المسألة السياسية في فلسفة باروخ اسبينوزا

نقد النص الديني، التسامح، الدولة

يُعبتر باروخ اسبينوزا من أوائل الفلاسفة الحداثيين الذين انتقدوا التعصب الديني بمهنية فلسفية قل نظيرها، ذلك من خلال رسالته في اللاهوت والسياسة. بحيث قدم لنا اسبينوزا من خلال هذه الرسالة قواعد عامة لتأسيس أخلاقيات للتسامح والدفاع عن حرية التعبير، خصوصا مع أصحاب الأفكار الجريئة والحرة الذين عادة ما يتم وصفهم  بالملاحدة والهراطقة[1].

لقد اعتبر اسبينوزا تأسيس الدولة على القاعدة الدينية بمثابة إقصاء مباشر للعقل، ونفي تام لقيم التسامح وحرية العقيدة وحرية امتلاك آليات التعبير عن الرأي. الأمر الذي جعله يُدافع بشدة عن ضرورة تأسيس الدولة على العقل؛ فخص الدين بمملكة الإيمان وخص العقل بمملكة الحقيقة والتشريع.

وتأخذ الأخلاقيات السبينوزية في مجال السياسة أساسها من فكرة توسيع مجال الحياة العامة وتخليقها انطلاقا من مبدإ التسامح، هذا الأخير الذي يجعل من التعدّد ممكنا سواء أكان دينيا أو فكريا. بحيث يكون المهم في كل عملية سياسية هو احترام الإطار الديمقراطي.

فالتعاطي مع الآراء الإنسانية من خلال مبدإ التسامح، يكون عبر التحاجج بالأدلة والبراهين، لا من خلال الاستعمال المفرط للقوة والعقوبات الجسمية أو التجديف. بحيث لا يحق لا للأفراد و لا للحاكم ولا للدولة استخدام السلطة و العنف لإخضاع آراء الناس أو محاصرتها؛ ما دام الكل  يستمد وجوده من الإلتزام بالقانون. لأن حرية الإيمان بدين ما  أو تبني أفكار ما؛ مسألة شخصية  ما دامت المدنيات مسألة حكامة وديمقراطية[2].

و لم يكن تأسيس اسبينوزا لما هو سياسي على غرار قيمتي العقل و التسامح ليكتمل فلسفيا، لو لا خوضه بادئ ذي بدء  في نقد  النصوص الدينية المقدسة المؤسسة لما بين العهدين القديم و الجديد، معتمدا في ذلك على المِعوَل الفيلولوجي و المطرقة التاريخية، و ذلك للبث في مصداقية النص الذي أسس لكل الأشكال السياسية المعاكسة لما هو مدني-إنساني.

إعلان

وللخوض في تحليل المسألة السياسية في خطاب اسبينوزا نجد أنه لا بد لنا أن ننطلق  من الأسئلة الآتية:

  • ما هي أهم المسالك النقدية التي بنى من خلالها اسبينوزا تصوره للديني؟
  • إلى أي حد تُشكل المفاهيم الأخلاقية مثل الإيمان والفعل والحرية،حجر أساس في تصور اسبينوزا للخطاب السياسي عموما؟
  • كيف أثرت هذه المسالك النقدية والمفاهيم الأخلاقية في تحديد طبيعة الدولة القائمة على التسامح و الحرية لدى اسبينوزا؟

نقد النص الديني وطابعه القدسي:

لقد شكل سؤال الدين المبدأ الأساس الذي انطلقت منه جميع المشاريع الأخلاقية والسياسية الحديثة، خصوصا في فلسفة اسبينوزا. بحيث أن جميع المسائل الجوهرية في تصوره العام للمجال العملي تنطلق على المستوى النظري من نقد الدين، بالإضافة إلى إعادة صياغة مفاهيم، مثل : الحرية ، الفرد ، الإرادة ، الدولة ……. إلخ.

