تأخذك إلى أعماق الفكر

الدين والعلمانية في سياق تاريخي؛ قراءة في ثلاثية الدكتور عزمي بشارة

الدين و العلمانية في سياق تاريخي (قراءة تحليلية) .

وهكذا فسيرورة العلمنة تبتدئ من الثقافة وتمر على حقول المجتمع لتصل لأهمها وهو حقل السياسة، فلا توجد علمنة تبتدئ من السياسة مباشرة “11”، بل إن ذلك مستحيل إذا لم تتوفق العلمنة في حقل الثقافة والعلم ونظرة الأفراد إلى الواقع أولًا وانحسار تراث أجدادهم الرمزي والمادي في حياتهم العملية (رغم وجود مسارات عكسية ناجحة في بعض التجارب مثل اليابان إلا أنها مناقضة للمسار الأوربي للعلمنة)، أما العلمانية السياسية فهي آخر مظاهر هذه السيرورة، بل هي ثمرتها، و بالتالي فالعلمانية سيرورة تاريخية عرفتها كل المجتمعات بوتائر ودرجات مختلفة، إذا لم تعرفها سياسيًا فإنها عرفتها ثقافيًا حتمًا، و إن كان وطء ذلك خفيف على بعض المجتمعات.

هكذا يرى ع.بشارة أنه لا داعي لإنكار وجود العلمانية في المجتمعات الإنسانية كافة في شتى مستوياتها وحقولها، بل يعتبر بشارة أن فهم الدين والتدين لم يعد مستقلًا بل لم يعد ممكنًا دون فهم سيرورات العلمنة التي تتعرض لها المجتمعات الإنسانية خصوصًا في الفترة المعاصرة “12”، و لتقديم أحد وجوه هذا الاعتبار نحيل إلى الدراسة التي قام بها السويسري “باتريك هاني” المعنونة بـ”إسلام السوق”، و التي يوضح فيها أن الاقتصاد الرأسمالي أحدثَ تحولات واضحة في أنماط التدين الإسلامي، إذ انصرفت مجموعة من الماركات التجارية إلى توضيف إشارات إسلامية في نشاطها الاقتصادي، و هو ما سهل وصول سلعتها إلى الزبناء، إذ أصبح سائدًا في المجتمعات الإسلامية ما يسمى بالبوركيني (لباس البحر الإسلامي)، الأغنية الإسلامية، بل حتى الألعاب الإسلامية (كـ فُلَّة عوض Barbie باربي الكافرة)، هكذا ثم استحداث أنماط جديدة للتدين وقعت في أثر أحد وجوه العلمانية المعاصرة وهو الاقتصاد الرأسمالي “13”.
إضافة إلى ذلك فقد وقف باحثو دراسة الإسلام اليومي L’ISLAM AU QUOTIDIEN في المغرب إلى أن الوسائط الإعلامية بالنسبة للمبحوثين هي أول مصدر للمعلومة الدينية (خصوصًا النساء)، و ذلك ما أحدث تحولات في أنماط تدين المسلمين بعد الثورة الإعلامية منذ ثمانينات القرن الماضي “14”، ما يفيد بكل وضوح بأن أنماط التدين لم يعد في الإمكان فهمها دون فهم موجات العلمنة التي تَفِد على المجتمعات المعاصرة.

2- الجزء الثاني/المجلد الأول- “العلمنة والعلمانية الصيرورة الفكرية”:

و هو أضخم أجزاء هذه الموسوعة إذ اقتطع منها أكثر من 900 صفحة، ووسَّع فيه عزمي بشارة تحليل مفهوم العلمانية من خلال فصله عن مفهوم العلمنة، كما أنه غطى بشكل بارع مختلف التحولات الاجتماعية والسياسية في أوروبا منذ العصر الوسيط، إلى أن انتهت إلى وصول العلمنة إلى حقل السياسة في الفترة المعاصرة، إذ أن العلمانية السياسية لم يُعترف بها دستوريًا في فرنسا مثلًا إلّا سنة 1905م، ولم تطبَّق فعليًا إلّا بعد الحرب العالمية الثانية حسب “أوليفييه روا” “15”، أي أن ما يوجد قبلها هو سيرورة تاريخية كانت تتوجه باتجاه هذه النتيجة.

