تأخذك إلى أعماق الفكر

الشّعر بين كتابة الدّواوين والأغاني

الشّعر ديوان العرب ….. أبدًا وعنوان النّسب

[أبو فراس الحمدانيّ]

لكلّ أمّة صفة تميّزها، والأمّة العربيّة منذ القدم عُرفت ببلاغتها وقوّة بيانها وإتقانها للغتها الأمّ، والتّباهي والتّباري بفصاحتها وجودتها، واللّعب بكلماتها ومعانيها كما يلعب السّحرة بحيلهم وألاعيبهم. حتّى إنه ذُكر عن الرّسول صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: “إنّ من البيان لسحرًا”؛ من شدّة ما امتلك العرب من فصاحة.

فصاحة العرب تجلّت في شعرهم الّذي كان أرضهم وسماءهم وحياتهم كلّها؛ فكانوا يَنْظُمونه على كلّ الأشكال، وينشدونه في المناسبات والمواضع كافّة: في الفخر، والرّثاء، والبكاء على الأطلال، والحروب، وبالطّبع استخدموه للتّعبير عن عواطفهم.

وحتّى الآن -ومع تضاؤل تعلُّقنا بلغتنا، وضحالة معرفتنا بها- ظلّ الشّعر شيئًا تُرفع له الهامات إجلالًا وإكبارًا. فمن منّا لا يحبّ الشّعر، من لا يُحبّ موسيقاه! لكن -ومع تقدّم الزّمن، وقلّة صلتنا باللّغة العربيّة-  تطوّر الشّعر الغنائيّ، ونما بشكل ملحوظ، ونشأت القصائد العاميّة، وانبثقت منها القصائد الغنائيّة الّتي كُتبت لأجل أن تُغنى فقط؛ إذ إنّنا من قلّة تمسّكنا بلغتنا لم نعد نقرؤها.

شعراء الأغاني:

أوّلًا- أحمد رامي:

هو من بين الشّعراء الّذين بزغوا في كتابة الأغنية، والّذي عرفناه بصوت أمّ كلثوم؛ فلمع نجمه معها، وخفت ضوؤه بوفاتها.

كان أحمد رامي صديقًا مقرّبًا للشّيخ أبو العلا محمّد، وكان في حينها غير متفرّغ لكتابة الشّعر، وكان يتنقّل بين مصر وباريس. وذات يوم طلب منه الشّيخ أبو العلا محمّد أحد قصائده لكي يغنيها؛ فأعطاه قصيدة “الصّبّ تفضحه عيونه”، بدوره قام أبو العلا محمّد بإعطاء القصيدة لأمّ كلثوم لتغنيها. حينما عاد أحمد رامي لمصر، عَلِمَ أنّ فتاة ريفية تُغني قصيدته “الصّبّ تفضحه عيونه”؛ فذهب من فوره ليستمع لها، ومن هنا بدأت قصتهما معًا. وعلى مدى ما يقرب من أربعة العقود ظلّا يطرباننا بعشرات الأشعار الغنائيّة في الهَجر، والحبّ، والوجد، والخصام.

إعلان

وصل عدد الأغاني الّتي كتبها أحمد رامي لأمّ كلثوم حوالي 110 أغنيات؛ إذ إنّه كتب لها نصف أعمالها تقريبًا بداية من: “حيّرت قلبي معاك”، و”ثورة الشّكّ”، و”عودت عيني”، و”يا ليلة العيد”، وصولًا إلى “يا مسهرني”، وكان ذلك آخر تعاون بينهما، إذ رحلت أمّ كلثوم بعدما قطعا معًا شوطًا طويلًا من الإبداع.

من جهة أخرى فقد كان لرامي دواوين مكتوبة، لكنّها لم تلق الشّهرة الّتي لاقتها الدّواوين المسموعة.

ثانيًا- مأمون الشّنّاويّ:

يعدّ من أبرز الشّعراء الغنائيّين في القرن الماضي. كانت بداية كتابته للشّعر الغنائيّ حينما أسمعه محمّد عبد الوهّاب مقطوعة موسيقيّة، وطلب منه أن يكتب كلمات تناسبها؛ فكتب”أنت و عازولي و زماني”.

لقد تغنّى بأشعار مأمون الشّنّاوي كبار المطربين، أمثال: عبد الحليم حافظ، وأمّ كلثوم، وفريد الأطرش، ونجاة الصّغيرة.

ثالثًا- محمّد حمزة:

من الشّعراء المميّزين،  بدأ بكتابة الشّعر الغنائيّ عام 1963م، وكانت فايزة أحمد أوّل من يُغني له؛ فغنّت له في بادئ الأمر “أؤمر يا قمر”. هذا وقد غنّى له كثير من المطربين القدامى والمحدثين، مثل: عبد الحليم حافظ، ونجاة الصّغيرة، وشادية، ووردة الجزائريّة، وصباح، ومحمّد رشدي، وعفاف راضي، وعماد عبد الحليم، وهاني شاكر، وسميرة سعيد، وكان آخر من تغنّى بكلماته المطرب الكبير كاظم السّاهر؛ حيث غنّى له قصيدة بعنوان “ليالي ما لها معنى تفرّقنا وتجمّعنا”.