ويتميز بحث اسبينوزا في الدين، بنقده للنص المُؤَسِس والطابع القدسي الذي أضفته عليه تأويلات رجال الدين. لأن اسبينوزا يؤمن أن النص المقدس والتأويلات التي أعطيت له هي السبب الأساس في ظهور كل أشكال التعصب والعنف. أضف إلى ذلك أن بحث اسبينوزا في الدين لم يتم التركيز فيه إلا على العقل أو النُّور الفطري من جهة، ومنهج التفسير[3] من جهة ثانية، مما أضفى على دراسته خصوصية عدم الاعتماد على الأفكار المسبقة والتأويلات القديمة.

ولم يكن لهذا المُعطى أن يتحقق دونما لجوئه للركيزة الفيلولوجية، إذ بفضل فقه اللغة تمكن اسبينوزا من الكشف عن الزيف والوهم والتحريف اللذان شابا الكتاب المقدس، خصوصا في ما يخص التوتر الحاصل بين العهدين القديم و الجديد.

إن ما يجعل الكتاب المقدس يؤدي أدوارا خطيرة على المستوى العملي حسب اسبينوزا هو طابع القداسة الذي يُضفَى عليه، لأنه وبدون هذا الطابع، سيصبح مجرد اعتقاد نظري. هنا بالضبط يتحدد دور النقد التاريخي[4]، باعتباره الطريقة الفلسفية التي ترجع الاعتقاد إلى صورته البسيطة الخالية من كل نزعة سياسية أو أخلاقية منتجة للصراعات والتعصب.

لقد اعتمد اسبينوزا توجهين في بحثه ومناقشته لمفهوم الدين[5]، وهما:

الأول: يكشف عن الطبيعة النظرية للدين من خلال البث في الأحكام المتعلقة به والمفاهيم التي تشكل بنيته كالمعجزة[6] والنبوّة[7] مثلا -وهذا السياق يثبت فساد الأحكام المسبقة للدين وقدسية النص- أما الثاني: يوضح فيه اسبينوزا الطبيعة الوظيفية للدين في إطار علاقته بالدولة. ولقد كان اسبينوزا واضحا في هذه النقطة، إذ يعتبر أن الدين ليس مصدرا للتشريع، بل هو فقط وسيلة من الوسائل التي تروم للحفاظ على سلامة وأمن الدولة. من ثم، و اعتمادا على هذه المقدمة، تتغير المسافة بين الدين و الدولة، بما يجعل هذه الأخيرة مدنية.

أما على مستوى الغاية، فنقد النص الديني وطابعه المقدس بالنسبة لسبينوزا، كان رهانا ضروريا، للانتقال من الدين التاريخي القدسي إلى دين عقلاني قِوامه النُّور الفطري والمفاهيم الأخلاقية السامية مثل: التّقوَى، الإحسان، الفضيلة. ما ينعكس على طبيعة الخطاب الديني ليصير أساسا للحرية والتسامح، ما دام مركز الاهتمام فيه عمليا وليس نظريا، فالاعتقادات والآراء شأن شخصي، و كل فرد داخل الجماعة المدنية له حرية الاعتقاد بما يشاء شريطة ألا يدعي الإطلاقية والتعصب، ما دامت كل الآراء والاعتقادات لا تتجاوز كونها معارف ظنية.

في ما يخص مسألة الإضافة، ففضل اسبينوزا على مجال النقد التاريخي للدين، يتمثل في فحصه للأسس والمقدمات والمسلمات التي قام عليها الدين ، لهدف تبيان تهافتها وكذلك خطئها على مستويات شتى منها:    1- اضطراب الرواية 2 – استمرار الرواية في الزمان بعد زمن الأنبياء ( موسى نموذجا ). 3- تسمية بعض الأماكن بغير أسمائها زمن موسى. 4- قدسية النص يجب أن تبنى على النص نفسه[8] لا على الأفكار المسبقة.

فلقد كانت هذه المستويات بمثابة وضع للاهتمام الفلسفي بالدين على سكته الصحيحة، حتى لا نبقى مُسيجِين للعقل التأملي ضمن سؤال الأصل الذي لا يؤدي بنا إلى نتيجة، بل  حثنا على أن ينخرط  العقل في الإجابة على  سؤال الفائدة العملية.

