تأخذك إلى أعماق الفكر

الجزء الثالث من سلسلة الوعي

الوعي وعلم النفس

2. تنشأ الخلافات الكثيرة حول الوعي من أن التفسيرات تبدأ من منطلق خطأ، فهى تتبني “الثنائية” إما ثنائية ديكارت السافرة التي لا تجد علاقة بين الجسد والعقل، وإما ثنائية ضمنية تعتبر الوعي ملكة مخية لا توصف، وفي كلتا الحالتين، يعتبر الوعي حالة أو وظيفة من وظائف المخ.

3. إن الفصل بس “الذاتي والموضوعي” فصل متوهم، وينبغي فهم العلاقة بينهما بشكل أعمق، إذ لا يمكن تحقيق الموضوعية دون ملاحظ ذاتي.

4.تتصدى لتفسير نشأة الوعي مجموعتان من النظريات، “نظريات انقطاعية” تتبنى أنه عندما وصلت أمخاخ الكائنات إلى درجة معينة من التعقيد تم التشغيل وبزوغ الوعي، ويبقى السؤال: لماذا حدث ذلك عند هذه الدرجة من التعقيد؟ والمجموعة الثانية هي “نظريات استمرارية” تتبنى أن الوعي كيان أساس في المادة، وأن التطور البيولوجي المادي قد صحبه تطور تدريجي في الوعي، أي ليس هناك نقطة معينة بزغ عندها الوعي فجأة، ويعتبر ماكس فيلمانز من هذه المدرسة.

5. الوعي سمة أساس في الوجود، وقد بزغ الوعي الإنساني المتميز بسبب السمات الخاصة لأمخاخنا.

6. إن إدراكنا للعالم هو نتيجة لتفاعل عمليات مخية مع طاقة حقيقية في العالم، ومن ثم لا يوجد فصل بين العالم المحيط بنا وبين خبرتنا به.

إعلان

7. إن العالم الذي نخبره كخبرات ذاتية هو عالم فيزيائي حقيقي موجود بشكل مستقل، وهذا ما يعرف بـ”الواقعية النقدية أو الحرجة”.

8. بالرغم من أن كلًا منا يسير هنا وهناك كأجساد منفصلة إلا أن لدينا الشعور بأننا كيان واحد وهذه هي الواحدية الانعكاسية وهي كما يشرح فيلمانز: حيث يقول دعنا ننطلق من نظرية الانفجار الكوني العظيم التي تفسر نشأة الكون: لقد كان كل شيء خاصًا بنا، أجسادنا، مادتنا، خبراتنا، أفكارنا. كل ذلك مخزون في هذه المفردة لا نهائية الصغر ولا نهائية الكثافة، والتي انفجرت معلنةً ميلاد الكون، ثم تمدد الكون ثم تمايز ثم نشأ كوكبنا الذي ظهرت فيه الكائنات الحية وتطورت وارتقت حتى ظهرنا نحن، والشيء المدهش في حياتنا، أنه بالرغم من أن كل منا يسير هنا وهناك كأجسام مستقلة إلا أن لدينا الشعور بأننا شيء واحد، معنى ذلك أن الكون قد تمايز إلى جزيئات صغيرة لديها القدرة على إدراك “الكلية” وهذه الواحدية الانعكاسية ببساطة.

9. الزومبي الفلسفي غير ممكن واقعيًا في كوننا، لكن يمكن تصوره منطقيًا، لذلك يمكن وجوده في كون تختلف قوانينه الطبيعية عن كوننا.

10. الشعور بحرية الإرادة هو شعور حقيقي أصيل، فبالرغم من أن تحديد ما نرغب فيه تشكله عوامل خارجية وداخلية كثيرة، يظل هناك مجال واسع من النشاطات التي نمارس فيها اختيارًا حقيقيًا يمكن أن نتحمل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية.

5. بترا ستويرج والإبصار الأعمى

درست الفلسفة العصبية في ميونخ وحصلت هناك على الدكتوراه عن مشكلة العقل-الجسم عام 1982، وقد مكّنها ذلك من البحث في الفلسفة وعلم النفس الطبي بالإضافة إلى ظاهرة “الإبصار الأعمى” (سنشرح بالتفصيل هذا المصطلح في النقاط القادمة) وتشتمل اهتماماتها البحثية أيضًا على مجالات الأسس العصبية للوعي والفلسفة العصبية والإبصار الواعي، عملت في أكسفورد ومونتريال وعدد من الجامعات في ألمانيا، وشغلت كرسي علم النفس البيولوجي التجريبي في جامعة هنريخ-هين بدسيلدورف.

آراؤها في عدة نقاط:

1.الوعي هو الخبرة الذاتية، وهو الذي يضفي على الحياة معنى، وبدونه لا يكون الإنسان إنسانًا، وترجع صعوبة المشكلة إلى أن علينا أن نعرف لماذا اكتسبنا الوعي، وما نفعله، وكيف نشأ.