استنتج ع.بشارة في هذا الجزء أن العلمانية لفظ وصفي وأن مضمونه وما يعبر عنه وجد قبله بقرون، أي أن الظاهرة العلمانية وجدت في التاريخ قبل أن يتنبه إليها البشر ويطلقوا عليها هذه الكلمة “16”، ما يضفي الكونية على الظاهرة العلمانية كما هو الحال مع الظاهرة الدينية، و بذلك تتحدد دلالتها في أنها موقف من التمايز (الانفصالات بين الحقول الاجتماعية) لا من التمايز ذاته، وهي أساس للتقدم الإنساني وموقف إيجابي من انحسار الدين في مجاله باعتباره دينًا وليس شيئًا آخر، وبالمقابل تكون “العلمنة” سيرورة تاريخية يشهد التاريخ بواقعيتها، على اعتبار أنها عملية تطور للمجتمعات الإنسانية سمتها الأساسية هي الدُّنْيَوة، دنوية الوعي والممارسة البشرية لناحية وعي كون هذه الممارسة بشرية دنيوية، بالإضافة إلى أنها سيرورة تمايز عناصرها الدينية عن غير الدينية و تحديد مجال نفوذ كل منهما “17”.

في هذا المجلد 1 من الجزء 2 درس عزمي بشارة مجموعة من الأحداث الكبرى في تاريخ أوروبا؛ كعصر النهضة وحقبة النزعة الإنسانية، وكذا حدث الإصلاح الديني وظهور المذهبية الدينية، وبروز ظاهرة الدولة القومية بدل الدولة الإمبراطورية، بالإضافة إلى عصر الأنوار، فمن خلال تفكيك هذه السيرورة يستنتج بشارة أن كل هذه الأحداث كانت لحظات مشهودة في تطور العلمانية في أوربا “18”، إذ يقول مثلًا عن الإصلاح الديني في أوروبا وعلى رأسه زعيمه الشهير مارتن لوثر: إنه لم يكن علمانيًا و لكنه فتح بإصلاحه ذاك الطريق أمام العلمانية. “19”

إعلان

كما أن النزعة الإنسانية التي عملت على التبشير بإمكانات وكفاءات الإنسان و دقواه المبدعة، كل ذلك أكسب الإنسان الأوربي وعيًا حرَّره من ثقافة القرون الوسطى، واتجه بفضله نحو تشكيل ثقافة ومجتمعات جديدة منفصلة عن بنيات ثقافة ومجتمعات القرون السابقة “20” تبعًا لذلك، و بإزاء هذه  التغيرات الاجتماعية والسياسية الجذرية يستقصي ع.بشارة التغيرات الفكرية والعلمية التي واكبت أو وجهت نسبيًا هذه التغيرات، أو التي حللتها وحاولت فهمها، وهنا سيعرض الباحث طائفة من النظريات الفلسفية والعلمية التي اهتمت بالواقع الجديد منذ كانط وهيغل إلى ماركس و نيتشه، ومن فرانسيس بيكون وتيوتن إلى أوجيست كونت، حيث أصبحت العلمانية في القرن الذي عاش فيه هذا الأخير (19م) آيديولوجية وظاهرة طافية في المجتمعات الغربية، واكبتها أفكار علمية وعلموية شتى كالمادية الجدلية والفلسفة الوضعية “21”.

اقرأ أيضًا: العقلانية والدين عند كانط

وهكذا فإن عصر النهضة والنزعة الإنسانية والإصلاح الديني بما تحمله هذه الأحداث من تغيرات جذرية في مجالاتها، يجسد الدرج الأول لسيرورة العلمنة التي تقع مبدئيًا في شكل انفصالات في نسق الثقافة عن ما هو قديم، ثم بعد ذلك انتقلت التغيرات أو سيرورة العلمنة إلى باقي حقول المجتمع خصوصًا العلمي، حيث ستشهد أوربا تشييد بناء إبستيمولوجي للعلوم قطع كليًا مع البناء الإبستيمولوجي لعلوم القرون الوسطى الذي كان يتأسس على مقولات الكتب المقدسة والأنبياء “22”، ثم شهدت القارة العجوز بعد ذلك حدوث ثورات سياسية “23” وتغيير الأنظمة وقواعد الممارسة السياسية باتجاه تقدمي مختلف كليًا عن قواعد وأشكال الممارسة السياسية التي كانت سائدة في القرون الوسطى، فواكب ذلك أو نتج عنه ثورة صناعية (اقتصادية في القرن 19م) و بعده ثورة علمية في القرن 20م وتوِّج بثورة تكنولوجية ورقمية في عصرنا الراهن، وكلًا من الثورات الأربع (السياسية- الإقتصادية- العلمية- التكنولوجية) سرعت من وتيرة سيرورة العلمنة في المجتمعات المعاصرة.

و تبقى في هذا الجزء أهم إضافة وهي تبيان بدقَّة متناهية منشأ وكيفية نشوء الظاهرة العلمانية من بدايتها في نسق الثقافة مرورًا بحقول المجتمع وصولًا إلى أهمها وأكثرها تأثيرًا؛ وهو حقل السياسة، إذ يعتبر هذا المجلد بحقٍ تطبيقًا و تجسيدًا للأفكار النظرية التي طُرحت في الجزء الأول، وهو ما يبين التسلسل المحكم و الحبكة المتقنة لهذه الدراسة العلمية.