بالتالي، تصبح حرية الرأي لا تضر في شيء ما دام الأصل والمقياس هو العمل والفعل لا الأفكار الموجودة في النص المقدس و التي لا نعرف أصلها النظري و كاتبها و المسار الزمني الذي قطعته.

حاصل القول؛ ينطلق باروخ اسبينوزا من نقد النص والقداسة لكي يؤسس لمعطيين اثنين : أولهما حرية الآراء النظرية، و ثانيهما قياس أداء الجماعة المدنية انطلاقا من الأفعال.

الإيمان باعتباره مدخلا لتحديد التسامح أخلاقيا وسياسيًا:

ينطلق اسبينوزا في تعريفه لمفهوم الإيمان من النتائج التي توصل لها خلال ممارسته للنقد التاريخي؛ هذه النتائج التي تنحو بأكملها إلى الربط بين  الإيمان و العمل.

وعلى مستوى أول يحدد باروخ اسبينوزا معنى الاعتقاد-كمقدمة لفهم معنى الإيمان- قائلا ” فالناس مختلفون في تكوينهم الديني فيؤمن أحدهم بمعتقدات لا يؤمن بها الآخر، ويحترم أحدهم ما يثير ضحك الآخر”[9].

أما في ما يخص مفهوم الإيمان فيعرفه اسبينوزا؛ باعتباره حث على الطاعة، يقول اسبينوزا” إن الإيمان هو أن ننسب إلى الله بالفكر خصائص يؤدي الجهل بها إلى ضياع الطاعة، على حين أن وجود الطاعة يستتبع وجود هذه الخصائص بالضرورة”[10].

يبدوا اسبينوزا واضحا في هذه النقطة من الناحية العملية؛ إذ يقيس الإيمان بالطاعة لا بمعرفة الإله وماهيته[11]، ما دام الإيمان معطًى عمليًا، وأن مجال المعرفة الدينية كله ظنيات. وبما أن الدولة تهتم فقط بالفعل والعمل لا بالآراء النظرية فسيكون الدين شرطا أساسيا لقيامها لأن الإيمان يحث على الطاعة. و بالتالي فاسبينوزا لا يدعوا إلى فصل الدين عن الدولة بل فقط إلى إعادة صياغة المفاهيم الدينية الأساسية كالإيمان مثلا لكي يأخذ ( أي الدين ) معنا عمليًا مدنيًا. فالفصل بين الدين و الدولة يُشرعِن أكثر لتعظيم سلطة الكنيسة على حساب سلطة القانون في نظر باروخ اسبينوزا.

إن التسامح عند إسبينوزا على غرار هذا الحديث يجد أساسه في تصور الإيمان بالكيفية التي يكون فيها للفرد حرية مطلقة في الاعتقاد بالحقائق النظرية لكن شريطة أن لا يتنافى هذا الاعتقاد عمليا مع الطاعة. وتبعا لذلك يتغير حتى مفهوم المؤمن؛ فلن يصير هذا الأخير ذلك الشخص الذي يعتقد ويتعصب بــ و إلى شريعة دون أخرى بل ذلك الشخص الذي يعكس فعله الطاعة وقيم الإحسان والبر والفضيلة. ” فالإيمان يتطلب عقائد تحث على التّقوى وقادرة على توجيه مُعتنِقها إلى الطاعة، أكثر مما يتطلب عقائد صحيحة، ولا يهم بعد ذلك ألا يكون العدد الأكبر من هذه العقائد محتويا على ذرة واحدة من الحقيقة….، إن الإيمان الشامل لا يحتوي إلا على عقائد تَحُثُّ على طاعة الله على نحو مُطلق، ويؤدي الجهل بها إلى أن تستحيل الطاعة تماما، أما الجوانب الأخرى للعقيدة فإن لكل فرد – ما دام هو خير من يعرف نفسه – أن يتصورها كما يشاء بحيث يتسنى له أن يسلك على خير نحو طبقا للحب و العدل، وأظن أن هذه القاعدة تمنع أي نزاع داخل الكنيسة”[12] .

