوث المادية “دينيت وبول والزوجان تشيرشلاند” يهاجمون المسرح الديكارتي بشدة، وكأنهم يتعمدون الوقوع في مغالطة مهاجمة رجل القش، ويبدو أن هذا الهجوم يحتفظ لهم بمكانة مرموقة بين معارضي ثنائية ديكارت من الماديين.

ويتبني الثنائية الحقيقية الكثيرون من الفلاسفة والعلماء المعاصرين ولعل أبرزهم فيلسوف العلوم الأشهر كارل بوبر وعالم الأعصاب الحائز على جائزة نوبل في الطب جون اكلز، حيث طرحا فكرتهما في كتابهما المشترك “النفس ودماغها” الذي تبنيا فيه وجود عقل مادي واعٍ بنفسه منفصل عن المخ المادي، وهذا العقل قادرٌ على التأثير على المخ من خلال بلايين من الوصلات العصبية synapses.

وإذا كان طرح الثنائية “عقل وجسم” سهلًا وبسيطًا ومقبولًا من وجهة نظر الدين والكثير من الفلسفات ويتماشى تمامًا مع خبراتنا الذاتية فإنه من وجهة نظر العلم طرح لا يزال قاصر باعتباره لا يدلنا على طبيعة مصدر هذا الكيان غير المادي وكيف يكتشف الخبرات الذاتية وكيف يتفاعل مع المخ المادي، ويرى الماديون أن ذلك لا يتم إلا من خلال قوة سحرية ونحن نرجعها إلى علة أولى ونحن لا نمانع بل نرى أنه قد يكون حل الوعي ماديًا ولكن في النهاية فهو يحتاج إلى علة أولى ويعتبرها المتدينين إلهًا.

وهنا نصل أنه أصبح الماديون في مواجهة موقف لا يحسدون عليه فوادية المذهب المادي عاجزة عن تفسير الوعي وهم في نفس الوقت يرفضون قبول الثنائية إذ تسلمهم غالبًا لأطروحات ميتافيزيقية وكبديل مغاير تمامًا لهذين الموقفين يلجأ بعض الماديون إلى الهروب بشكل كامل من المشكلة وذلك بادّعائهم أنها وهم وهذا الطرح غير منطقي ولكنه لمحاولة الهروب من المشكلة بادّعاء أنها غير موجودة أساسًا، وهنا قد يكون الحل في شكل جديد للثنائية حيث يتضح أن الواحدية المادية تعجز ربما بشكل مطلق عن تفسير الوعي، ودليلنا على ذلك تهرب الماديين أمثال دينيت ورفاقه الماديين من القضية برمتها كما يتضح أيضًا أن طرح الثنائية هو الأكثر قبولًا لتفسير الوعي وذلك لسهولته وبساطته وتماشيه مع خبراتنا الذاتية ولكن ماذا لو استطاع العلم في المستقبل تفسير الوعي من خلال عمليات المخ الكهروكميائية؟

حينئذٍ سيشبه موقف سبق أن مرّت به الثنائية وهو التوصل إلى آلية ظاهرة الحياة من خلال منظومة “الدنا- البروتين” بعد أن كانت قناعة العلم هي وجود “قوة حيوية خفية” مسؤولة عن الحياة وقناعة د.عمرو شريف في هذا السياق أن انهيار مفهوم “القوة الحيوية” لم يؤدِّ إلى انهيار مفهوم الثنائية في ظاهرة الحياة بل زادها تأكيدًا! إذ ارتفع بها إلى مستوى أعلى من الخلية الحية.

إعلان

فمع إدراك ما عليه منظومة (الدنا- البروتين) من تعقيد هائل تعجز العشوائية عنه، فقد حتم ذلك الإقرار إلى مصدر أول كمصدر لهذه المنظومة، وهذا ليس إلهًا لسد الفجوات كما يدّعي الماديون بل هنا أذكر مقولة ريتشارد سوينبرن:

لاحظ أنني لا أفترض “إله الفجوات” إله فقط لأشرح الأشياء التي لم يفسرها العلم إلى الآن، أنا أفترض الله ليُفسر لماذ العلم يُفسر لا أنكر أن العلم يُفسر لكن أفترض الله لأفسر لماذا العلم يُفسر نفس نجاح العلم ليبين لنا عنق التنظيم في العالم الطبيعي يوفر أرضية قوية للاعتقاد أنه هناك حتى علة عمق لهذا التنظيم.

