تأخذك إلى أعماق الفكر

الله الواحد الكثير(2/2): أَمْوَاجُ الألوهة في العَالَم

ويعتمد ابن عربي في تأكيد مثل هذا التصوُّر على قوله تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ)، وقضى بمعنى حكم؛ فكل عابد أو مُعتَقِد ما عبد إلا الله في الحقيقة، وما اعتقد إلا فيه أيًّا كانتِ الصورة التي عبدها أو اعتقد فيها الألوهية، فهو لم يعبد الصورة من حيث طبيعتها الذاتيَّة، بل عبدها لاعتقاده فيها الألوهيَّة؛ فقد عبد في الحقيقى اعتقاده الألوهيَّة في تلك الصورة. فالديانات جميعها إذن ما هي إلا أمواج الألوهة في هذا العالَم؛ هي الأنهار المؤدِّية إلى محيط الله، فكما أنَّ المحيطَ هدفُ الأنهار، فإن الله الحقَّ هدفُ أفهام الخلق عنه. كل إنسٍ إذن وجانٍّ عابد لله بالضرورة؛ فما بال الأمر بالنسبة إلى الملاحِدَة؟! يقول الجيلي: كلهم عابد لله، والله تعالى يهدي ويضلّ، فلا بدّ من ظهور تجليات الهداية والضلال في خلقه. وبتعبير ابن عربي الموجَز: “فالكُلُّ طَائع، وإنْ كانَ فيهم من ليسَ بمُطِيع مع كونِه طائِعًا”! وعلى هذا يكون الملحد رائيًا ربَّه تعالى في طَوْرٍ من خفائه واستتاره في المظاهر؛ فكما أنَّ الله هو الظاهر، فهو الباطن أيضا والخفيّ؛ والمؤمن يرى الله ظاهرا في خفائه، والملحد يراه خفيًّا في ظهوره!

الحب كأصل للعبادة

إنَّ الحب عند ابن عربي هو أصل العبادة وسرها وجوهرها؛ إذ لا معبود إلا وهو محبوب، ولولا الحب ما عُبِدَ شيءٌ من إنسان أو شجر أو كوكب أوصنم؛ لأنَّ الشيء لا يُعبَد إلا إذا خلع عليه العابد لباسَ التَّقديس، وهو لا يُقَدِّسُه إلا بعد أن يحبَّه ويتفانى في حُبِّه. فالمعبود والمحبوب إذن عين واحدة وإن اختلفتِ الأوصاف… فالمحبوب على الإطلاق هو عينه المعبود على الإطلاق. يقول في (ترجمان الأشواق):

لقد صَارَ قلْبِي قابلا كلَّ صورةٍ؛ .:. فَمَرْعًى لغزلانٍ، وديرٌ لرُهبانِ

وبيتٌ لأوثانٍ، وكعبةُ طائفٍ، .:. وإنجيلُ توراةٍ، ومُصحف قرآنِ

أدين بدينِ الحب أنَّى تَوَجَّهَتْ .:. ركائبُه؛ فالحبُّ ديني وإيماني

يرى البقاعي أنَّ شُرَّاح ابن الفارض أجمعوا على أنَّه يخاطب الله في تائيَّتِه بضمير المُؤنَّث من أوَّلِها حتى آخرها؛ فالصوفي قادر على رؤيتِه تعالى في مخلوقاته وتعشُّقِه في موجوداته، حتى ولو كان الموجودُ امرأةً؛ يقول الرومي: “ومنَ العشق يعرج هذا الجسد الترابي ويسمُو إلى الأفلاك”! وفي هذا المعنى يقول ابنُ الفارِض في تائيَّتِه:

وَتَظْهَرُ للعُشَّاقِ في كُلِّ مَظْهَرٍ .:. مِنَ اللَّبْسِ في أَشْكَالِ حُسْنٍ بديعَةِ

فَفِي مَرَّةٍ لُبْنَى، وأُخْرى بُثَيْنَةَ .:. وآوِنَةً تُدْعَى بعَزّةَ عَزَّتِ

إعلان

ولَسْنَ سِواها، لا، ولا كُنَّ غيرَها .:. وما إنْ لها، في حُسْنِها، من شريكَةِ.

وحدة التجربة الروحية واختلاف الشرائع

يقول سيد حسين نصر:

لو عاش المرءُ دينَه بكمالِه؛ فقد عاش كلَّ الأديان.

