تأخذك إلى أعماق الفكر

الضرورة العلية: عند الحكماء المسلمين وديفيد هيوم

لو كان هناك شيء واحد قد صدر منه معلولان -ولابد من الالتفات إلى أن هذين المعلولين ليسا متتاليين، وإنما هما يصدران من العلة في عرض بعضهما- فنحن نسأل ضمائركم اليقظة: هذا الواحد، المصدر، الذي صدر منه “أ”، هل يكون صدور”أ” من هذا المصدر هو عين صدور”ب” منه أم لا؟

إن قلنا إنها نفس تلك الجهة، وإن هذا الصدور هو عين ذلك الصدور، فحينئذ لا تكون “أ” مختلفةً عن ”ب”، فمن مصدر واحد قد صدر شيء واحد ومن جهة واحدة وهو “أ”. فـ ”أ” و”ب” ليسا معلولين وليس بينهما أي تغاير، فلو كان “ب” صادرًا من مصدر وهو عين صدور ”أ” (عينية شخصية)، فإن ”ب” ستصبح عين “أ” لأن جهة الصدور واحدة بعينها، والزمان ليس مطروحًا في هذا المجال. وحتى إذا فرضنا فرض المستحيل فدخل الزمان هنا فإن الزمان واحد أيضًا، فإذا كان هذان شيئًا واحدًا من جميع الجهات، فلا ضرورة -حينئذ- بل وحتى لا إمكان لصيرورة أحدهما “أ” والآخر”ب”، لانه لا تغاير بينهما أصلًا. بينما فرضنا -منذ البدء- أنهما اثنان، فهذا خُلف للفرض وغير صادق قطعًا؛ ففرضنا منذ البدء أن هناك معلولين هما ”أ” و”ب”، ولكننا انتهينا بالتالي إلى هذه النتيجة وهى أن ”أ” عين ”ب” و”ب” عين ”أ”.

وأما إذا اردنا أن نغير جهة الصدور، بنحو من الأنحاء، فقلنا “أ” قد صدر من جهة، و”ب” قد صدر من جهة أخرى؛ بمعنى أنه قد صدر معلولان من شيء واحد، لكن من جهات مختلفة، كما أنني أنا قائم وأتكلم، فهذان فعلان صدرا من فاعل واحد، إلا أنه من جهتين فالجواب واضح؛ لأن ذاتي فيها كثرات عديدة ومنها هذه الكثرة، فجهة قيامي غير جهة كلامي، وجهة قدرتي على الوقوف  غير جهة قدرتي على الحديث، فمبدأ الصدور يصبح شيئين وليس شيئًا واحدًا، بينما قد فرضنا -منذ البدء- أن مبدأ الصدور وجود واحد بسيط مطلق خالٍ من أي لون من ألوان الكثرة. فإن قلنا بتعدد الجهات أصبح المبدأ كثيرًا، فيخرج عن موضوع القاعدة الذي هو الواحد. وبهذا يتضح لنا أن مثل هذا الواحد لا يمكن أن يصدر عنه إلا الواحد؛ غاية الأمر أنه لابد أن نفكر في هذا الواحد الصادر: ما هو؟

إن ذلك المعلول الأول الصادر هو كل شيء، وهو الذي يسميه العرفاء “الفيض المنبسط”، بمعنى أنه فيض منبسط على جميع الأشياء، أو فيض مقدس، أو -كما يسميه الحكماء- “العقل الأول”. فإذا صدر المعلول الأول حينئذ تتحقق الكثرة، وتتوالى الكثرات، وكلها كثرات الماهيات تظهر من هذه الحدود المتعينات للوجود الواحد، وهى ليست مجعولة بالذات. إذن، قاعدة الواحد تصبح ضرورية الثبوت بالالتفات إلى أطراف القاعدة وحكم القاعدة وصدقها، ولا تحتاج إلى دليل خارج قواها، فهى، إذن، من الضروريات الأولية.
وإثبات الصدور يوفر لنا لونًا آخر من العلية والمعلولية، لا يشبه من قريب أو بعيد تلك العلية والمعلولية التي أنكرها هيوم.

ومن هذه العلية والمعلولية -بمعنى الصدور- تُستخرج الضرورة المنطقية بين المعلول والعلة.

إعلان

ولما كان العالم ظهورًا لوجود الله، فهو يوصلنا إلى وجود المبدأ بالضرورة المنطقية، وكما قالوا في المنطق الرياضي: إذا أثبتنا وجود العالم، فإن هذا العالم يقودنا إلى وجود المبدأ بالضرورة المنطقية، ولكنه بقاعدة الصدور وليس بقاعدة العلية في الأجسام.

ثانيًا: العلية عند الحكماء المسلمين:

وتعني أنه متى توفرت العلة التامة لشيء، فسيكون ذلك الشيء موجودًا بالضرورة؛ وطالما بقيت العلة التامة لشيء ما معدومةً، فسيبقى ذلك الشئ معدومًا بالضرورة.
وعليه، فكل شيء ممكن موجود في الخارج هو ضروري الوجود، وضرورة وجود ذلك الشيء هي ضرورة بالغير؛ بمعنى أنه يمكن التوصل من الوجود الخارجي لأي شئ إلى أن العلة التامة لتحققه موجودة، وإلا لم يكن المعلول المنظور ليتحقق.

