تأخذك إلى أعماق الفكر

بين المال والرجال

جمعَ رجالاتِ دولته، ثم سألهم ليقفَ على رؤيتهم لِمَا يضمنُ اتساع رقعة الدولة الإسلامية ورفعةِ شأنها، وبعد أن عَجَمَ عودَهم واختبر أمرهم؛ إذ بهم يرون أن المال هو سلاحُ التأثير والنفوذ وقد نطقوا بها صراحًا بواحًا. وقد نتفِقُ معهم في ذلك، فالمالُ هامٌ للغاية إلا أنّ هناك ما هو أهم؛ ولكن قبل ذلك … مَنْ هذا القائد؟ وماذا قال؟

القائد هو فاروق الأمة الأواب عمر بن الخطاب، وقد قدّم -من خلال إجابته على السؤال المطروح آنفًا- آيةً لا تَنْطَمِس ونهجَ له طريقًا لا يَلْتَبِس فقال: “أتمنى أن لي ملء هذا البيت رجالًا”. انتبه لهذا التأصيل المهم، لقد رفعَ الفاروق قيمة الرجل؛ فهو المورد البشري الذي يقوم باستثمار المال لتحقيق الأهداف الحياتية والدينية.

الفاروقُ يؤكد على ضرورة الاهتمام بـالعنصر البشري ، منهجٌ يؤصِلُ مبدأ الكبار وذوي الهِمم العالية، فالواحد من هؤلاء القمم (يبني الرجالَ وغيره يبني القرى؛ شتانَ بين قرىً وبينَ رجالِ). الاستثمار في العنصر البشري هو السبيل الأكثر فعاليةً على الإطلاق؛ يتطلب هذا الاستثمار ضرورة التمييز بين الإنسانِ والآلة، فهذا الخلط أدخلَ الأفرادَ والمؤسسات في الكثير من المشاكل.

الإنسان له دوافع للعمل تتفاوت، ولديه التزامات وواجبات ويتعرض لضغوطٍ شتى، في حين أنّ الآلة لا تتعرض لمضايقاتٍ ترفعُ من ضغط الدم ولا اعتلالِ عضلة القلب ولا تقعُ تحت وطأة الاكتئاب والظروف الشهرية وغيرها!! مما يعني أن الإنسانَ ولنحُثَه على تقديم أفضل ما عنده، فمن حقه علينا أن نتعامل معه تعاملنا مع المقربين منا؛ لا نُجْحِفَه حقه ولا نُثْقِلَ كاهِلَهُ بما لا يُطيق، مع تفعيل ملكة المرونة في تناول ما قد يبدر عنه بين حينٍ وآخر من تدني مستوى الأداء.

إن العصر المعلوماتي قد فرض علينا نوعًا من المادية التي تعاني منها الدول الغربية، ولكننا مازلنا نحتفظ بروحٍ ساميةٍ لا تنهزم أمام الماديات المتنامية؛ مما يسمحُ لنا بالتعامل بحكمة خلال قياس أداء العنصر البشري تضمن تحقيق رؤية ورسالة الشركة أو المؤسسة مع الحفاظ على درجة كبيرة من ولاء العنصر البشري لشركته ومؤسسته. إغفال حق العامل أو الموظف مقابل حق الشركة والمؤسسة من شأنه أن يتسع الخرق على الراتق، وأن يكون الجفاءُ بين الموظف ورئيسه هو السمة السائدة، وهذا الجو لا يشجع على الابتكار والتطوير فضلًا عن أن يشجع على مواصلة الالتحاق بنفس الوظيفة في ذات المكان.

إعلان

من بين السبل التي يمكن من خلالها كسر صمت الإرسال بين الإدارة والموظفين تنظيم اللقاءات والفعاليات التي ترفع من درجة الود بين الجميع ليكونوا يدًا واحدةً تسعى جاهدةً لتحقيق ما تربو إليه الشركة. يمكن كذلك تفهُّم الظروف الطارئة للموظفين -مالم تكن متكررة وغير مبررة- ومساندتهم على تخطيها، أيضًا تفعيل استبيانات الرأى وقياس رضا الموظفين على أن يتم ذلك بدافع تحسين العلاقة وتقديم ما هو أفضل، وليس من باب سد الذرائع. وعلى الموظف أن يتجشم عناء المبادرة وأن يُبدي درجة مناسبة من الاستعداد لتقديم المعلومات بشفافية تكشف للشركة عن تخوفاته أو طموحاته التي يسعى لها؛ بما يجعل الأمر جليًا والمحاولة لتحقيق مكسب الطرفين كقاعدة للانطلاق والنجاح.

إن حوار الأقاصي بين الموظفين والشركة لا يحقق النتيجة التي يسعى لها الموظف من استقرارٍ ماديٍ ومعنوي، كما أنه لا يحقق للشركة ما سطرته في رؤيتها ورسالتها؛ إذ أن الاستقرار أول عوامل النجاح المؤسسي. وفي الختام يتعين على طرفي العلاقة ضرورة التفاهم والتعاون المشترك؛ وصولًا لتحقيق الغاية المنشودة.

مساهمة من محمد الشبراوي

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.