يرى نصر حامد أبو زيد أنَّ ابنَ عربي يفصل بين التجربة الروحية وبين الإيمان بالشرائع، أو العمل بها. ينطلق ابن عربي في هذا التمييز من فهمه لوَحدة التجربة الروحية رغم اختلاف الوسائل والأدوات وأساليب الرياضة والمجاهدة الروحيَّة، بل يمكن أن تقوم المجاهدات الروحية على غير شريعة مُنَزَّلَة، وتظلُّ رغم ذلك مجاهدات مشروعة قادرة على إنجاز درجات من العرفان.

إنَّ ما يجذب الاهتمام -في رأي سيد حسين نصر- بمذهب ابن عربي إيمانه بوحدة المحتوى الديني الباطن في كل الأديان، ولقد سعى إلى دراسة تفاصيل بعينها من الأديان الأخرى مع تفصيل المعاني الكلية الخبيئة وراء هيكلها البراني بمدى استطاعته. كانت محاولتُه التَّعَالِي على الصُّوَر الظاهرة للدين تعاليًا على البرَّانيَّة ونفاذًا إلى قلبها في شعائرها ومجاهداتها التي لا زالتْ شطرا متكاملا منها كوحي سماوي. وقد أمضى ابن عربي جُلَّ حياتِه في الصَّلاة الشرعيَّة وقراءة القرآن وذكر الأسماء الحسنى، وكان أنْ وصل بهذه المجاهدات إلى كشْفِ الطرق التي تؤدِّي إلى القمة الواحدة ذاتها.

إنَّ القول بأنَّ كلَّ ما في العالَم ليس إلا مظاهر وظواهر للحقِّ تعالى أدَّى إلى نتائج من أبرزها القول بالرحمة الإلهيَّة الشاملة التي سيؤول إليها البشر جميعا؛ مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم؛ فالوجود وإنْ تكثَّرَتْ مظاهره؛ فإنه يرتدُّ إلى مَبْدَأ واحد هو الله، وهو الخير المَحْض، ومن هذا التَّصوُّر للوجود يتَّسِعُ قلبُ ابن عربي وغيره من أهل التَّصوُّف لِيَسَعَ جميعَ المُعْتَقَداتِ؛ لأنهم يدينون بدين الحب، والحبُّ جوهر كلِّ عبادة، وأساس كلِّ عقيدة، وأساس الأديان وجوهرها.

واحديَّة الديانات الثلاث أنموذجًا

(أَنَا الرَّبُّ مُتَكَلِّمٌ بِالصِّدْقِ، مُخْبِرٌ بِالاسْتِقَامَةِ)، (سفر إشَعياء 45: 19)،

(لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ)، (إنجيل مَتَّى 5:17)،

(قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، فاسْتَقِمْ)، (حديث نبوي).

يرى يوسُف زيدان في (اللاهوت العربي) أنَّ تسمية هذه الأديان باسم الأديان السماوية وصف غير صحيح؛ لأنَّ كلَّ دين سماويٌّ بالضرورة، ولعل الأصح -في رأيه- إذا أردنا تمييز الديانات الثلاث عن غيرها، أن نصفها بأنها ديانات رساليَّة أو رسوليَّة؛ لأنها أتتْ إلى الناس برسالة من السماء عبر رسل من الله وأنبياء يدْعُون إليه تعالى ويخبرون النَّاس عنه. ينتقل زيدان بعد ذلك إلى محاولة إثبات أنَّ هذه الأديان الثلاث ليست في الحقيقة إلا ديانة واحدة، ولكنها ظهرتْ بتجلِّيات عدَّة، عبر الزمن الممتدّ بعد النبي إبراهيم، فكانت نتيجة هذه المسيرة الطويلة هي تلك التجليات الثلاثة الكبرى (الديانات) التي تحفل كلُّ ديانة منها بصيغ اعتقادية متعددة.