نرشح لك: من التديُّن الكلاسيكي نحو التديُّن المُعاصر

إحالات ومراجع :

(1) عزمي بشارة، "الدين و العلمانية في سياق تاريخي- الجزء الأول الدين و التدين"، المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات، الدوحة-بيروت 2013 ، ط1، صـ 17-117-303-336.

(2) خزعل الماجدي، علم الأديان، منشورات مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الرباط-بيروت 2016 ، ط1، ص 33-37 .

(3) عزمي بشارة، "الدين التدين" ج1 ، المرجع "1" ، صـ 171-232.
(4) المرجع السابق، صـ 186 .

(5) سابيينو أكوافيفا و إنزو باتشي، علم الإجتماع الديني- الإشكالات و السياقات، ترجمة عز الدين عناية، هيئة أبو ظبي للثقافة و التراث، مركز كلمة ،أبو ظبي 2011، الطبعة الأولى، صـ 63.

(6) Tillich Paul, "Theology of Culture", Edited by Robert C. Kimball. (New York: (Oxford University Press, 1959) ,p 7-8.

(7) Jonathan Z. Smith , "Religion, Religions Religious" , in "Critical Terms for Religious Studies", Edited by Mark C. Taylor , EDITORIAL ADVISORY BOARD , (The University of Chicago Press, 1998), p 281.
(8) عزمي بشارة ، "الدين التدين" ج1، المرجع السابق ، ص 290 و ما بعدها .

(9) ليس أقل المفكرين العرب الكبار الذين يتبنون هذا المنظور "محمد عابد الجابري" .. انظر كتابه ، "الدين والدولة وتطبيق الشريعة" ، (سلسلة الثقافة القومية 29، قضايا الفكر العربي 4)، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت لبنان 1996 ، ط1 ، ص 110 .

(10) عزمي بشارة ، "الدين التدين" ج1 ،المرجع السابق ، ص 206-207-208 و ما بعدهم .
(11) نفسه ، ص 422.

(12) تعقيب عزمي بشارة عن مداخلات الأساتذة الباحثين في ندوة: "تقديم و مناقشة ثلاثية الدين و العلمانية في سياق تاريخي" ، تونس فبراير 2016 ، منشورات المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات الإلكترونية ، ص 87.. كما ورد في ، "الدين التدين" ج1 ، ص 407 .

(13) باتريك هاني، "إسلام السوق" ، ترجمة عومرية سلطاني ، تقديم هبة رؤوف عزت ، مدارات للأبحاث و النشر ، دبي 2016 ، ط 1 .

(14) Mohammed El Ayadi , Hassan Rachik , Mohamed Tozy , "L’ISLAM AU QUOTIDIEN Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuses au Maroc" , Editions Prologues, Casablanca 2006, p 196.

(15) أوليفييه روا ،الإسلام و العلمانية ، ترجمة صالح الأشمر، دار الساقي ، بيروت 2016 ، ط 1 ، ص 36 .

(16) عزمي بشارة ، "الدين والعلمانية في سياق تاريخي"- الجزء الثاني/المجلد الأول ، المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات ، بيروت 2015 ، ط 1 ، ص 41 .

(17) المرجع السابق، صـ 41
(18) ع.بشارة ، الجزء الثاني/المجلد الأول "العلمنة و العلمانية الصيرورة الفكرية"، م.س.ذ ، ص 101-356 .
(19) المرجع السابق، ص 193 .
(20) ع.بشارة ، الجزء الثاني/المجلد الأول ، م.س.ذ ، ص 179 و ما بعدها.
(21) المرجع السابق، ص 679-700 .
(22) المرجع السابق، ص 357 و ما بعدها .

(23) حسب تحليلات "ألكسيس دو توكفيل" فإن المجتمع الفرنسي (كمجتمع علماني) عرف عدة تغيرات اجتماعية بنيوية تمثلت من الناحية الاقتصادية في الإنتقال من الفيودالية إلى الرأسمالية، و في الثقافة من التفكير الأسطوري إلى التفكير العلمي ، و في العلاقات الإجتماعية من التأسيس على قاعدة الدين و الإيمان إلى التأسيس على قاعدة المواطنة و الإنسانية، غير أن الحقل الوحيد الذي لم يواكب هذه التغيرات و بقي دون تغير هو "الملكية الفرنسية"، و من أجل تغييرها بنيويا قام الفرنسيون بثورة 1789م ، ما يعني أن الثورة السياسية هي نتيجة أو محفز باتجاهها ما وقع قبلا من ثورة ثقافية و اجتماعية .. انظر كتابه ، "النظام القديم و الثورة" ، ترجمة خليل كلفت ، المركز القومي للترجمة ، القاهرة 2010 ، ط1

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.