فالعلم يتحدث عن الآلية والميكانيكية ولا يتحدث عن الغائية أو لماذا يحدث هذا الشيء فهو ليس من اختصاصه أو حدوده، لذلك لو ثبت مستقبلًا أن عمليات المخ الكهروكميائية قادرةٌ على تفسير الوعي، فإن هذه المنظومة لن تقل تعقيدًا عن منظومة “الدنا-البروتين” وستحتاج إلى سبب أول يتسم بنفس صفات منشئ منظومة الحياة، في هذه الحالة ستكون منظومة الثنائية قد ارتقت من مستوى ثنائية ديكارت “العقل الجسد” إلى مستوى الإله اللامادي -الوجود نادي، وفيها يتخذ الإله من قوانين الطبيعة آليات يدبر بها الوجود، ويشكل بها الوعي من المخ المادي، وهذا ما نقصده بالثنائية بشكلها الجديد.

8. يقول دينيت أن الإنسان ليس نقطة موجودة داخل عقله هي ذاته بل الإنسان الحقيقي هو الكيان كله.
9. نحن نتمتع بالإرادة الحرة التي ترجع إلى الانسان الكيان كله.
10. لا شيء يبقى بعد الموت إلا السيرة القائمة على أقوالنا وأفعالنا.
11. إن مساهمة دينيت الأكبر في دراسات الوعي أنه جعلنا ندرك أن المذهب المادي أقوى وأكثر تماسكًا مما نظن، وقد فندنا هذا الادعاء في نقطة رقم 7.
12. يطرح دينيت بدلًا من المسرح الديكارتي نظريته في “المسدوات المتعددة” واشتهر أيضًا بطريقته في علم دراسة الظواهرية المغايرة والمقصود بها عكس المذهب الفلسفي المسمى بالفينمولوجيا وهو مذهب ظهر على يد هوسيرل وشاع على يد هيدجر وأيضًا الفلاسفة الفرنسيين ميرلو بونتي وسارتر، وهذا المذهب المرادف للخبر الذاتية كالإبصار والألم وهو يهتم بوصف طبيعة الخبرة الذاتية كما تبدو للوعي دون إخضاعها للاختزال وللنظريات والافتراضات العلمية، ويتبنى دينيت أن الاصطلاح يشير إلى مرحلة ما قبل تصنيف الكواليا إلى خبرات ذاتية مختلفة.

=====================
3. باتريكا وبول تشيرشلاند والمشكلة الخادعة.

ولدت باتريكا عام 1943 في كندا ودرست في بتسبرج وأكسفورد وتزوجت الفيلسوف بول تشيرشلاند وقد عملا معًا في جامعة مانيتوبا ومعهد الدراسات العليا في برنستون قبل الانتقال عام 1984 إلى جامعة كاليفورنيا في سان ديجو ليعملا أستاذين للفلسفة، وكان مجال اهتمامهما هو العلاقة بين فلسفة العقل والعلوم العصبية المعرفية، اشتهرت باتريكا بآرائها عن الوعي وقد وصفت المشكلة الصعبة بأنها “المشكلة الخادعة” وأنها ستتلاشى مثل الفاوجستون والمذهب الحيوي وقد رفضت باتريكا مفهوم الزومبي الفلسفي واعتبرته أضعف تجربة عقلية كما سخرت من التماسك الكمومي في الأنبيبات الدقيقة “سنناقش هذا المصطلح بالتفصيل في سلسلة الوعي مع روجر بنروز تحت عنوان الوعي وميكانيكا الكوانتم.”

وهنا نلخص آراء الثنائي تشيرشلاند في عدة نقاط:

