تأخذك إلى أعماق الفكر

الشغل. أو العقاب اليومي!

بداية، العمل بهذا المعنى هو عملية تغيير الطبيعة الخارجية عن الإنسان، إنّه يتمُّ في نطاق ما يوجد عليه هذا العالم، وسيكون لزامًا علينا المحافظة عليه أحيانًا على حالته الأصلية تلك، (قصّ العشب في بستان، أو الشعر لدى الحلاق) وبالتالي التدخل لتعديل وقص ما ينمو باستمرار، وفي بعض الأحيان الأخرى لتعديل مسكن الإقامة (وإدارة موقع). غير أنّه وفي الوقت ذاته، تعتبر هذه المسألة عملية تحويل وتخصيب للواقع الإنساني ما دامت ثروات الطبيعة وحدها لا تكفي، بل أيضًا تلك الثروات الثقافية اللاماديّة التي نستعملها بدورها للقيام بالأشغال (الوسائل والأدوات والآلات والعمليات والوصفات والطرق…إلخ.) ونطورها في خضمّه بعد الحركة الديناميكية الذاتية للتحكّم.

أمّا وكوننا نعمل بفضل كثير من الابتكارات والاختراعات والإبداعات على كوكبنا، فذلك لأنّنا ندين بالفضل لعمل أسلافنا الذين أورثونا كلّ ما من شأنه أن يجعلنا نعمّر هذا العالم. لذا، فرغم جهلنا الطفولي، نتعلّم كيف نعيش في خضم أعمال كثيرة ومختلفة، ومن ثمّ نتعلم كلّ ما يسمح بإنتاجها واستخدامها، وبالتالي كل ما يتطلبه وجودنا في هذا العالم. إنّه على هذا الإبداع الإنساني يعتمد جزء كبير من الاختلاف في طرق التفكير والقيم وأنماط العيش بين شعوب الأرض، لذا سوف يتعلم المرء كيف يصنع لورين كيشي[1]، وآخرُ لفّة الربيع[2]. يتعلّم كلّ واحد من ثقافته الأصيلة. هذا يتعلّم فنّ التنويم بالوخز بالإبر باستخدامها الدقيق، والآخر يتعلّم في ظلّ ثقافة الطب الحديث ويستعمل علم التخدير للعلاج. لقد تم ملء الجداول (في المطبخ أو في مكاتب التشغيل) بتنوعات مختلفة، فاستثمرنا عمل أسلافنا في حياتنا بعد مختلف التطويرات والتعديلات، متجاوزين التقاليد التي تعتمد فكرة الأثر الملاحظ دون معرفة الأسباب.

هكذا، يُعيد الجميع استثمار العمل في مجال الإنجازات المختلفة: الأخلاقية واللغوية والفكرية والفنية والتقنية لشعوبهم (وكذلك للبشرية جمعاء في حالات كثيرة). فالجميع يسعى للاحتفاظ بهذا الموروث ونقله للخلف (مخبز الخباز إلى المتدربين، والمستشفيات لديها طلابها للتدريب)  وأيضًا لتطويره في كثير من الأحيان (للمصانع مكاتب تصميمها). ولذلك، فإن للحضارة توجّهًا للحفاظ على إرثها (في ديناميتها توجد مسألة المحافظة والميل المعتاد للخلق)، وهي التي نسارع للانضمام إليها عندما نُقبل على العمل، معتقدين أنّ الأمر يستحق ذلك، لأننا بادئ ذي بدء، نحن مدينون لما أصبحنا عليه من تقدّم. حتى الناس الذين لا زالوا يعيشون نوعًا من الحياة البرية، تجد لديهم استعدادا للتوجيه من طرف من هم أكثر تقدّمًا عنهم. لذلك تظلّ الحياة من دون عمل غير جديرة بنعتها “إنسانية”.

مكان التشوّه والتكوين

لكن الحس السليم قد يتردد هنا مع التشديد المستمر، وفي نفس الوقت، على صحّة العامل الذي يتعرّض لخطر التشوّه في مكان عمله. «العمل هو الصحة» كما يقال عادة كعلامة تأكيد أنّ الشخص الذي يعمل عادة ما يظهر على أنّه غير مريض وغير مصاب ولا معاق. العمل مصدر تمرّن، إنّه يحفظ وينمّي الملكات، كما يقوّي التمرين العضلي الجسم الذي يُمارس الرياضة بانتظام. إلاّ أنّه مع ذلك، بدلًا من إبقائنا في حالة جيّدة كما نعلم، فإنّ العمل يشوّهنا كذلك؛ إذ لا يكتفي بتغييرنا كما لو كنّا الحديد المطاوع المرن، وإنّما يذوّبنا بما لا يقل عن ذوبان الزجاج المنفوخ. لذلك فالطب المهني سيكون عليه إظهار تأثير العمل السيء، بمراقبة ومنع الضرر الذي قد يلحق بالعامل.