2. لا وجود للخبرة الذاتية دون الكواليا، ونحن ندرك بشكل مباشر، ومن ثم لا نعرف كيف تدرك الكائنات التي تختلف حواسها عن حواسنا، لذلك تُعتبر الخبرة الذاتية والكواليا قضية فلسفية صعبة.

3. إن كانت الخبرة الذاتية لا توصف، فإننا نستطيع الحديث عنها مع الذين يشاركوننا إدراك الاشياء.

4. في الإبصار الأعمى لا تكون للشخص خبرة بصرية لكنه يستطيع التعامل مع الأشياء، ويتحسن هؤلاء مع المزيد من التدريب، وربما يتمكنون من الإبصار، من يدري؟ وتشرح بترا حالة “الإبصار الأعمى” وهو الذي تُفقد فيه خبرة إبصار الأشياء، وذلك بسبب إصابة في قشرة المخ مما يسبب عمى قشريًا، إن المرضى الذين يُتعامل معم يعانون جميعًا إصابة في القشرة البصرية الأولية أو الداوائر العصبية التي تغذيها، وهذا العمى القشري قد يشمل المجال البصري كله أو منطقة منه تبعًا لمدى الاصابة.

ولأن هذه الإصابة تكون في مؤخرة المخ وبعيدة عن العينين، فإنها تترك مسارات عديدة أخرى سليمة تمتد من العينين إلى المخ، لذلك بالرغم من أن المريض يخبرك بانه لا يستطيع رؤية أي شيء في هذا الجزء من المجال البصري، فإن الكثير من المعلومات البصرية يدخل إلى الجهاز البصري من خلال المسارات السليمة، وتتم معالجة هذه المعلومات بحيث يستطيع المريض الاستجابة لها بالرغم من أنه لا يراها، لقد درست بترا هذه الحالات لفترات طويلة لاهتمامها الكبير بالتوصل إلى أهمية الوعي ودوره وقد حاولت معرفة الأشياء التي لا يستطيع هؤلاء المرضى فعلها بسبب افتقادهم للخبرة الذاتية البصرية، مثل إدراك الخضار وغيره، سواء بشكل كامل أو في جزء من المجال البصري.

5.الزومبي خيال فلسفي يستحيل وجوده بيولوجيًا، ذلك أنه يستحيل لكيان ما أن يسلك مثلنا أن تكون له خبرة ذاتية.

6. من الصعب كثيرًا معرفة إن كانت الكائنات المختلفة عنا كثيرًا واعيةً أم لا، لكن الحيوانات القريبة منا تتفق معنا في بعض جوانب الوعي وتختلف عنا في جوانب أخرى.

7. لقد اعتدنا أن ننفي أن للكائنات الاخرى “ذات” بالرغم من وجود الأدلة التي تخالف ذلك، بل إن الكائنات وحيدة الخلية لها شعور بالذات ضروري للمحافظة على حياتها، لكننا لا نعرف إن كان لها وعي أو أفكار.

8. ليس هناك مبرر لقصر الشعور بالذات على الإنسان، بل قد تكون هناك كائنات أخرى تفوقنا في ذلك، وبدلًا من الاهتمام بتميزنا علينا السعي لمعرفة ما الذي يعوق معرفتنا بذواتنا.

9. لا ندري إن كان هناك وعي ممتد بعد الموت أم لا.

6. ستيفن لابرج والأحلام الجلية

وُلد في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1947، درس الرياضيات والفيزياء الكميائية، ثم انقطع عن الدراسة لفترة عاد بعدها للبحث للحصول على الدكتوراه في علم النفس الفيسيولوجي من جامعة ستانفورد وأثبت من خلال أبحاثه الرائدة أن الأحلام الجلية (قمنا بشرحها) تحدُث في أثناء نوم حركات العين السريعة REM. واستكمل أبحاثه في ستانفورد عن علاقة الأحلام الجلية وعمليات النفس الفسيولوجية بالوعي، وأسس معهد الأحلام الجلية عام 1988، وله عدة مؤلفات أهمها: “الأحلام الجلية” عام 1985، “استكشاف عالم الأحلام الجلية” عام 1990.

تلخيص آرائه حول الوعي:

1. له توجهات روحانية، درس العلوم الطبيعية، ثم استخدم عقار LSD المهلوس فنبّه إلى وجود عوالم أخرى طافحة بالمعنى والجمال والتعقيد، ثم أدرك أن تبدلات ما يرى إنما ترجع إلى تبدل نظرة العقل للعالم الذي سيظل غامضًا، لذلك اهتم بدراسة فسيولوجيا النفس.

2. عمليًا، أثبت أن الأحلام خبرات ذاتية واعية حقيقية، أي أننا نكون واعيين في أثناء النوم، وهذا يدحض القناعة القديمة باستحالة ذلك.

3. الأحلام الجلية هي الأحلام التي ندرك أثناءها أننا نحلم، وفي مرحلة الاستيقاظ من هذه الأحلام يبدو الواقع زاهيًا وأكثر جمالًا ووضوحًا، وقد يرجع ذلك إلى تركيزنا الزائد على الواقع.

4. يمكن في حالة الجلاء التحكم في أحداث الحلم، في حدود معينة وليس بشكل مُطلق.