ولجمال الدين الأفغاني مقال بعنوان (وَحْدَة الأديان وانقسامات تُجَّارِها)، ينظر فيه إلى الأديان الرساليَّة نظرة فيها واحديَّة. ورغم عدم إمكان القول أنَّه يراها بهذا المنظور السابق إلا أنه حاول الجمع بين الأديان الثلاثة؛ الموسويَّة والعيسويَّة والمُحمَّديَّة في رؤية تتوسَّل وَحدة المُحتوى توسُّلا ظاهرًا؛ فيرى أنها لا يصحُّ أن تتباين في جوهرها؛ لاتفاقها في المقصد والغاية، ثم يُجادل بعد ذلك عن فكرة الدين الخالص، والدين الخالص عنده ليس دينا واحدا أو دينا بعينه، ولكنَّه الدين الذي تتمُّ له الغلبة والظهور الموعود به، لا دين اليهود أو النصارى أو الإسلام إذا بقوا أسماء مجرَّدة.

يرى جون هيك “John Hick” أنَّ أتباع الأديان الثلاثة يرون لأنفسهم حظوة خاصة عند الله، ليست لدى الآخرين، لكن، إذا كان كلُّ دين من هذه الأديان الثلاثة يرى نفسه الحقَّ المطلق والحقيقة المحضة، ألا يعني هذا أن يتحوَّل العالَم إلى جحيم لا يُطاق؟ يتابع هيك “Hick” قائلا أنَّ هذه الأديان عبارة عن ظهورات وصور وتجليات لإله واحد؛ فلعلَّ الله تجلى لأفراد البشر بطرق متفاوتة وأنحاء مختلفة. إنَّ يهوه، والله، والأب السماوي للمسيحيين؛ كل واحد منهم يمثِّل شخصيَّة إلهيَّة تاريخيَّة في رأيه، وتمثِّل حصيلة مشتركة من الظهور الكلي للذات المقدَّسة مع تدخُّل القوة المُصَوِّرة للإنسان في ظروف تاريخيَّة خاصَّة.

الأديان بين أهل الحَصْر والتَّعَدُّد

يقول نجم الدين كبرى:

الطُّرُقُ إلى اللهِ، على عددِ أَنْفَاسِ الخَلائِق

إنَّ التعدُّديَّة الدينيَّة نظريَّة معروفة في باب حقَّانيَّة الأديان، وهي تقف في مقابل الحصريَّة الدينيَّة. ماذا نعني بالتعدُّديَّة؟ إنَّ القول بالتَّعدُّديَّة تتجاذبه مدارسُ كثيرة، ولكن، ما يجمعها هو الاعتراف بحقَّانيَّة الفرق والأديان الأخرى، والابتعاد عن القطعيَّة والانحصاريَّة داخل دائرة الدِّين الواحد، والتَّمحوُر حول الذات والحقيقة الواحدة؛ بسبب تطوُّر المعرفة البشريَّة.

يبدأ عبد الكريم سروش كتابه (الصراطات المستقيمة) بتعريف نظرية التعددية، ثم ببيان الفرق بين القائلين بالحصر والتَّعَدُّد؛ يرى التعدُّديُّون أنَّ الواقع ذو أبعاد والحقيقة ذو بطون، ولذلك يتعدَّد الحق ويتنوَّع، ويرون الحقيقة الدينيَّة بها من الغموض ما يجعل الذهن واللسان يقع في دوَّامة من التناقضات، ويرون أن الحق هو ما توصَّلتْ إليه عقولنا، وأنَّ دائرة مدعياتنا تتَّسع بقدر ما تدركه عقولنا من الحق. استند التعدُّديون إذن على مقولة أنَّ الواقع ذو بطون، وعلى حيرة اللسان، وتنوُّع التفاسير للتجارب الدينيَّة، وقبول النص لتفاسير متعددة.

والآن ماذا يرى الحصريُّون؟ يجادل أهلُ الحصر؛ أنَّ الحق من الأديان يمكن تعيينُه ومعرفتُه بالذَّات، وأنَّه إذا ما تخلَّص الفردُ من الهوى ونوازع النفس فإنه يقبل الحقَّ لا محالة ويذعن له، ويرون أنَّ الأدلة العقليَّة تؤدِّي بالضرورة إلى أحقيَّة دين بعينه على سائر الأديان، ويردُّ عليهم القائلون بالتَّعدد؛ أنَّ عقلاء كل دين يرون الحق في دينهم ليس إلا، وإذا ما نظرنا إلى كل مخالف على أنَّه صاحبُ هوى؛ فمعنى هذا أنَّ سوء الظن سيشمل جميع العقلاء ومنهم الحصريون أنفسُهم. يرى عبد الكريم سروش أنَّ تعدُّد التفاسير يمثِّل في الواقع وجوها متعددة للحقيقة، وبتعبير ديني معروف: إنَّ لله ألف اسم واسم؛ فالحقيقة لا تتمثَّل في مظهر واحد ولا تتمتَّع بوجوه متعددة فحسب، بل إنَّ رؤيَة الناظرين لهذه الحقيقة بمناظر متعدِّدة لها دخل بتنوُّع التفاسير لها، ويشير المولويُّ إلى هذا المعنى بقوله: أنتَ لستَ واحدا أيها الرفيق، بل دوامات وبحر عميق.