شعراء الدواوين:

أوّلًا- أحمد شوقي:

هو أمير شعراء جيله، ربطته علاقة قويّة بالبلاط الملكيّ، كان شاعر الخديوي عباس المقرّب، وأنيس مجلسه، ورفيق رحلاته. صدر الجزء الأوّل من ديوانه “الشّوقيّات” عام 1898م. نفته القوّات الإنجليزيّة عام 1914 إلى الأندلس، وكتب على إثرها قصيدته “أندلسيّة”. بويع أميرًا للشّعراء في عام 1927م. كتب عديد المسرحيات الشّعريّة في نهاية حياته، من أهمّها: “مصرع كليوباترا، ومجنون ليلى، وقمبيز، وعلي بك الكبير”.

كان شوقي من أشدّ المعجبين بصوت محمّد عبد الوهّاب وألحانه؛ فكان له بمثابة الأب الرّوحيّ، ومنحه صكّ تلحين وغناء كثير من قصائده. والحقيقة أنّ أحدًا لم يبدع في إخراج قصائد شوقي بشكل غنائيّ أكثر من محمّد عبد الوهّاب.

النّاظر في شعر شوقي يجد قصائده قويّة ورصينة، ومفرداته صعبة الإدراك على العامّة؛ لذلك لجأ شوقي في كثير من الأحيان إلى الزّجل، وإلى القصيدة العاميّة. وبالطبع كان أكثر من غنّى له تلك القصائد الموسيقار محمّد عبد الوهّاب. ومن الأشعار الّتي غنّاها محمّد عبد الوهّاب لشوقي: “مضناك، يا جارة الوادي، يا نائمًا رقدت جفونه، منك يا هاجر دائي، قلبي بوادي الحمّى، شبكتي قلبي، سيّد الهوى، دار البشاير”. كما غنّت له سيّدة الغناء العربيّ أم كلثوم قصائد من أروع ما قدّمت في مسيرتها الفنيّة، مثل: “ولد الهدى، نهج البردة، إلى عرفات الله، السّودان، النّيل، سلوا قلبي، بأبي وروحي النّاعمات الغيدا، سلوا كؤوس الطّلا”.

ثانيًا- عبد الرّحمن الأبنوديّ:

صدر له عديد الدّواوين الشّعريّة، مثل: “الأرض و العيال، الزّحمة، عمّاليّات، جوابات حراجي القطّ، الفصول، أحمد سماعين، أنا والنّاس، بعد التّحيّة والسّلام، وجوه على الشّط، صمت الجرس، المشروع والممنوع، المدّ والجزر (قصيدة طويلة)”. كما صدرت له بعض الدّراسات الأدبيّة، مثل: “السّيرة الهلاليّة، وسيرة بني هلال” والأخيرة مكوّنة من خمسة أجزاء.

لم يكن تركيز الأبنودي منصبًّا على تأليف الأغاني؛ لكنّه كان ثوريًّا يحمل همّ وطنه، وتلك هي النّزعة الّتي جمعته بالعندليب الأسمر؛ فكوّنا معًا حالة من الوطنيّة الفريدة تجسّدت في النّكسة والنّصر، والهزيمة والصّمود، أمثال: “أحلف بسماها وبترابها، وعدّى النّهار، وابنك بيقولك يا بطل، وبركان الغضب، وصباح الخير يا سينا”. كذلك قدّما معًا عديد الأغنيات العاطفيّة المميّزة في مسيرة عبد الحليم حافظ، مثل: “أحضان الحبايب، والهوى وهوايا، وأنا كلّ ما أجول التّوبة يا بوي”.

لم يتوقّف عبد الرّحمن الأبنوديّ عند عبد الحليم حافظ فقط؛ فقد كتب لآخرين من جيل العندليب من بينهم: فايزة أحمد، ومحمّد رشدي، ونجاح سلام، وشادية، ونجاة الصّغيرة. كما كتب للأجيال الّتي تلت ذلك الجيل، مثل: ماجدة الرّومي، ومحمّد منير، ومروان خوري.

ثالثًا- محمود درويش:

هو شاعر وكاتب ومناضل من الطّراز الرّفيع. مثله مثل كثيرين من أبناء فلسطين يحملون قضية بلدهم، ويقطرونها دمًا في أعمالهم. صدر لدرويش عديد الدّواوين بجانب مقالاته الصّحفية، ومن أبرز دواوينه: “عاشق من فلسطين، لماذا تركت الحصان وحيدًا؟، يوميّات جرح فلسطينيّ، مديح الظّلّ العاليّ”. كما كتب بعض الخواطر والقصص، وأشهرها: “يوميات الحزن العادي”.

