تأخذك إلى أعماق الفكر

القرآن.. كتاب للكبار فقط!

أمَّا مسلمو مصر، فقد ارتضوا أن يعيشوا بشخصيتين: الشخصية المؤمنة بكلامٍ غيرِ مفهومٍ (حتى لكِبار المفكِّرين) وطقوسٍ آليةٍ لا ينفُذُون إلى الهدف منها، والشخصية النازعة إلى التكيُّف غريزيًّا مع الواقع الذي سبق قدرةَ الفكرِ على الرَّصد والاستيعاب والتَّحليل والاستنتاج!

لذلك حدثت فجوةٌ ضخمةٌ بين تصوُّر الناس عمَّا يختزنُه القرآن (ظاهريًّا) من نظرياتٍ أخلاقيةٍ، وحقيقةِ الإسلام كدينٍ له الأسبقية في وضعِ أُسُسِ الانصرافية الأخلاقية moral particularism، ولا سيَّما حين يتعاملُ المسلم مع المجتمع الجاهلي (اللاديني/اللاأخلاقي).

خامسًا: القرآن والسنة ليس فيهما تناقض.. هما فقط يؤسِّسَان للانصرافية الأخلاقية

أمعن القرآن في الحديث عن عواقب الاختيارات الأخلاقية للإنسان، فكاد يتَّبع النظرية العواقبية في الأخلاق Consequentialism بتكرار الحديث عن الثواب (نتيجة الأفعال الطيبة)، والعقاب (نتيجة الأفعال السيئة)، في الحياة الدنيا، وفي الآخرة. وكاد يتَّبع النظرية الفضائلية بتأكيده مثلًا على أن قيمةَ العدل أكبر من أن تؤثر فيه حتى الكراهية.

على أنه في حقيقته يتضمَّن المنهجَ المؤسِّسَ للانصرافية الأخلاقية.

ظهر مصطلح الانصرافية الأخلاقية لأول مرة في كتاب (الحرية والعقل) للفيلسوفِ الإنجليزيِّ ريتشارد ميرڤن هير عام 1963، وفسَّره على نحوٍ أكثرَ تفصيلًا الفيلسوفُ البريطانيُّ جوناثان دانسي في كتابه (أخلاق بلا مبادئ) الصادر عام 2004. وملخَّص هذه النظرية أنه لا توجد مبادئ أو أحكام أخلاقية مجرَّدة صالحة للتطبيق في كل المواقف وفي كل عصر، وأن مِن العبث أن نحاول إيجادَ مبدإٍ أخلاقيٍّ ثابتٍ لا يتغيَّر، وأن الشخصَ الأخلاقيَّ ليس هو الذي يُعرَف في المجتمع بأنه (رجلُ المبادئ والفضيلة)، بل هو الشخص الذي يستشفُّ بشكلٍ عقلانيٍّ الأحكامَ الأخلاقيةَ، ويطبقها في كلِّ موقفٍ على حِدَة، بناءً على ظروفِه وملابساتِه، لا على مبادئَ جامدةٍ مُسبَقة.

إعلان

وهذا ما نجده في القرآن بوضوح تام. تجاورت فيه الآيات التي تحضُّ على قتال من لا يدينون دين الحق حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، والآيات التي تدعو إلى التعايش السلمي بين المسلمين والكفار، وبين المسلمين والنصارى واليهود، وتقرُّ بأن الإيمانَ والكفرَ سِيَّان، على أن تكون عاقبة اختيار الإنسان بعد الموت. ونجد القرآن يُصرِّح بأن الصلاة تجوز بعد الإفاقة من السُّكْر، وفي موضعٍ آخرَ يصف الخمر بأنها رجسٌ من عمل الشيطان واجب اجتنابه.