إذن؛ إن المبدأ العام للإيمان يتلخص في أن عبادة الموجود الأسمى الذي يدعوا إلى العدل والإحسان يلزم عنه بالضرورة طاعة السلطة السياسية. فالدولة تحاسب الأفراد على سلوكياتهم الظاهرة لا على اعتقاداتهم الشخصية نحو الإله أو أي مخلوق آخر.

يضيف اسبينوزا موضحا” فالإيمان – كما نود أن نردد مرة أخرى – لا يتطلب من الحقيقة بقدر ما يتطلب من التقوى، وهو لا يكون باعثا على التّقوى ولا يؤدي إلى الخلاص إلا بقدر حثه على الطاعة، وعلى ذلك فأفضل المؤمنين ليس بالضرورة من يقدم أفضل الحجج، بل هو الذي يقدم أفضل أعمال العدل والإحسان. وإني لأترك لكل منكم حرية الحكم في مدى نفع هذه العقيدة وضرورتها للدولة، إذا أردنا أن يعيش الناس في سلام ووئام، وفي مقدار ما تتيح من تجنب أسباب القلاقل والجرائم وما أكثرها وأخطرها[13].

حاصل القول؛ إن الدولة باعتبارها كيانًا مدنيًا فهي لن تستفيد في علاقتها بالمواطن من مسألة محاسبته على إيمانه و أفكاره النظرية، بل يجب أن تُعزز ذلك الإيمان لديه و تحميه من كل أشكال التعصب ليخدم أمن الدولة و وجودها ما دام الإيمان يقوي الطاعة لدى الؤمن.

الدولة الحرة باعتبارها شرطا لقيام التسامح أخلاقيا و سياسيا:

في هذا السياق ينطلق اسبينوزا من سؤال أساسي، و ربما من سؤال نعتبره منطلقا لنظريته السياسية ضمن كتاب “رسالة في اللاهوت والسياسة“، ألا وهو:

إلى أي حد يمكن التسليم بحرية الفرد دون أن يكون في ذلك تهديدا لسلامة الدولة أو لحق السلطة العليا ؟

يجيب اسبينوزا عن هذا السؤال الفلسفي العميق انطلاقا من تبيان الغاية القصوى من وجود الدولة، والتي لا تتأسس على السيادة المطلقة أو إرهاب الناس أو جعلهم يقعون تحت نير الآخرين، بل تقوم على-يؤكد اسبينوزا- ” تحرير الفرد من الخوف بحيث يعيش كل فرد في أمان بقدر الإمكان، أي أن يحتفظ بالقدر المستطاع بحقه الطبيعي في الحياة وفي العمل دون إلحاق الضرر بالغير. وأكرر القول بأن الغاية من تأسيس الدولة ليست تحويل الموجودات العاقلة إلى حيوانات أو آلات صماء، بل المقصود منها هو إتاحة الفرصة لأبدانهم وأذهانهم لتقوم بوظائفها كاملة في أمان تام بحيث يتسنى لهم أن يستخدموا عقولهم استخدامًا حرًا دون إشهار لأسلحة الحقد أو الغضب أو الخداع، وبحيث يتعاملون معا دون[14] ظلم أو إجحاف، فالحرية إذن هي الغاية الحقيقية من قيام الدولة”.

فالتسامح باعتباره مظهرًا أساسيًا من مظاهر الحرية، يتجسد داخل الدولة عندما يُترك للأفراد حق التفكير والتعبير عن آرائهم بشكل عمومي يغيب فيه العنف والتعصب؛ وهذا لا يشكل خطرا على الدولة؛ ما دامت هذه الأخيرة تستمد سلطتها من قرار الجماعة أو بعض الأفراد.

يضيف اسبينوزا في هذا الصدد ” ولما كانت أحكام الناس، إذا ما تُركوا أحرار، تختلف فيما بينهم كل الاختلاف، ولما كان كل فرد يظن أنه وحده الذي يعلم كل شيء، ونظرا إلى أنه من المستحيل أن يفكر الناس كلهم ويعبروا عن أفكارهم بطريقة واحدة، فإنهم ما كانوا ليعيشوا في سلام لو لم يتخل كل فرد عن حقه في أن يسلك وفقا لما يمليه عليه قراره الشخصي، وعلى ذلك فإن الحق الوحيد الذي تخلى عنه الفرد هو حقه في أن يسلك كما يشاء وليس حقه في التفكير والحكم “[15].