5. إن الواقع مثله مثل الأحلام ومثل برامج التلفاز، ليس إلا توهمًا، لكن الحقيقة تتجلى فيه.

6. في عالمنا الواقعي، تتفاعل الخبرات العقلية لكل منا مع خبرات الآخر في هذا المكان الثالث الذي هو العالم الفيزيائي، لذلك ليس من المنطقي أن نفكر في العوالم العقلية باعتبارها منفصلةً تمامًا عن العالم الفيزيائي بل هما نفس الشيء، لكننا نرصده من زاويتين مختلفتين.

7. مثلما نستيقظ من النوم في أثناء الحلم وندرك أنه حلم، فسنستيقظ من حياة اليقظة وندخل في حياة جلية، يحدث ذلك بالاستنارة في الحياة عند بعض المتدينين كما يحدث لنا جميعًا بالموت.

8. إذا كنا في واقعنا متمايزين إلى أنا وأنت، ففي الاستنارة تتلاشى الذوات المنفصلة ولا يتبقى إلا “الأنا الكلي المدرك” عندما يتلاشى التعدد ويبقى الأصل الواحد، وهذه مفاهيم صوفية تقوم على الإيمان بالإله الخالق.

9. إن علمًا عن الوعي ينبغي أن يشتمل على دراسة الأحلام الجلية والتصوف والتسامي ومن يخبر هذه الخبرات ليس بحاجة ليقدم الدليل الموضوعي عليها، فذلك الدليل مطلوب على ما ليس لدينا خبرة به.

10. ينبغي التوصل إلى بديل ثالث، يجمع بين النظرة الموضوعية الصرفة التي يتبناها الغرب وبين الخبرات الذاتية التي تهتم بها حضارات الشرق.

11. يتوقف الإقرار بالإرادة الحرة أو إنكارها على النظرة إلى الذات، فإذا نظرنا إليها باعتبارها ذاتًا خارجةً عن إدراكنا فليست هناك إلا الحتمية، وإذا نظرنا إلى الذات من جانب خبرتنا الذاتية بها فهناك إرادة حرة.

12. عندما سُئل عن كيفية استخدام حركة العينين كإشارة للأحلام الجلية أجاب أن المشكلة هي كيف يعرف اللحظة التي يحلم فيها الشخص وأن يعرف في أي مراحل النوم هو”، ففي أثناء النوم الريمي: نوم حركات العين السريعة يشغل حوالي 25% من فترات نومنا يتسم بحركات العين وزيادة معدل التنفس وزيادة نشاط المخ في أثنائه تكون معظم عضلات الجسم مشلولة خاصةً عضلات النطق وعضلات الحركة، لكن عضلات التنفس لا تكون مشلولةً ومن ثم يمكن الحكم بمراقبة حركة التنفس أيضًا، لكن حركات العينين هي الطريقة الأسهل.

إن هذا النمط من الشلل يرجع إلى ضغوط انتخابية تطورية، فحركات العينين لا تجعل الحالم يسقط من فوق الشجرة، ومن ثم بقيت كرابطة بالعالم الخارجي في أثناء النوم الريمي العميق، وقد أثار استخدام ستيفن حركة العينين لإثبات الأحلام الجلية مشكلة، ففي أثناء محاولة لنشر بحثه في مجلة ساينس قال أحد المُحكمين: “إن هذه طريقة مبتكرة تمثل تقدمًا علميًا كبيرًا” ولكن مُحكم آخر قال: “لا أدري تمامًا طبيعة الخطأ في هذه الدراسة، لكن لا يمكن أن تكون هذه النتائج صحيحةً لأنها مستحيلة، لذلك ينبغي رفض نشر البحث”، وهذا ما حدث بالفعل، ثم قدم البحث لمجلة “نيتشر” التي وصفته بأنه غير مثير للاهتمام.

وقد استغرق الأمر عامين حتى عثروا على مجلة تقبل نشر البحث وكانت هي مجلة “مهارات الإدراك والحركة” وهي مجلة من المستوى الثاني، مهتمة بأبحاث النوم والأحلام، وكان ذلك بعد عدة مراجعات أجابوا فيها على العديد من الاعتراضات بعدها أعلنت المجلة رأيها بأن نتائج البحث صحيحة وهو ما وجد الناس صعوبةً في تقبله، وما زال الكثير من الباحثين لا يستوعبون نتائج هذه التجارب التي من أهمها القدرة على تحديد حدث ما في أثناء حلم جلي يثبت أن الأحلام تمثل خبرات واعية في أثناء النوم.

ومع ذلك لا زال البعض يتبنون نظرية الكاسيت: وهي نظرية تعترض على اعتبار أن الأحلام تمثل خبرة واعية في أثناء النوم وهي في نظر ستيفين لابرج نظرية خيالية للأحلام أطلقها دانييل دينت.

سلسلة الوعي: مقاربات فلسفية ونظرة تطورية لأصل الوعي

الجزء الثاني من سلسلة الوعي “الوعي والفلاسفة”

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: خالد أبو الخير

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.