تأخذك إلى أعماق الفكر

عزيز حمدي يكتب: يا كاتب التاريخ ماذا جد فاستثنيتنا ؟!

يا كاتب التاريخِ ماذا جَدَّ فاستثنيتنا. يا شيخُ فلتُعِدِ الكتابةَ والقراءةَ مرةً أخرى، أراك لَحَنْتْ

لخص الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي المشهد كاملا في هذا البيت من قصيدته الشهيرة ” في القدس ” ، اليوم وبدون سابق انذار يعلن الرئيس الأمريكي ترامب الاعتراف بـ القدس عاصمة لدولة إسرائيل ، والبدء في إجراءات نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس لتكريس هذا الاعتراف ، ويذكر أن قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس قد اتخذ في العام 1995 في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون آنذاك ، وجرت العادة بإصدار مرسوم كل ستة شهور يؤجل عملية النقل لإتاحة الفرصة والأجواء المناسبة لمفاوضات عملية السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ، إلا أن قرار ترامب بالاعتراف الأمريكي بـ القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة , هي ضربة لمجمل عملية السلام في المنطقة ، بل و تعتبر بمثابة رصاصة الرحمة لحل الدولتين ، ووضعت واشنطن نفسها كطرف في الصراع العربي الإسرائيلي , وفقدت صفة الراعي والوسيط لعملية السلام بهذا القرار .

إن الرئيس الامريكي ترامب بهذا القرار وطريقة توقيعه على الهواء مباشرة , كأنه يقول للفلسطينيين والعالم العربي والإسلامي اني أتحداكم , ولا أبه لغضبكم و تنديدكم , فطاقم الرئيس ترامب لعملية التسوية في المنطقة يجهل أدنى أبجديات الصراع العربي الإسرائيلي , ومرتهن بالكامل للرأي الاسرائيلي , ويمكن القول أنه يتحرك برموت كونترول من رئيس الحكومة الصهيونية نتنياهو .

إن كل ما قيل في الشهور الماضية عن ما يعرف بصفقة القرن ، وكل ما سرب من تسريبات في الصحافة العبرية والأمريكية كان يستثني القدس من الحل النهائي ويؤجلها لأجل غير مسمى ، ويمكن القول أن إعلان واعتراف ترامب قبل يومين هو لب صفقة القرن وقد تكون هي الصفقة بحد ذاتها .

والخطير في هذا الاعتراف رغم أنه لن يغير كثيرا من واقع الاحتلال على الأرض , إلا أنه قد يفتح المجال أمام دول آخرى للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والبدء في نقل سفاراتها إلى القدس وكان أول الغيث باعتراف التشيك والفلبين في اليوم التالي لاعتراف ترامب القدس عاصمة لإسرائيل ، وأنها تفكر جديا في نقل سفاراتها إلى مدينة القدس .

إن قرار ترامب مخالف لقرارات الأمم المتحدة منذ قرار التقسيم في 1947 حتى اليوم ، ويضرب بعرض الحائط كل الجهود المبذولة لإرجاع عملية التسوية إلى مسارها التفاوضي ، وكان هذا واضحا من ردة الفعل الأوروبية , وكان هناك مواقف أوروبية مشرفة من الرئيس الفرنسي ماكرون الذي اتصل هاتفيا بالرئيس الأمريكي يحذره من تداعيات هذا القرار ، كما دعت وزيرة الخارجية السويدية لاجتماع طارئ للاتحاد الأوروبي , وصدرت مواقف معارضة حتى من الدول الحليفة لواشنطن مثل ماري تريزا رئيسة الحكومة البريطانية ، والرئيس الكندي الذي اعتبر من الخطأ نقل السفارة خارج نطاق التسوية السياسية الشاملة .

إعلان

وهنا ما هو المطلوب فلسطينيا وعربيا لمواجهة هذا القرار الامريكي ، علي القيادة الفلسطينية أن تفكر جديا في الخيارات الصعبة الذي كان يهدد بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس في خطاباته المتعددة في الجمعية العامة للأمم المتحدة , كسحب الاعتراف الفلسطيني بوجود دولة إسرائيل , وحل السلطة الفلسطينية وإعلان الدولة الفلسطينية وفق قرار التقسيم 181 لعام 1947 , والذهاب إلى الأمم المتحدة لتحمل مسؤولياتها تجاه إنهاء هذا الاحتلال ، ونقل صلاحيات السلطة قدر المستطاع لمنظمة التحرير الفلسطينية ، والبدء في حوار شامل يجمع الفلسطينيين في الداخل والخارج لوضع استراتيجية مقاومة وطنية بمختلف أشكالها وألوانها .

ويمكن أيضا أن تعلن السلطة الفلسطينية تبني مشروع آخر ، هو مشروع الدولة الواحدة ، ورسم استراتيجية جديدة تقودها منظمة التحرير الفلسطينية ، نحو تبني والعمل على هذا المشروع ، الذي يحمل في طياته أسس تفكيك المشروع الصهيوني .

الخيارات موجودة ، ولكنها صعبة وصعبة للغاية ، تحتاج قليل من الجرأة والشجاعة من القيادة الفلسطينية ، وتحتاج من الشعب الفلسطيني أن يتحمل تداعيات هذه الخيارات والتكيف معها ، إذ لا يمكن الاستمرار بذات السياسة التي تسير عليها السلطة الفلسطينية ، إذ أصبحت محل شك لدى الجمهور الفلسطيني ، وعاجزة عن منح الشرعية الشعبية لقراراتها السياسية ، إذ أصبح في علم الجميع أن ما نقاتل من أجله الأن ، أصبح من الماضي ، إن حل الدولتين بالمفاوضات قد قتل قبل أن يبدأ في ظل حتى الاستيطان المستمرة في الضفة الغربية والتي لم تتوقف يوميًا عن نهب ومصادرة الأرض .

مساهمة من عزيز حمدي

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.