مَنْشأ التَّعدُّد وبَسْطُ الأَعْذَار

ما من مُجَدِّف إلا ويستندُ إلى نصٍّ.

يذكر سبينوزا “Spinoza” هذا المثل الهولندي في معرِض حديثه عن الإيمان وأركانه، ويُعلِّق حسن حنفي: “يرمي سبينوزا “Spinoza” من ذكره هذا المثل إلى التَّقليل بقدر الإمكان من العقائد؛ لأنها ظنيَّة”. إنَّ العقائد لا يمكن أن ترتقي إلى اليقينيَّة إلا عن طريق التجارب الخاصة غير المُلزِمة للآخرين. ليس المُجَدِّفُ وحده الذي يعتمد على نصٍّ، ولكنَّ كلَّ أحد يقول رأيًا ويومن بفكرة يعتمد على نصٍّ يراه صحيحا وينحو مَنْحاه.

ما منشأ التَّعدُّد وعلَّتُه إذن؟ يرى عبد الكريم سروش أنَّ هناك سببين رئيسيَّين أَوْجَدا التَّعَدُّديَّة؛ الأول: قصور المعرفة البشريَّة وتدرُّجِها وعجزها عن الإحاطة بالواقع الواسع والمُعَقَّد من جميع جوانبِه، يعبِّر أبو حيانِ التَّوحيدي عن هذا العَجْز فيقول: “والصورة الإلهيَّة أبعدُ منَّا في التَّحصيل إلا بمعونةِ الله، فلا طريق إلى وصفها وتحديدها إلا على التَّقريب”. وقد ذكرنا قبل أنَّ معرفة الله تعني أن نحتار فيه، وليستِ الحيرة تسليما بالعجز عن المعرفة، بل هي تسليم بعجز الوسائل والأدوات، هذا إلى جانب تداخل الأشياء في هذا العالَم وامتزاجها لدرجة يصعب فيها فصلُ شيء وتخليصه مما عداه؛ فلا يوجد لذلك حق خالِص وباطل خالص، بل يمتزجان ويتداخلان. أما السبب الثاني -في رأي سروش- فهو أصالة الفردية والتَّوَحُّد لدى الإنسان حتى كأنَّ كلَّ إنسان يُمَثِّلُ عالَمًا قائما بنفسِه؛ مما يُوجبُ الاختلاف في التجربة الروحية وتفسيرها لزوما مثلما يوجب الاختلاف في فهم المتن الدينيّ. إنَّ التجربة الدينيَّة هي عِلَّة الإيمان الحقيقيَّة، وإذا عبرنا عن التجربة بالكشف فيمكن القول أنَّ كلَّ كشف ديني ما هو إلا حقيقة أو سر ينكشف لصاحب التجربة، ولا شكَّ أنَّ هذه التجربة الدينيَّة تتنوَّع وتختلف حسب الشخص والبيئة والمكان.

يُلَمِّحُ المراغي إلى هاتين المشكلتين؛ فيقول: “إنَّ تجريد النفس والملاحظة والتجربة والموازنة والاستنباط كلمات سهلة؛ لكنَّ الإنسان الرازحَ تحت أحمال الوراثة في دمه وعقله، وأحمال البيئة في البيتِ والقرية والمدينة والدولة والمدرسة، وأحمالِ المعتقدات والمزاج والصِّحة والمرض والشهوات، كيف يسهل عليه تطبيق القانون؟ هذا هو موضع الداء قديما وحديثا، وهو سبب تعدُّد المذاهب والآراء وسبب تبدُّلها وتنقُّلِها من قطر إلى قطر، ومن أمَّة إلى أمة”.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبد العاطي طلبة

الصورة: نهى محمود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.