في الكثير من الأحيان يكون عالمنا مثل عالم إنسان يعمل بمشقة -أي مشوهًا-؛ ولهذا يبدو أنّه من الأنسب للتكوين المهني أن يصقل ملكاتنا بوضعها على محك الاختبار. الظاهر أنّه في العمل صنعت الإنسانية، لذلك عادة ما نستعد حين الذهاب إلى العمل لوضع قدراتنا على محكّ معايير النشاط الشاق، وخاصّةً من حيث النتائج. إنّنا نسرع أيضًا للعثور على أنفسنا في خضمّ نشاط خطير، فنكتشف بمفردنا نقاط قوتنا وضعفنا سواء على المستوى البدني أو النفسي أو الذهني.

إعلان

تشاركنا أجسادنُا الفيزيولوجية والعضلية والحيوية التي نعرفها العملَ الذي يتعبنا ويخيفنا دائمًا. صحيح أن الطبيعة المتكررة والمتخصصة للمهام هي ما تسبّب التشنج في يد الكاتب أو في كتف النجار، وهي كذلك تعرّض جسم العامل باستمرار لالتهاب الأوتار والكسور ومشاكل المفاصل والغضاريف ومشاكل الجهاز التنفسي والنسيج والتجاعيد، بل ومجموعة كاملة من التشوهات والاختلالات؛ لكننا نجد أيضًا في ذلك ما يزيد ويضاعف مهاراتنا، ثم نرى أن قوتنا العضلية لا يمكن أن تتقوّى وتنمو إلاّ من خلال التحمل والمقاومة والمرونة والبراعة والمهارة والدقة والتوازن ونوعية ردود الأفعال والوعي وإزالة الحساسية لمناطق معينة من الجسم. يتكشّف هذا الأمر في إطار ذلك الجهد الذي تسمح به مواجهة استعصاء الأشياء. إنّه تكرار الإيماءات المنظمة التي تعمل في كل مكان على تطوير مهارة كاملة ودراية تسمح لنا فيها المواهب، وفي نفس الوقت تتيح لنا أن نتلاءم مع العالم الذي تسمح به كليات أجسامنا.

لكن ما يهمّنا أكثر هو السؤال النفسي عندما نفكر في العمل، لذلك فهو الجانب “المرهق” الذي يجعلنا متوتّرين بمجرّد الاستماع لعبارته الطنانة. لم يعد الشغل ماديًا فقط، وذلك من وجهة نظر مخصّصة على الأقل، وإنّما يتم فيه إخضاع كلّ كياننا للاختبار “خاصّةً اختبار قدرتنا على ممارسته”. فالذهاب إلى مقر العمل يثير قدرًا كبيرًا من التحمل العصبي، وينشأ عن ذلك إحباط مكلف بالنسبة لنا. صبر كبير ذلك ما سيكون ضروريًا في مثل هذه الحالة لممارسة هذا النشاط غير الممتع والقمعي، واستبعاد للرضا السريع ذاك الذي نبحث عنه طوال يوم عملنا. ليس العمل في الواقع سوى تأجيل للاستمتاع إلى وقت لاحق، فلا أحد يأكل كعكه إلاّ بعد أن ينهي عمله، كما لا نستمتع بدفء نار إلاّ بعد جمع الحطب وقطعه.

هكذا يتم تطوير الملكات المكتسبة من الاندفاع المضطرب، وذلك في خضم هذا الإحباط الذي ينجم بالضرورة عن طبيعتنا. فالتخلي عن النرجسية في الواقع هو تكريس الذات لشيء آخر غيرنا. والاهتمام المستمر الذي يجعلنا قادرين على البقاء مركزين، هو ما يدفعنا للخروج إلى أيّ مكان آخر، والتشتّت والاستعداد للبقاء بشكل فعال وفي أقصى درجات الإلحاح. فالإحساس بالدقة والاحترام المنهجي أثناء إجراءات تنفيذ العمل والمثابرة التطوعية والتحلّي باليقظة في الأعمال التي سيتم إنتاجها، هي كلّها أحكام وطرق للوجود والشعور والتفكير، هكذا ننضبط عندما نعمل بجدية.