هذا تأسيسٌ للانصرافية الأخلاقية. وقد حاول الفقهاء الخروج من هذه الإشكالية الأخلاقية بترسيخ مفهوم النَّسْخ، الذي وردت بشأنه آيةٌ أساؤوا تفسيرها، إذ هي تتحدَّث عن نسخِ أحكامٍ من الشرائعِ القديمةِ، فجعلوا المقصودَ بها نسخَ آياتِ القرآنِ بعضِها لبعضٍ. القرآن لا ينسخُ بعضُه بعضًا، والسُّنَّة ليس فيها تناقض. إنما هي تنويعات وانصرافية أخلاقية، تُواكِب تطوُّر المجتمع، وتتكيَّف مع تَغَيُّر الظروف الاجتماعية والسياسية، وتَمَايُز التجارب الذاتية للأفراد المسلمين، وتبايُن المجتمعات. وقد وقع الفقهاءُ في التناقض بين تطويعهم القرآن ليلائمَ العواقبية الأخلاقية والفضائلية الأخلاقية، وبين إجماعِهم على أن العَادة مُحَكَّمة، وأنه لا يُنكَر تغيُّر الأحكام بتغيُّر الأزمان، بمعنى أن الفتوى تخصُّ السائلَ فحسب، وأنها تتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان والعُرف والحال. وهذا طعنٌ في منهجيَّة القرآن، ومحاولة لإخضاعِ هذا الكِيانِ الهائلِ ذي الدلالاتِ الباطنيَّة، للمصالح اليومية الضَّيقة، وتفريغِه من مضمونِه الأخلاقي الطَّامِح في الأساس إلى تنظيم المجتمع في كلِّ عصر، لا عصر الرسول فحسب. وإقرارهم بهذه المثنويَّةِ الأخلاقيَّةِ، هو ما يؤدِّي إلى الفُصامِ الذي يعانيه (المُسلِمون الوَسَطِّيون) اليوم، والنزوعِ إلى الانفصال عن المجتمع الذي يسيطر على قلوب الدَّوَاعش والجماعات السلفية، برغم أن هذا الإقرارَ بالمثنويَّةِ نفسَه، والمراوَحَةَ بين أكثر من نظرية أخلاقية استنادًا إلى الظروف أو مَدَى إلزاميَّة الأحكام، هو في حقيقته انصرافية أخلاقية! ومن يعترِضْ فليُجبني: هل يأثم كلُّ مُفطِرٍ لرمضانَ على الإطلاق، رغم أن الصيامَ من الأركان الخمسة للإسلام؟!

سادسًا: القرآنُ كتابٌ للأحياء.. فليعتزِلْه معتزِلو الحياة

لم يكن القرآنُ إلا نتاجَ تفاعُلٍ يوميٍّ بين الرسول وأحداث عصره شديدة التعقيد. ولم يكن إلا ثمرةَ الصِّراعِ بين نقيضَيْن، ونزوعًا إلى تغييرِ المجتمعِ بطريقةٍ ثوريةٍ. وقد اتُّبِعَتْ فيه جميعُ أساليبِ الخِطابِ المُوَائمةِ لتبدُّل الظروف، وأسَّسَ للانصرافية الأخلاقية، بما يؤكِّدُ أن قدرةَ الإنسانِ على اتخاذِ حُكمٍ أخلاقيٍّ سليمٍ، لا يمكن أن تتحقَّقَ بدون الانخراط في الواقع، وتنمية مَلَكة فهم المواقف المتباينة بعُمق، وتحديد ردِّ الفعل المناسب لكلٍّ منها، دونَ تحكيمِ مبادئَ مُسبَقة، ولا سيَّما حين التعامل مع مجتمعٍ لم يُقوَّمْ أفرادُه استنادًا إلى الفضائلية الأخلاقية. فالفضائلية مناسبة دائمًا للمجتمعَات البسيطة المتجانِسة المُغلَقة ذات الخصائص المشتركة، ولا تصلح بالتأكيد لمجتمعٍ مثل المجتمع المصري.