في هذه النقطة تظهر حدود التسامح في نطاق الدولة الحرة؛ وهي حدود السلوك، لأن الفعل ضد مشيئة الدولة يلحق بها الضرر أو ربما أكثر من ذلك الرجوع إلى حالة الطبيعة؛ باعتبار هذه الأخيرة تقوم على الحق الطبيعي للأفراد في أن يفعلوا ما يشاءون وفقًا لغرائزهم وأهوائهم فيعم  بذلك العنف والصراع.

إذن من الضروري وجود التسامح على مستوى حرية الآراء والأحكام لكن يجب وضع حدود للتسامح على مستوى السلوكيات والأفعال، خصوصا إذا ما كانت هذه السلوكيات و الأفعال تهدد الأمن والاستقرار داخل الدولة؛ لأنه بتفكك هذه الأخيرة تتفكك القيم الإنسانية والمقدسات العقلية التي بُنيت عليها.

يقول اسبينوزا في هذا السياق“فلنفرض مثلا؛ أن شخصا قد بَيّن تعارض أحد القوانين مع العقل وأعرب عن رأيه في ضرورة إلغائه وفي الوقت نفسه عرض رأيه على السلطة العليا لتحكم عليه  لأنها وحدها هي التي لها الحق في إلغاء القوانين؛ وكف في أثناء محاولته هذه عن أي مظهر من مظاهر المعارضة للقانون المذكور؛ فإنه يكون جديرًا بلقب المواطن الصالح وبثناء الدولة عليه، أما إذا كان الهدف من تدخله هو اتهام السلطات العامة بالظلم وجعلها مثارا للغضب أو حاول إلغاء القانون رغما عن السلطات العامة عن طريق إثارة الفتن فإنه يكون مشاغبا عاصيا”[16].فلا يجب أن يحمل المواطن في جعبته آراء تنقض العهد الذي يربطه بالدولة لأنه لو وجدت لانعكس ذلك سِلبا على سلوكه لا محالة.

و يضيف اسبينوزا في ما يخص ضروب الآراء و تأثيرها على سلامة الدولة، يقول ” أما الآراء الأخرى التي لا تنطوي على مسلك من نوع نقض العهد، أو الانتقام، أو الغضب… إلخ، فلا يمكن أن توصف بأنها داعية للفتنة، ما لم يكن ذلك في دولة فاسدة، أي في دولة أحرز فيها المتعصبون الطامعون الذين لا يطيعون كل من كان على خلق قويم، نجاحا جعلهم يشتهرون بين العامة إلى حد أصبحت معهم سلطتهم تطغى على سلطة الحاكم”[17].

حاصل القول؛ إن غياب الحرية على مستوى الآراء النظرية يعني انعدام الثقة عمليا بين المواطنين والسلطة؛ إذ سيصبح كل فرد حينها يفكر بطريقة تعارض الحكم. كما يؤدي غياب الحرية ثقافيا إلى انعدام الإبداع في جميع المجالات المعرفية و العلمية.

خلاصات عامة:

  • إن بحث المسألة الدينية من خلال التركيز على البث في النص الديني و طابعه القدسي يُعد مدخلا أساسيا لمعرفة صحة أو خطأ ما نبني عليه اعتقاداتنا وأفعالنا.
  • إن الإيمان لا يرتبط بما نمتلكه من براهين وحجج، عن معرفتنا بالله وصفاته بل بتجسيدنا لقيم الإحسان والعدل التي دعا لها الله.
  • إن تموضع الإيمان عَمليا هو أول مدخل لقيام التسامح بين الناس من خلال اعتماد مبدإ ديني.
  • لا وجود للتسامح دونما وجود لحرية الرأي و التعبير باعتبارها مبادئ عامة لتحقيق الديمقراطية.
  • إذا كانت الدولة مدنيةً بطبيعتها تحترم القانون وتدفع نحو تطبيقه، فيجب على الفرد سلوكيا احترام سيادة الدولة لا مخالفة تَوجُهها.
  • لا حدود للتسامح على مستوى الآراء النظرية لكن على مستوى السلوكيات و الأفعال. و يجب وضع حدود للتسامح في إطار علاقة المواطن بالدولة.