1. يمثل الزوجان تشيرشلاند مع دينيت ثالوث الفكر الفلسفي المادي الغربي المعاصر.
2. ترجع صعوبة مشكلة الوعي إلى أن المعروف لنا عن المخ قليل للغاية وعندما تزداد معارفنا ستُحل المشكلة، بعد معارضة تطول أو تقصر، مثلما حدث مع الكثير من المشكلات العلمية مثل طبيعة الضوء.
3. بل ينبغي أن يقوم الفكر الفلسفي على تحديد ما لا يستطيع العلم التوصل إليه بل ينبغي أن يقوم على وضع نظريات إيجابية تفسيرية للظواهر.
4. مثلما اكتشفنا أن الضوء لا يحدث بسبب الموجات الكهرومغناطيسية ولا هو متعالق بها، بل هو عينها، فالأرجح أن الوعي هو عين النشاطات الفيزيوكميائية للخلايا العصبية.
5. توجد في المخ خرائط ممثلة للعالم الخارجي، ويقوم كل منشط باستثارة نقاط فقط، فتشكل عند كل منا خبرته الذاتية عن العالم الخارجي.
6. قد تحمل خلايا معينة في قشرة المخ البصرية شفرة خاصة بكل لون، مسؤولة عن الخبرة الذاتية بالألوان ومثل ذلك مع كل الخبرات الذاتية.
7. إن التعمق في دراسة المخ وعلم النفس يجعلنا ندرك أنهما منظومة واحدة ننظر إليها من زاويتين مختلفتين.
8. يقوم المخ بتشكيل نوع من الثنائية بين ما هو داخل وما هو خارج فنشعر بالحدود بيننا وبين العالم المحيط، ونشعر بأن أفعالنا صادرة عنا، ومن ثم فهي ثنائية خالية من الكيانات الشبحية الغامضة.
9. إن كان الزومبي الفلسفي ممكن منطقيًا فهو غير ممكن واقعيًا.
10. إذا كان السلوكيون مثل دينيت ينظرون إلى الكواليا من زاوية قابلية الخبرة للتسجيل فإن تشيرشلاند ينظران إليها بمنظور بيولوجي يتطلب وضع نظرية عصبية لتفسيرها تقوم على رصد التعالقات بين عمالتنا المخية وبين خبراتنا الذاتية.
11. تتبنى باتريكا أن المخ يشعرنا بتوهم مفيد أخلاقيًا وعلميًا بوجود حرية الإرادة نختار في ضوئها أفعالنا وتتحمل مسؤولياتها، ويرى بول أننا فعلا نتخذ قراراتنا بإرادتنا، لكنها محكومة تمامًا بالظروف المسبقة التي لا يمكن التعرف علها لدقتها، ومن ثم تكون اختيارتنا غير قابلة للتنبؤ.
12. لا بقاء للوعي بعد الموت، ذلك أنه صادر عن المخ الذي يفنى بالموت.
13. اهتم بول بدراسة الوعي باعتباره فيلسوف طبيعي يتبع الوضعية المنطقية، ومن ثم يرى أن المخ المادي مسؤول عن كل الملكات العقلية، بينما يمثل الوعي أحد مجالات البيولوجيا العصبية التي تحوز اهتمام باتريكا.
14. لم تؤثر دراسة الوعي على شخصية باتريكا تأثير عميق أما بول فقد جعلته هذه الدراسة أكثر اهتمامًا بفهم الآخرين وبالجوانب الاجتماعية والأخلاقية، وجعلته أكثر تعلق بالموسيقى التي يحبها بعد أن فهم أسسها العقلية.

4. ند بلوك والمخ الصيني

وُلد في شيكاغو عام 1942 وحصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة هارفارد، شغل كرسي برنامج الفلسفة في MIT.
ومنذ عام 1996 صار أستاذًا للفلسفة وعلم النفس في جامعة نيويورك، اشتهر بنقده لعلم المعرفة والوظائفية، كما اشتهر بتجاربه العقلية كتجربة الأمة أو الشعب الصيني أو المخ الصيني التي سنعرضها هنا ضمن تلخيص آرائه، وأيضًا اشتهر بتمييزه بين الوعي المدخلي التطبيقي وبين الوعي الظاهراتي أو الذاتي أصدر عام 1997 كتابه “طبيعة الوعي: مناظرات فلسفية”

وهنا تلخيص لأغلب آرائه مع شرح لبعض المصطلحات التي تتطلب شرحًا:

1. يعتبر ند بلوك من الفلاسفة الماديين ويختلف مع دينيت في أنه يتبنى وجود منظومة وظيفية وليس تشريحية للوعي داخل المخ، بينما يرفض دينيت وجود المنظومتين.
2. مهتم بعلم وصف الخبرات الذاتية، ومساهمته الأكبر فيه هو وضع التجربة العقلية المعروفة بالمخ الصيني: والمخ الصيني أو الشعب الصيني هي تجربة عقلية صممها ند بلوك حيث يتصور بلوك أن كل شخص صيني مزود بجهاز يعمل كمستقبل ومرسل للموجات يجعله كعصبون في مخ هائل، هو الشعب الصيني، إن المخ الصيني سيعمل كالمخ الطبيعي بالرغم من بنيته المختلفة تمامًا، والسؤال المهم الذي من أجله صُممت التجربة: هل سيكون هذا المخ الصيني واعٍ؟ يرفض بلوك أن يكون المخ واعيًا ويستخدم ذلك كدليل ضد الوظائفية التي تعني أن بنية الأشياء تتماشى تمامًا مع وظيفتها دون أية زيادات تكمليلية “كالوعي” أو جمالية.
3. يذكر بلوك أن هناك فرقًا بين الوعي الذاتي الذي هو خبراتنا الذاتية وبين الوعي المدخلي التطبيقي الذي هو المعلومات المتاحة لأغراض عقلية تطبيقية أخرى.
4. من ينكرون الخبرة الذاتية يكادون هم أنفسهم يكونون زومبي.
5. هناك نوعان من الزومبي، الوظيفي الذي يشبهنا وظيفيًا ويختلف عنا فيزيائيًا وهذا ممكن الوجود، وزومبي فيزيائي يشبهنا فيزيائيًا ووظيفيًا وهذا غير ممكن الوجود لذلك لا تُعتبر جزءًا من ذواتنا.
6. لا يمكن الجزم بوجود أو غياب الإرادة الحرة، ذلك أنه لا مجال للقول بأن الإنسان هو مؤلف سيناريو أفعاله، لكنه في نفس الوقت يستطيع القيام بالأفعال بطريقة مختلفة.
7. الذات الإنسانية التي تدرك الخبرات الذاتية وتمارس الأفعال هي مجموعة من العمليات العقلية المتفاعلة.
8. بدأ ند بلوك اهتمامه بالوعي منذ كان طالبًا جامعيًا واحترف الأمر منذ عام 1996.
9. لم تؤثر دراسته للوعي في خبراته الذاتية فما زالت معارفنا عن الوعي أقل من أن تؤثر في سلوكياتنا.

=====================
5. توماس متزنجر ونموذج الذات.

وُلد بألمانيا عام 1958، درس في جامعة جوهان وولف جانج جويث بفرانكفورت، ثم حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة في مشكلات العقل-الجسد من جامعة فرانكفورت، بعدها درس في العديد من الجامعات في ألمانيا والولايات المتحدة، تدور اهتماماته الفلسفية حول موضوعات الأخلاق وطبيعة الذات وفلسفة العلم وخاصة العلوم المعرفية والعلوم العصبية، اُشتهر بنظريته عن “نموذج الذات” ويمارس التأمل منذ فترة طويلة.
يعمل الآن أستاذًا للفلسفة ومديرًا لمجموعة الفلسفة النظرية في جامعة جوهانز جوتنبرج في مينز، حرر كتابي: الخبرة الواعية، العلاقات العصبية للوعي وألف كتاب “أن تكون لا أحد”، كذلك في عام 2009 كتاب نفق الأنا، وكتاب “هذا يفسر كل شيء” سنة 2013 .

وهنا تلخيص لأغلب آرائه:

1. هو صاحب منظور مادي معتدل يعتبر أن الوعي ظاهرة طبيعية.
2. يمثل الوعي مشكلة كبيرة، فهو يتفرد عن العلوم الطبيعية بمنظور الشخص الأول ويشاركها في منظور الشخص الثالث.
3. يمكن دراسة الوعي من خلال منظورين، المنظور النظري، من خلال نظريات تسعى لمعرفة الحقيقة العلمية، ومنظور الخبرة الذاتية الذي يسعى لتيسير تعاملنا مع الوجود وتيسير تكاثرنا والمحافظة على الجنس البشري دون اهتمام بالموضوعية.
4. مثلما نقبل نظريات فيزيائية لا يمكن تصورها “الكوانتم” علينا أن نقبل نظريات لا يمكن تصورها عن الوعي.
5. لا يمكن أن تكون الخبرة الذاتية الواعية مجرد توهمات، ذلك أن أجسامنا الفيزيائية والعالم الفيزيائي يحتاجان إلى تصوير صادق دقيق للواقع تقومُ به ذواتنا حتى يمكننا التعامل معه.
6. حتى إذا كان الشعور بالذات خادعًا تقوم به خبراتنا الواعية، فكثير ما يكون التوهم مفيدًا وظيفيًا.
7. طرح نموذج “الذات الشفافة” الذي يتبنى وجود صورة داخلية للذات لا نستطيع التعرف عليها، وقد كان لظهورها دور تطوري مهم في الصراع من أجل البقاء، ويُسهب في هذا الأمر حيث يقول إن افضل الطرق واقعية وحكمة إلى الذات الواعية هو النظر إليها من خلال “نموذج الذات الشفافة” كما قد يسميه الفلاسفة، إن هناك صورة داخلية لذاتك، وأنت لا تستطيع التعرف عليها كصورة بالرغم من وجودها، ويمكن اعتبارها سلاحًا ظهر خلال سباق التزود بالأسلحة المعرفية في أثناء التطور البيولوجي.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.