القرآنُ مُوَجَّهٌ لأُناسٍ شَرِبُوا من كلِّ بئرٍ في الحياةِ رَشفةً، وحَطَّتْ أنوفُهم على كلِّ زهرةٍ ومستنقعٍ في هذا العالم. القرآنُ ليس للخائفين ولا للمنعزِلين. وما أكثرَ المنعزلين في هذا العصر، الذين لم يفهموا حتى أبعادَ أجسادِهم ووظائفَ أعضائِها على نحوٍ سليمٍ، فضلًا عن استخدام حواسِّهم لفهم العالم. وقد زادنا الانعزالُ وراء الشاشاتِ والكُتُبِ جهلًا وانفصالًا عن العالم، فأصبحنا مقيَّدين بين فهمٍ خاطئٍ للقرآن وَرِثناه عن القدماء، والبرنامج الغريزي المثبَّت في جيناتنا الذي ليس لديه إلا مبدأ أخلاقي وحيد بسيط (ما يسعدني هو جيد، وما يضايقني هو سيئ)!

القرآنُ مُوَجَّه للأحياء… وأنا أؤكِّدُ لكَ اليوم أن جدَّتي التي لا تعرف القراءة ولا الكتابة أعظم أخلاقًا من كثيرٍ من أساتذة الجامعات. ولقد تعاملت من قبل مع (شيَّال) في الوكالة بالإسكندرية، يعرف عن العالَم وعن الله أكثرَ مِمَّا يعرف كثيرٌ من المشايخ والقساوسة. الانخراطُ في الحياة هو السبيلُ الأوحدُ لفَهْم الحياة، وليس الانعزال وراء الكتب والشاشات.

سابعًا: الله أكبر.. ليس أعظم وليس أفضل وليس أعلى وليس أحسن وليس أجمل.. الله أكبر

حين تدرَّج النبي إبراهيم (وهو أوَّلُ المُسلِمين بتعبير القرآن) في شَكِّه، مِنْ رَفْض الأصنام، إلى عبادة القمر، إلى تأليه الشمس (في المرحلة قبل الأخيرة)، كان تدرُّجُه محكومًا بمعيار الحَجْم لا غير. قال حين رأى الشمس: هذا ربِّي، هذا أكبر. فلما أفلَتْ، أضاف إلى الحَجْم معيارَ الوجود السَّرْمَدي الذي لا تعتريه لحظةٌ من غياب. فخلص في النهاية إلى أن الإلهَ الجديرَ بأن يُعبَد هو الأكبر، والموجود من الأزل إلى الأبد. وهذا جوهر القرآن والإسلام فيما يتعلَّق بطبيعة الوجود الإلهي. إن أكبرَ ما في القلم هو القلم، وأجزاءُ القلمِ تختزنُ كينونتَه، وتتجلَّى فيها طبيعتُه، ولا تستقيمُ وظيفتُه إلا بتكامُلِ الأجزاء بعضِها مع بعض، رغم أن العنصرَ الفعَّال في القلم هو الحِبر. إن كانت العدسات هي ما به يتحسَّن إبصارُ قِصار النَّظَر، فما الحاجةُ إلى إطارِ النظَّارة والذراعين؟ الكونُ وحدةٌ كاملةٌ، والعنصرُ الفعَّالُ فيها هو الوَعْيُ المبثوثُ في جميع الكائنات الحية، والذي يمنحُها الإرادة؛ غير أن هذه الوحدةَ إلهيةٌ بالكلِّيَّة، وأجزاءَها تختزِن طابعَ الألوهية، وتكامُلها ضروريٌّ لاستقرار المنظومة الكونية، بما تشتمل عليه من تناقضاتٍ وتنويعاتٍ لا حَصْرَ لها. وهذا هو المَخرجُ الوحيدُ من إشكاليةِ الطبيعةِ الإلهيَّةِ، والمدخلُ إلى فهمٍ قويمٍ للقرآن في ضوء وحدة الوجود.

