تأخذك إلى أعماق الفكر

كريم البكري يكتب للمحطة الدماغ التي تبحث عن كل ما ھو « إسلامي »

لماذا یعتبر بعض الشیوخ أنفسھم أطباء نفسیین؟
ما علاقة الإسلام بالأفراح حتى نجد فرحا إسلامي ًا؟
«سوء تعلیم + تجریف ثقافي + تیارات متسلفة = دماغ المواطن المصري الآن»، طیب ومالھا دماغ المواطن المصري؟ زي الفل یا سیدي، ولكنھا مشغولة دائمًا بالدین، تبحث عنھ في كل شيء واللاشيء، تقحمھ في أمور لا تخصھ من قریب أو بعید؛ قد لا تكون ھذه المشكلة، ولكن المشكلة في نوعیة الدین الذي یدمنھ المواطن ویورثھ لجیل عقب جیل.

التردي الثقافي الذي شھده المواطن المصري خلال العقود الماضیة، جعلھ یبحث عن الشیوخ في كل المجالات، بدایة من الفتاوى الدینیة والبحث عن الحلال والحرام، مرورا بالاستشارات النفسیة، وصولا للأمراض العضویة.

رجل الدین في مصر –وبالأخص في القرى- لدیھ سلطة شعبیة غیر مسبوقة، تجعلھ بمثابة «مفتي الدیار الریفیة»، بیده أن یحلل ویحرم ویفسر وینصح ویتدخل ویفرض رأیھ أیضًا في بعض الحالات؛ وغالبا المواطن البسیط لا یستطیع أن یعارضھ أو یفكر حتى في حدیثھ، فھو یظن أن معارضة «رجل الدین» تعد أحد أوجھ معارضة الله عزّ وجلّ وإغضابھ.

أحد الأصدقاء في مرة سأل: «لماذا لا أسمع عن شخص فرنسي راكبھ عفریت؟ أو مواطنة إسبانیة عاملة عمل لطلیقھا؟ أو فتاة إنجلیزیة اصطادت عریس بعمل من أبو 200 جنیھ؟ أو شخص سویدي عمل سحر أسود لآخر خطف حبیبتھ منھ؟»، والإجابات أكدت أن العالم كلھ بھ معالجین روحانیین یعالجون مثل ھذه الحالات ولكن وسط تكتم شدید، بینما الحقیقة تكمن في أن ھذا المجتمع متعلم، ونحن وبكل أسف وأسى ضحیة التجریف الثقافي وسوء التعلیم والتیارات الدینیة المتسلفة فكرًا ومتشددة سلوكًا.

وكذلك الدین یكون حاضرًا وبقوة حال مناقشة ملف «الانتحار»، فسرعان ما تسمع عبارات «حرام – مات كافر – یأس من رحمة الله – المُنتحر سیدخل النار بدون حساب»، وتصدر ھذه الأحكام بغض النظر عن التفكیر في الصراع النفسي والذھني الذي عاشھ الشخص قبل الانتحار، فالطبیعة البشریة الآن تنجرف وراء الحرام والحلال ولا تنشغل بأي شيء آخر.

إعلان

في إحدى المرات، وجدت إعلانًا عن ندوة دینیة لمواجھة «الانتحار»، وكان المحاضرون جمیعھم من أصحاب اللحى، وبرنامج الندوة یدور حول التأمل في رحمة الله، وضرورة التعلق بھا وعدم الیأس منھا في أسوأ الظروف والأحوال، بالإضافة إلى تمارین عبارة عن «أذكار وصلوات» یلجأ لھا الشخص إذا فكّر في الانتحار، والغریب أن ھذه الندوة لم یكن بھا طبیبًا نفسیًا واحدًا، بل برنامج الندوة كلھ خلى من كلمة «علم النفس»، وربما إذا تحدثت مع أحد محاضري الندوة لقال لك إن علم النفس اُستنبِط أصلا من القرآن الكریم ولا یوجد علاج نفسي أفضل من القرآن والصلاة.

مع كامل التقدیر طبعًا للعلاقة الروحانیة بین الإنسان وربھ، ولأھمیة الصلاة وقراءة القرآن، لكن الله سبحانھ وتعالى قال: «وَفِي الأَرْضِ آیَاتٌ لِلْمُوقِنِینَ* وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ»؛ ما یؤكد ضرورة التدبر وإعمال العقل والتفكیر في الحلول كافة قبل البحث عن الدین، وإقحام السحر والحسد والجن والعفاریت والأعمال في القضیة.

في سیاق لیس ببعید عما مضى، نظم قطاع السجون، ندوة دینیة لنزلاء لیمان طرة، حاضر فیھا الدكتور مجدي عاشور مستشار مفتى الجمھوریة، وكان ذلك تنفیذًا لتوجیھات وزیر الداخلیة باستمرار دعم سیاسة الوزارة فى إعلاء حقوق الإنسان، وإضافة رصید وفیر من الاھتمام بأوجھ الرعایة المختلفة للمسجونین وخاصة الرعایة الاجتماعیة والدینیة وتوثیق أواصر الصلة بینھم والمجتمع الخارجي.