في إثبات العلامة الطبطبائي العلية والمعلولية، وأنهما في الوجود:

قد تقدم أن الماهية -في ذاتها- ممكنة، تستوي نسبتها إلى الوجود والعدم، وأنها -في رجحان أحد الجانبين- بحاجة إلى غيرها، وأن القول بحاجتها في رجحان عدمها إلى غيرها نوع من التجاوز، وإنما الحاجة في الوجود، لأن وجودها متوقف على غيرها.
وهذا التوقف -لا محالة- على وجود الغير، فإن المعدوم -من حيث هو معدوم- لا شيئية له، فهذا الموجود المتوقَّف عليه في الجملة هو الذي نسميه “علة”، والماهية المتوقفة عليه في وجودها “المعلول أو معلولتها”.
ثم إن المجعول للعلة والأثر الذي تضعه في المعلول، إما أن يكون وجوده، وإما ماهيته، وإما صيرورة ماهيته موجودة؛ لكن يستحيل أن يكون المجعول هو الماهية، لَمّا تقدم أنها اعتبارية -في رأي الطبطبائي وأغلب أتباع مدرسة الحكمة المتعالية عمومًا-، والذي للمعلول من علته أمر أصيل، على أن الذي تستقر فيه حاجة الماهية المعلولة ويرتبط بالعلة، هو وجودها لا ذاتها.

ويستحيل أن يكون المجعول هو الصيرورة، لأنه لا معنى نسبيًا قائمٌ بطرفيه. ومن المحال أن يقوم أمر أصيل خارجي بطرفين اعتباريين غير أصليين، فالمجعول من المعلول والأثر الذي تفيده العلة هو وجوده، لا ماهيته ولا صيرورة ماهيته موجودة، وهو المطلوب. ويقول العلامة غلام رضا الفياضي: إن المسألة انقسمت إلى أربعة آراء:
1. ما ذهب إليه الحكماء: أن المعلول يجب بسبب علته التامة ثم يوجد.
2. ما ذهب إليه المتكلمون: أن المعلول لا يصير واجبًا بسبب وجود علته التامة، وإنما يصير وجوده أولى من عدمه من دون أن يصير واجبًا، إنما يصير أولى. والسبب في ذلك ما نسبوه إلى أقوال الحكماء بأنه ينتهي إلى الجبر، وهذا ضد الدين.
3. ما ذهب إليه المحقق الطوسي في بعض كلماته (وأيضًا السيد محمد باقر الصدر) حيث يقول: المعلول يجب بوجود علته التامة إن كان الفاعل في تلك العلة التامة فاعلًا موجبًا، إما إذا كان الفاعل فاعلًا مختارًا فلا يجب. ويقول الصدر: إذا كان الفاعل مختارًا فمتى حصلت العلة التامة، لا يجب بوجود العلة التامة وجود المعلول.
4. والرأي الرابع هو ما ذهب إليه العلامة الفياضي نفسه، حيث يقول: لا يجب بوجود العلة التامة وجود المعلول وجوبًا سابقًا على وجوده.

والآن نأتي لسؤالين بخصوص هذا الأمر:

السؤال الأول:
هل يمكن أن تكون العلة التامة لشيء موجودة من دون أن يوجد ذلك الشيء؟
الجواب: لا، لأن معنى العلة التامة للشيء أنها العلة التي تُخرج ذلك الشيء من حالة العدم؛ وإذن، فإنكار الشيء إلى جانب قبول وجود علته التامة يعني أن العلة موجودة وغير موجودة في نفس الوقت؛ أنها موجودة لأن الافتراض هو وجود العلة التامة، وغير موجودة لأن معلولها غير موجود.

السؤال الثاني:

هل الممكن يوجد بالضرورة على افتراض وجود العلة التامة؟

والجواب: نعم، لأنه -بوجود العلة- إذا لم يعد ضروريَّ الوجود فسيبقى ممكنًا، ولذلك يمكنه أن يكون موجودًا أو غير موجود، وتبقى نسبته إلى الوجود والعدم متساوية؛ وعليه، فظهور الممكن إلى الوجود بحاجة إلى وجود شيء ثالث يجعل الوجود متعينًا عليه. والآن، إذا لم يبلغ الشيء الثالث -الذي يُفترض أنه علة تامة- بذلك الممكن إلى حد الوجوب، ستبرز الحاجة إلى شيء رابع، وستستمر هذه السلسلة من دون أن يوجد الممكن المنظور؛ وعليه، فمجرد أن يكون الممكن المنظور موجودًا، فهذا دليل على أن وجود العلة التامة جعل من وجوده أمرًا ضروريًّا، لأنه لو لم يجعله ضروريًّا لما كان الموجود الممكن المنظور موجودًا إطلاقًا، وهكذا يتاح القول بأن مفهوم العلة التامة يستلزم وجود المعلول ضروريًّا، وبالتالي فقبول مبدأ العلية يستدعي معه القبول بمبدأ الضرورة العلية.

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: خالد أبو الخير

تدقيق لغوي: محمد ثروت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.