ثامنًا: القرآن كرةُ جليدٍ من الدلالات

إن الالتزام بفهم القرآن الكريم من منظور (القرون الثلاثة الأولى) المفضَّلة، يسلُبُ القرآنَ صلاحيَّتَه لكل الأزمان. هناك بالطبع آياتٌ لا تُفهَم إلا في سياقِها الاجتماعيِّ والثقافيِّ، وأحكام شرعيَّة تخصُّ عصرَها، لكنه يشتمل بلا شك على مواضعَ قابلةٍ للتأويل في عصرِنا من منظورِ أهل العصر، لتكونَ ملائمةً لِمَا حلَّت به ركابُ تطوُّرهم. وهو بين الفهم القديم والحديث، كُرَة جليدٍ، لا تزال تتعاظم مع كلِّ عينٍ جديدةٍ تتجوَّل بين سطوره، وتقرؤه من منظورٍ مختلفٍ. والتجاور بين الدلالات القديمة والمُحدَثة يزيد القرآن ثراءً، وإن كان يزيده تعقيدًا، ولا سيَّما مع امتلائه بالرموز والإشارات الخفية. ولكن من قال إن الحياة والكون أمور بسيطة؟!

تاسعًا: القرآن تَذكِرة… ولكِنْ لِمَنْ؟

إذا أدرك الإنسانُ أصلَ الحياة، وجوهرَ الكون، وما سيلاقيه بعدَ الموت، فلن تستمرَّ حياته على وجهٍ سليمٍ أبدًا، وسوف يتعرَّض سلامُه النفسيُّ لخطرٍ عظيمٍ. وليس كلُّ إنسانٍ مؤهَّلًا لاستيعاب هذه الحقائق، أو الاستمرار في حياته حامِلًا أمانتَها. ولذلك كان الوهمُ ضروريًّا لكي تستقيمَ الحياة، وتستقرَّ المجتمعات. وفي الغالب سوف يروِّج من أدرك الحقيقةَ بعضَ الأوهام؛ لأن تكلفةَ التصريحِ بالحقيقةِ باهظةٌ، وسوف يكون هو أوَّلَ المُصطلِين بها، إن علم الناسُ حقيقةَ ما سيحدث بعدَ الموت. لذلك سكت القرآن عن (التصريح) بهذه الحقائق. ولكنه لمَّح إليها، بعباراتٍ مبهَمةٍ، لا يكاد يفهمها إلا من تعمَّق في دراسة الفلسفة وعلم الكوزمولوجي والأديان القديمة، وتأمَّل كثيرًا في ظواهر الكون، والتزم بسُنَّة الغَار والكُفْر، وكانت هذه الحقائق في القرآن ممهَّدةً بما مرَّ به الرسول في حياته للوصول إليها. فإن كانت العَلاقة بين القرآن وحياة الرسول (حميمية) بتعبير د. محمد عابد الجابري، فإن العَلاقة بين بلوغِ الحقيقةِ ووقائعِ هذه الحياةِ أشدُّ حميميَّةً، ولا سيَّما أن القرآن في خِضَمِّ رمزيتِه، أشار إلى أن بعدَ الموتِ حياةً، على نحوٍ تناسُخيٍّ ما (وَفق فَهمي وفَهم بعض فِرَق المعتزِلة مثل الخابطية والحدثية مثلًا). فإذا كان الإنسانُ على يقينٍ بأنَّ حياتَه قد تتكرَّر في هيئة بشرية على هذا الكوكب، فلا بد وأن يرسم (خريطةَ كنز)، وأن يُخفيها بحيث لا يطَّلِع عليها الجميع، لخطورة هذا الكنز، وأن تكون في الوقت نفسه متاحةً بحيث يصل إليها بسهولة بعد التجسُّد. كان القرآنُ هو خريطة الكنز، ولقد أُخفِيَتْ فيه معالمُ الطَّريق، بحيث لا يتبيَّنها إلا من يقف على مفاتيح القرآن التي تَقَدَّم ذكرها في هذا المقال. كان القرآنُ خريطةً لا يستطيع أحدٌ أن يجِدَها، لأنها مخفيَّةٌ في آخرِ مكانٍ يتوقعه الجميع… أمام عيونِهم! في أرفف مكتباتهم، وأبواق مساجدهم، وعلى تابلوهات سياراتهم، وداخل حقائبهم الشخصية!

ولقد أَخْفَيْتُ أنا نفسي مفاتيحَ أخرى للقرآن، لأن الكنز، وإن كان برَّاقًا وهَّاجًا، فإنه سيعمي عيونَ أغلبِ مكتشفيه. وما أصعبَ الحياةَ في وادي العميان!

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.