ولا أعلم لماذا أیضًا فكرت وزارة الداخلیة في تھیئة المسجونین دینیًا، فتلك الندوة لن تصبح سوى دقائق رتیبة تمر مثلھا مثل أي حدیث مع مسؤول أمني داخل السجن، فالسجن في مصر أشبھ بمصنع القنابل الموقوتة، فربما یدخلھ المجرم لیعاقَب عن جریمة ارتكبھا –عن قصد أو بدون قصد- ویخرج أكثر إجرامًا بل وتتوطد علاقتھ بالمجرمین الذین عرفھم في السجن، لیجد نفسھ في بیئة جدیدة تنتھج الإجرام وتعتاد علیھ.

اوعوا تصدقوا إن السجن في مصر «إصلاح وتھذیب»، بل ربما ھو العكس تماما؛ فالأجھزة الأمنیة أول من تشتبھ بھم في أي قضیة أخرى ھم ھؤلاء الذین أصلحتھم وھذبتھم خلف الجدران، كما أن ما یتعلمھ المذنب داخل السجن من صناعات حرفیة –إذا تعلم أصلا- حتمًا لن تفیده عندما یخرج من السجن ویحتك بالحیاة العامة، فالمجتمع ترسخ لدیھ ثقافة التعالي على ھذا المذنب، وأصبح یصم كل من ارتدى البدلة الزرقاء وصمة سیئة تجعلھ یأبى أن یتعرف علیھ أو یتزوج أحد من أقاربھ؛ ما یجعل المذنب یظل سجینًا داخل المجتمع حتى بعد خروجھ من السجن، فما ھي جدوى الندوات الدینیة الآن؟!

السجن لا یعني أبدًا تجاوز الإنسانیة، فبحسب ما أقره القانون الدولي «98/23 «الخاص بحقوق السجین داخل المؤسسة السجنیة المنوطة بتنفیذ العقوبات السالبة للحریة، فإن علیھا تزوید كل سجن بمكتبة مناسبة لمختلف فئات السجناء تضم قدرا وافیا من الكتب الترفیھیة والتثقیفیة على السواء؛ ولكني أجزم أن مكتبات السجون –إذا كانت موجودة أصلا- أشبھ بمكتبات
المدارس الحكومیة التي تراكم التراب فوقھا، ولم یقترب منھا أحد سوى أمین المكتبة المسؤول عن جردھا كل فترة.

في المملكة المتحدة، عمل مجموعة من الباحثین البریطانیین على كیفیة تغيير سلوك السجین من خلال القراءة، وفي نوفمبر عام 2013 بدءوا بحثھم من خلال الاتصال بجھات مسئولة عن سجون في بریطانیا، وأجروا تجارب في السجون بجمیع أنحاء المملكة تحت مسمى «تحدي الكتاب»، واستخلصوا من ھذه الدراسة أن القدرة على القراءة والاستمتاع بالكتب یساھم في الحد من الإخلال بالنظام مرة أخرى وإعطاء السجناء فرصة جدیدة للحیاة، تلك التجربة التي انتقلت إلى البرازیل بشكل أكثر احترافیة وتوسع عن طریق برنامج الخلاص بالقراءة، ونحن الآن مازلنا نبحث عن تقدیم الندوات الدینیة المعتادة والمألوفة للمساجین.

شعار حقوق الإنسان الذي تردده الداخلیة حقًا أصبح بلا معنى ولا قیمة، فالإنسان المصري لا یجد حقوقھ خارج السجن وقسم البولیس حتى یبحث عنھا داخلھ، ولكن ما علاقة حقوق الإنسان بندوات الدین الإسلامي التي قدمتھا وزارة الداخلیة؟ أم أن الوزارة تبحث عن أي فاعلیة كاذبة من أجل التغني بدیمقراطیتھا وحسن معاملة مسجونیھا؟

أصبحنا نبحث عن كل ما ھو إسلامي ، وأصبحنا نقحم الإسلام في كل شيء حتى نقنع البسطاء، فالإسلام لا علاقة لھ بالبنك حتى نجد «بنكا إسلامي ًا»، وتفشت الظاھرة حتى أصبحنا نجد: «حمامًا إسلامي ًا، مایوهًا إسلامي ًا، طبیبًا إسلاميً ا، فرحًا إسلامي ًا»، وكأن الإسلام حرّم الحیاة.

لا أحد یستطیع نبذ الندوات الدینیة أو رفضھا، سواء داخل السجون أو خارجھا، ولا أحد یستطیع تجنیب الإسلام من حیاتنا الیومیة، ولكن لا یجب اختذال كل شيء في الدین، ولا یجب إقحام الدین في ملفات ھو أسمى منھا، ولا یجب أن یضیق الأفق حتى یصبح نصدق كل ما یحمل اسم « إسلامي » أو یرتدي زي رجال الدین.

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

إسرائيل الأخرى “أولى الفرص الضائعة لتفادى نكبة الشعب الفلسطيني”

العلوم الزائفة كيف ظهرت أشباه العلوم .. ولماذا يقبل الناس عليها

كيف أقامت ستاربكس شركتها فنجانا فنجانا .. قراءة في كتاب “صُبها بعشق”

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.