تأخذك إلى أعماق الفكر

هل كان الملك بيبي الثاني شاذ جنسيا ؟!

بخصوص ما تداولته وسائل التواصل الإجتماعى بشأن تصريح د.زاهى حواس بأن الملك ” بيبي الثاني / مرى كا رع” كان شاذ جنسيا وأنه كان على علاقة بقائد جيشه ويذهب إليه ليلا الخبر .. من هنا
من ثم قام د.زاهى بتعديل تصريجه ليشير أن تلك القصة فقط للعظة والعبرة ولتجريم هذا الفعل .. من هنا

أولا أحب أن اشير أن د.زاهى هو قامة علمية قدمت الكثير لمصر، شئنا أم أبينا هذا الرجل له الكثير من الإنجازات تحسب له وللوسط الأثري ولوطننا مصر وعلمه ينتفع به الكثيرين حتي الأن ولا يمكن أن يشكك أحد في عشقه اللامتناهي لمصر وتاريخها فضلا عن تخصصه كأحد أبرز الأساتذة في مجال علوم المصريات ….

ثانيا : دعونا نتطرق بالتوضيح لأصل تصريحات د.زاهى، فى البداية ما قاله د.زاهى يستند على بردية تدعى “بردية شاسيناه مرقمة برقم : 25351 وموجودة بمتحف اللوفر ”
صورة توضيحية لرقم البردية وتفاصيل شراؤها وعرضها من هنا

تذكر البردية القصة التالية ( أتى أحد المواطنين -غير معروف الإسم حيث أنه غير مذكور فى البردية) إلى بلاط الملك ” بيبي الثاني ” والمذكور فى البردية بإسم “نفر كا رع” وهو إسم تتويج الملك “ببى الثانى” – هذا المواطن أتى إلى قاعة الإستماع للشكاوى التى بقصر الملك وكان غرضه قراءة مرثية غنائية أمام الملك تتعلق بحادثة وقعت له – وهى حادثة لا تذكرها البردية أيضا – ويبدو أن الملك ضاق بهذا المواطن فأمر الفرقة الموسيقية المصاحبة للمرثية بأن تفسد اللحن ليتخلص من هذا المواطن، وبعدها حاول هذا المواطن مرات عديدة لتكرار المرثية وباءت محاولاته بالفشل وفى إحدى المرات عند مغادرة هذا المواطن القصر طلب من صديق له ويدعى “تتى” أن يتبعه ليراقبه ويعرف خط سيره، وعند مراقبة “تتى” للملك وجد أنه يخرج من القصر ليل كل يوم ليذهب إلى موظف بالقصر يدعى ” شا سنت” ويذكر النص الجملة التالية ” يذهب جلالته ليلا إلى منزل “شا سنت”ويفعل له كل ما يرغب ”

لنوضح الصورة كاملة لا بد أن نذكر أن الملك ” بيبي الثاني / مرى كا رع” هو خامس ملوك الأسرة السادسة المصرية وتوفى فى العام 2184 ق,م .. تولى الحكم وهو فى السادسة أو الثامنة من عمره تقريبا ودامت فترة حكمه حوالي 94 عاما وهى أطول فترة لحاكم مصري فى تاريخ بلادنا حتى الآن ..

إعلان

البردية التى ذكرت القصة – كما ذكرت- تدعى بردية “شاسيناه” والمسماة بإسم عالم الآثار الفرنسى “شاسيناه” يعود تاريخ كتابتها لعصر الدولة الحديثة، وهو العصر الذى يعقب عصر الملك ” بيبي الثاني ” بأكثر من ألف عام، ربما كانت هذه البردية منقولة من نص أقدم، أو ربما كانت مستحدثة لذلك العصر، لا أحد يعلم على وجه اليقين، ولكن الثابت تاريخيا أنها البردية التى بين يدينا كتبت بعد وفاة “بيبى” نفسه بعصر بعيد جدا ..

تبدو هذه القصة عادية جدا ولكن اللغز هنا يكمن فى جملة ” يفعل له كل ما يرغب”، ذهب البعض جامحين فى أنه كانت هناك علاقة جنسية بين الملك والموظف، ولكن السؤال الأهم كيف عرف هؤلاء أن معنى جملة “يفعل له ما يرغب” تعني وجود علاقة جنسبة بينهما ؟
وكيف يتسنى لنا الإعتماد على مروية تتحدث عن شخص غير معروف الإسم فى شكوى غير معروفة ومن ثم “تتى” بطل الرواية الأساسي كيف عرف من مراقبته للملك أنه “يفعل له ما يرغب” ؟ وماهي تفاصيل الأحداث التى لم تذكرها البردية، فقط جملة مبتورة يمكن ترجمتها إلى ألف معنى.

هل من المحتم أن تكون هذه الجملة معناها وجود علاقة جنسية بين الطرفين .. بالتأكيد لا، والمؤكد أيضا أنه هناك إحتمالات أخرى لمعنى تلك الجملة وذلك لعدم وجود دليل يدعم تلك القصة من آثار أخرى، لربما أن المعنى من وراء القصة غير ذلك أيضا، جميع الإحتمالات مفتوحة ولكن لا يوجد ما يدعم الإفتراض بوجود علاقة جنسبة بين الطرفين كما ذكرت سابقا

وجدير بالذكر ايضا أن الشذوذ الجنسي كان المصرى القديم يجرمه كما أن يجرم الزنا وهو من المؤكدات التى تثبتها النصوص الدينية المصرية حيث يذكر كتاب الخروج فى النهار (كتاب الموتى) فى نصوص تسمى “نصوص إنكار الذنوب ” أن المتوفي لكي يخلد بالآخرة لا بد أن ينفي عن نفسه تهمة إرتكاب الفاحشة مع النساء أو حتى الرجال، أي أنه لن يخلد إذا فعل هذين الذنبين ..

لذلك وبناء على كل هذا أستطيع أن أؤكد أن تلك القصة لا يمكن أخذها فى الإعتبار نظرا لبعد تاريخ كتابتها عن عصر الملك ” بيبي الثاني ” وكذلك لعدم وجود تفصيل واضح لمعنى الجملة المذكورة ” يفعل له ما يرغب” .. ومع تجريم المصري القديم لهذا الفعل جملة وتفصيلا ..
وذلك مع كامل إحترامنا ل د.زاهى كقامة علمية كبيرة ..
عذرا فقدماء المصريون كانوا رجالا .. علموا العالم الحضارة والأخلاق ..
الصورة المرفقة لرأس تمثال للملك “ببى” موجودة بمتحف المتروبوليتان ..

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

إسرائيل الأخرى “أولى الفرص الضائعة لتفادى نكبة الشعب الفلسطيني”

النغزات و جائزة نوبل للاقتصاد

لماذا الفرنجة جائوا من أقصى أوروبا؟

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.