[1]– تعتبر الهرطقة، من أهم التُهم التي كانت تعتمدها الكنيسة في العصر الوسيط لِوَأد الفكر الحر، خصوصا الفكرين الفلسفي والعلمي، وتعني الهرطقة عموما في نظر الكنيسة أو رجال الدين، الخروج عن الملة أو آراء مذهب معين، لكنها من الناحية الفلسفية تعني الاختيار الحر أو الأفكار المبنية على النقد. وإذا كان العالم الغربي حاليا قد قضى على هذا التوجه الذي يهدم فيه الدين الفكر الحر، فإننا في عالمنا العربي ما زلنا نعاني من هذا الاتهام الخطير الذي قد يؤدي لتصفية العلماء والفلاسفة جسديا.

[2]– الديمقراطية: في نظر اسبينوزا الديمقراطية هي أفضل أشكال الحكم الذي يمكنه أن يحدد طريقة الحياة الحقة والسعيدة، فهو النظام الوحيد الذي يسير بالتوازي مع الرغبة الأولى في الإنسان ” الحرية والفرح “. إن النظام الديمقراطي هو أكثر الأنظمة السياسية مطابقة للطبيعة البشرية، خصوصا وأن الحالة المدنية تفترض “اثيقيا” من الناحية الفلسفية تحقق الفرح و الغبطة والاستقلال الذاتي، وعدم اقصاء الرغبة  باعتبارها ماهية الإنسان، بل وأكثر من ذلك فالنظام الديمقراطي يستمد مشروعيتة من العقل، ما دام السلوك الحر لا يتنافى مع الوحدة والفاعلية اللتين يدعوا لهما العقل ( الوسائطية  google).

[3]– منهج التفسير: يقوم هذا المنهج على دراسة النص الديني دون إيلاء أهمية لطابعه المقدس، أي يتم اعتباره ظاهرة إنسانية و تاريخية يتعامل معها، كالظواهر الطبيعية، والهدف منه الكشف عن حقيقة النص وخصائصه، ولكي لا أطيل الحديث ألخص هذا المنهج فأقول : إنه لا يختلف في شيء عن المنهج الذي تتبعه في تفسير الطبيعة ، بل يتفق معه في جميع جوانبه، فكما أن منهج تفسير الطبيعة يقوم أساسا وقبل كل شيء على ملاحظة الطبيعة وجميع المعطيات….، ثم الانتهاء منها إلى تعريفات الأشياء الطبيعية، فكذلك يحتم علينا تفسير الكتاب أن نحصل على معرفة تاريخية مضبوطة ( رسالة في اللاهوت والسياسة ، انظر ص 234 ).

[4]– النقد التاريخي، توجه منهجي لنقد وفحص النصوص الدينية، يقوم على ثلاث مسالك أساسية وهي؛ المسلك اللغوي: ” يجب أن يفهم طبيعة وخصائص اللغة التي دُونت بها أسفار الكتاب المقدس، والتي اعتاد مؤلفوها التحدث بها، وبذلك يمكننا فحص كل المعاني التي يمكن أن يُقيدَها النص حسب الاستعمال الشائع ( رسالة في اللاهوت و السياسة – ص 236)، مسلك الموضوع والسياق: ” يجب تجميع آيات كل سِفر وتصنيفها تحت موضوعات أساسية عددها محدود، أو بعد ذلك تجمع كل الآيات المتشابهة والمجملة، أو التي تعارض بعضها البعض ” (  رسالة في اللاهوت و السياسة – ص 236) أما السياق يجب فيه فهم المعنى بالعقل وحده. أما المسلك التجميعي المعرفي: يقول اسبينوزا ” يجب أن يربط هذا الفحص التاريخي كتب الأنبياء بجميع الملابسات الخاصة التي حفظتها لنا الذاكرة، و أعني سيرة مؤلف كل كتاب وأخلاقه، والغاية التي يرمي إليها ومن هو ، وفي أي مناسبة كتب كتابه، وفي أي وقت، ولمن، وبأي لغة كتبه …” (  رسالة في اللاهوت و السياسة – ص 238 )..