لكن من بين كلّ الملكات البشرية، يعدّ الذكاء هو ما يجب إخضاعه للاختبار بالنهاية؛ فعندما يُطْلَب من المرء العمل دائمًا بالكثير أو القليل جدًا، فهذا يعتبر أمرًا مؤلمًا في كلتا الحالتين. فحتى لو لم يتعلّق الأمر دائمًا بعمل المثقف (الخطابي، والتجريدي، والمنعزل عن المنفعة المباشرة)، فإن العمل الإنساني يبدو دائمًا ذكيًا. لذا، يجب أن ينغمس فيه الناس حتى وإن لم يكونوا دائمًا مدركين لذلك -أي لعلاقته بتنمية قدراتهم ذكائهم حين ترتيب أشيائه-. الواقع أنّه لا يوجد عمل بشري، كما يذكر ذلك ماركس، إلاّ عبر تلك اللحظة التي يتم فيها توفير وسائل الإنتاج، فيتجلى العمل في فائض الإنتاج. بعبارة أخرى، إنّه ما يتم حصوله عندما يكون من الضروري جعل الفكرة نموذجًا لنشاط الإنسان وليس اتباع الغريزة. في العمل علينا دائمًا أن نفهم قليلًا  لماذا وكيف نفعل ما نفعله حتى نكون قادرين على تحقيق الغايات التي نمنحها لأنفسنا بشكل منهجي، ولكي تتكيف معرفتنا العامة باستمرار مع المواقف المحدّدة التي نواجهها ونفعلها. إنّه غالبًا ما يكون دليلًا على الإبداع، خاصّةً عندما يدفعنا الواقع إلى إيجاد حلّ غير مسبوق لحالات المشكلات التي يفرضها علينا. الفائدة هنا مرغوبة بنفس القدر الذي تهددّ به لتشويهنا مثلما هو النقص الذي يتعين على قوانا مجاوزته دون أن يحصل أيّ شيء معقد حين فهمه واختراعه أو نفيه. إنّه حلّ معقد للاستمتاع بممارسة قدراتنا.

هذه هي الطريقة التي سيكون العمل عبرها مناسبة للحظة مؤلمة أحيانًا، ولما نحن قادرون حقًا على مواجهته من صعوبات الواقع. مقرّ عملنا هو مكان إقامتنا أيضًا، إنّه مطَمْئِن بالقدر الذي هو محزن، وإنّه الذي يعزّز ثقتنا في الملكات التي نكون قادرين على شحذها واستثمارها. وللأسف دون ذلك سنحافظ على عدم الثقة المخزية تجاه عجزنا. فكم سنكسب من خلال تحرير أنفسنا من هذا الاختبار للحقيقة؟

ليس هناك ما هو أصعب من التوقف عن إعطاء الأوامر عند ممارسة السلطة في نقل المعرفة المدرسية عندما تكون مدرسًا، أو لرؤية المشكلات من زاوية تقنية عندما تكون مهندسًا، أو عاطفيًا عندما تكون من علماء النفس. إنّ الانتظار حتى يتم إعطاء الأوامر هو ما تعوّدنا عليه أثناء تقديم الخدمة، وهذا يعني أنّ العمل يهيئ لنا الطريق لتنظيم علاقاتنا بالآخرين. نقوم في كل مكان بتغيير طرق التفكير الخاصة بمهنتنا، وأيضًا علاقات التسلسل الهرمي والاعتراف التي تؤخذ بها حياتنا بكثير أو قليل سعادة. هذا ما نصادفه كل يوم عندما نغادر العمل: علاقة حازمة مع الآخرين يتم تحديد طرائقها مسبقًا من خلال تعاون صعب في بعض الأحيان، حيث نكافح في العديد من الحالات لتحمل مسؤولياتنا العادلة، بحيث لا نعرف دائمًا ما هو الخير الذي نقدمه للآخرين وللمجتمع ككل. إنّ هذه الصعوبات هي التي تجعل من وقت العمل بلا شك استراحة ضرورية للغاية.

رابط المقال

*تريباليوم أو Tripalium مشتق من الجذور اللاتينية: "tri / tres" و "palis"  وتعني حرفيًا " قضبان الثلاثة") ويُشير إلى جهاز التعذيب الذي كان يتكون من ثلاثة قضبان خشبية بناءً على المعنى الحرفي. وtripaliumهذه تعني "عمل".
[1]- كيشي لورين هي وصفة نموذجية لتقليد تذوق الطعام الفرنسي، معروفة في جميع أنحاء العالم، وأعرب عن تقديرها لتحقيق ذلك، سهلة ونكهتها بسيطة ولكنها حاسمة. يتم تحضير الحشوة الأساسية من هذه الكعكة الكلاسيكية عن طريق خلط ثلاثة عناصر رئيسية: بيض، ولحم الخنزير المقدد، والجبن.
[2] وتسمى أيضًا ملفوف الربيع، وهي عبارة عن أكلة يتم إعدادها من ملفوفات حسب الذوق والشهية.

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: الحسين أخدوش

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.