رغم أنّ درويش لم يكن منشغلًا بأن تصير قصائده ألحانًا مغنّاة؛ إلا أنّ الحظّ حالفه حينما هام الموسيقار اللّبناني “مارسيل خليفة” بأشعاره، وأدّى كثيرًا منها على هيئة أغاني بألحان شرقيّة الطّابع، وأبرز تلك الأغاني: “أمرّ باسمك، وأحنّ إلى خبز أمي، أحبّك أكثر، يطير الحمام، وريتا”، وغيرها من الأشعار الوطنيّة والعاطفيّة. كذلك غنّت له ماجدة الرّومي “سقط القناع”، وغنّت له أميمة خليل بالتّعاون مع مارسيل خليفة كثيرًا من القصائد.

رابعًا- نزار قبّاني:

يعدّ أحد أهمّ شعراء العربيّة في العصر الحديث، وهو من القلائل الّذين بقوا على ولائهم للوزن والقافية؛ فتجد أشعاره وزنت بميزان من ذهب، وتجد فيها موسيقى تطربك دون لحن، وتجذبك فيها تشبيهات واستعارات لم تسمع بها من قبل، وتكتشف في قصائده عوالم أخرى غير تلك الّتي تعلم. استطاع قبّاني أن يجمع في قصائده بين رشاقة اللّغة، وعذوبة الألفاظ، وبليغ البيان؛ إنّه من الشّعراء القلائل الّذين يستطيعون إبهارك على أكثر من مستوى.

قبّاني شاعر من الطّراز الرفيع، صدر له عديد الدّواوين الّتي لاقت جماهيريّة كبيرة، وما زالت تلاقي شعبيّة حتّى الآن. صدر لقبّاني ما يقرب من الأربعين ديوانًا، جميعهم باللّغة العربيّة الفصيحة. كما تنوّعت قصائد  قباني بين السّياسيّ والعاطفيّ؛ إلّا أنّه أبدع في تجسيد المرأة، وعاطفتها، وشعورها، ولذلك أطلق عليه: “شاعر المرأة”.

من المفارقات الغريبة في شعر قباني، أنّه برغم كونه شعرًا فصيحًا، سليم الوزن والقافية، وبرغم قيمته الأدبية التي لا يختلف عليها اثنان؛ إلا أنّ كثيرًا من قصائده تحوّلت إلى ألحان مغنّاة، رغم اختلافها كثيرًا عن الأغاني المفضلة للعامّة. وبرغم كلّ هذا فقصائده المغنّاة ذائعة الصّيت حتّى يومنا هذا.

لقصائد قباني طابع خاصّ لم يكن منتشرًا في الفترة الّتي ظهر فيها، ورغم أنّ الجماهير كانت تميل للزّجل، والكلمة البسيطة، والقصة العادية؛ أطلّت علينا قصائده بشيء من التّفرّد في المحتوى والمضمون، ومع ذلك لم تنزع لباسها الفصيح، وأخيرًا فضّلها الجمهور رغم كلّ شيء.

غنّى لقباني جَمْع من المطربين، واستمرّت قصائده في التّدفّق والتّجدّد على مرّ الأجيال، ومنحها كاظم السّاهر كثيرًا من الخلود؛ إذ إنّه كرّس مسيرته الفنيّة بالكامل لغناء قصائد قباني وتلحينها.

أيُّهما أفضل الشّعر المقروء أم المُغنى؟

الشّعر في أصله موسيقى، إذ أنّ ما يميّزه عن بقية الأصناف الأدبيّة هو موسيقاه وإيقاعه، وبهما تميّز عن بقية الأصناف الأدبيّة؛ لسهولة حفظة، وجمال وقعه على الأذن، والأثر الّذي يحدثه في النّفس بجمال تعبيراته، وروعة تصويره، وموسيقاه، وأوزانه المميّزة.

كان العرب يجدون في الشّعر المجرّد لذّة ونشوة لا توصف. لكن مع تقدّم الزّمن، وظهور الألحان والموسيقى، وعزوفنا عن القراءة، وفقر خيالنا عن إدراك الجمال في الشّعر، ومع ميل أكثر العامّة للغناء والطّرب، وحبّهم للموسيقى؛ كانت الضّرورة تقتضي أن تُلحّن القصائد الشّعرية كي لا تُنسى وتموت في دواوينها في صمت. وهكذا بدأ تلحين الأشعار وتأديتها على شكل أغنيات.

هنا يكمن السّؤال الحقيقيّ: أيهما أخلد و أطول عمرًا؟ سنجد الجواب في أنّ أيّ شيء أحيط بغلاف كتاب عاش طويلًا، وربما إلى ما لا نهاية، أمّا الألحان والأغانيّ فتتغيّر وتتبدّل؛ فنحن لا نعرف عن الفراعنة غناءهم بقدر ما عرفنا ما كُتب على جدران معابدهم. وفي عصر الجاهلية كانوا يعلّقون الأشعار على أستار الكعبة. وفي عصرنا -حتّى وإن قلّت قيمة الدّواوين المكتوبة- ستبقى الأشعار المكتوبة أكثر خلودًا من الأشعار الّتي كُتبت من أجل الغناء فقط.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دينا سعد

تدقيق لغوي: إياد سويطي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.