فالنقد التاريخي ينهج توجهين: الأول داخلي، يتم فيه تفسير الكتاب من خلال لغته وموضوعاته وسياقه، والثاني: براني؛ يعتمد فيه على حياة وتجربة من خَطوا الكتاب.

[5]– يناقش اسبينوزا مفهوم الدين على ضوء معطيين اثنين، وهما؛ الأول؛ مرتبط بالجانب السيكولوجي للإنسان، الخوف والانفعالات في علاقتهما بالطقوس والشعائر أو المظاهر البرانية للدين. وهذا يصلنا بالمعطى الثاني أي الخرافة، والتي يتم استعمالها للتسلط على الناس يقول اسبينوزا: ” فالخرافة  هي أكثر الوسائل فعالية لحكم العامة، ولذلك كان من السهل باسم الدين دفع العامة تارة إلى عبادة الملوك كأنهم آلهة، ودفعهم تارة أخرى إلى كراهيتهم و معاملتهم وكأنهم طامة كبرى على الجنس البشري (رسالة في اللاهوت و السياسة – ص 111).

[6]– المعجزة: يعتقد الناس أنها مُعطى خارق لقوانين الطبيعة يُظهر من خلالها الله قدرته وجبروته، لكنها في الأصل جزء من النسق القانوني العِلي للطبيعة، لأن الله لا يمكنه أن يضع قانونا ويخرقه، بحيث لو فعل سيكون متناقضا.

[7]– النبوة: أو الوحي، هي المعرفة اليقينية التي يُوحي الله بها إلى البشر عن شيء ما، والنبي هو مُفسر ما يوحي الله به لأمثاله من الناس الذين لا يقدرون على الحصول على معرفة يقينية به، ولا يملكون إلا إدراكه بالإيمان وحده، ويُسمي العبرانيون النبي ” نبيا ” أي خطيبا أو مُفسِرا (  رسالة في اللاهوت و السياسة – ص 119 ).

[8]” فلو أردنا أن تظهر لنا قُدسية الكتاب دون الاعتماد على أي حكم سابق، فيجب أن نبرهن بالكتاب نفسه على أنه يصلح الحقيقة الخُلقية، إذ أن هذه الطريقة هي الطريقة الوحيدة التي يمكن بها البرهنة على قدسيته.. فيجب إذن أن نستنتج قدسية الكتاب من دعوته إلى الفضيلة الحقة فحسب، وهذا ما لا يمكن البرهنة عليه إلا بالكتاب نفسه “ ( – رسالة في اللاهوت والسياسة ص 235).

[9]– إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005، ص 116.

[10]– إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005– ص 347.

[11]– ” فالله لم يطلب على لسان الأنبياء أن يعرف الناس عنه إلا عدله و إحسانه، أي الصفات التي تعطي الناس قاعدة عملية للحياة… فالكتاب لا يعطي أي تعريف صحيح لله، ولا يطلب من المؤمنين أن يدركوا من صفات الله إلا ما ذكرناه الآن، ولا يوحي صراحة بأي صفات أخرى، وننتهي من ذلك كله إلى أن المعرفة العقلية لله، والتي تصل إلى الطبيعة الإلهية في ذاتها….. أقول: إن هذه المعرفة لا تنتمي في شيء إلى الإيمان وإلى الدين المُوحى به ” (رسالة في اللاهوت والسياسة، – ص 342-343).

[12]– إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005 – ص 349-350.

[13]– إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005 – ص 352.

[14]–  إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005 – ص 437.

[15]– –  إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005،ص:  437.

[16]– إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005  – ص 438.

[17]– إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005   – ص 439.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: محمد غنام

تدقيق لغوي: سهام سايح

تدقيق علمي: علي رضا

تحرير/تنسيق: خالد عبود

اترك تعليقا