تأخذك إلى أعماق الفكر

الجاحظ بالعامِّية!

ترجمة مقدمة كتاب (البخلاء) للجاحظ إلى العامية المصرية

والكتاب ده هيبدأ برسالة (سهل بن هارون)، وبعد كدا نُكَت عن أهل (خُراسان)، علشان الناس قالوا كلام كتير عن أهل (خراسان).

وانت هتطلع من الكتاب ده بـ 3 حاجات:

– تعرف حجّة ظريفة من حِجَج البُخَلا.

– تعرف خدعة مستخبِّيَّة.

– تقرا قصة غريبة.

إعلان

وبرضه الغرض من الكتاب انه يضحكك وقت ما تبقى عايز تنبسط، ويسلّيك لما تتخنق من روتين الحياة الممل.

وأنا شايف إن العياط برضه مناسب لطبيعة البشر، ونتايجه كويسة، ما دام جه في وقته، وما تجاوزش الحد المعقول، ولا الغرض الأساسي اللي علشانه نزلت الدموع. وهو كمان دليل على الرقة، والبعد عن القساوة، وممكن يعتبر برضه من أشكال الوفاء وشدة حبك للناس القريبين منك. وهو برضه من أعظم الحاجات اللي المتدينين بيتقربوا بيها لربنا، وبيطلبوا بيها منه الرحمة وهم خايفين من عذابه.

ومرة واحد من الحكماء قال لراجل كان متضايق جدًّا من عياط عيِّل من عياله الصغيّرين: ما تتضايقش. العياط ده هيوسَّع له زوره، ويقوّي له نظره.

ومرة (عامر بن عبد قيس) ضرب عينه بإيده، وقال: مليانة قساوة. دي عمرها ما بتدمّع.

ولما الناس شافوا (صفوان بن محرز) دايمًا يعيَّط ويفتكر أحزانه، قالوا له: كُتْر العياط هيخليك تِتعمِي. فقال لهم: تبقى كدا عينيَّا ماتت شهيدة. وفعلًا عيَّط لحدّ ما اتعمَى!

وفيه أشخاص كانت الناس بتحيّيهم على كتر العياط زي (يحيى البكَّاء) و(هيثم البكَّاء). و(صفوان بن محرز) الاخر كان اسمه (البكَّاء).

وإذا كان العياط – اللي بيخلي الشخص طول ما دموعه نازلة، عايش في بلوة، وممكن يِتعمِي ويتجنّن، والناس تفتكره راجل خيخة، وبيموت مِ الخوف، والناس يشبّهوه بالجارية العبيطة، أو العيِّل الجبان – إذا كان العياط كدا، فإيه رأيك بقى في الضحك اللي بيخلي الشخص في قمة الانبساط لحد ما سبب الضحك ينتهي؟ ولو كان الضحك حاجة وحشة من اللي بيِضْحَك ومن اللي بيضَحَّك، ما كانش الناس وصفوا الوردة والملاية اللفّ والمجوهرات والقصر الفخم، بإنهم كأنهم بيضحكوا ضِحك! وربنا قال: {وهوَّ اللي بيخلِّي الناس تِضحَك ويخلِّيهم يعيَّطوا. وهوّ السبب في موتهم، وفْ حياتهم} فتلاقي ان ربنا في الآيتين دول حطّ الضحك قصاد الحياة، والعياط قصاد الموت؛ وربنا طبعًا ما بينسبش لنفسه حاجة وحشة، ولا بيمنّ على الناس علشان همَّ ناقصين وهوَّ كامل؛ فعلشان كدا ما كانش فيه مشكلة انه ينسب لنفسه إنه يكون السبب في إن الناس تضحك.

وازاي ما يكونش الضحك مقامه كبير في الترويح عن النفوس، وفي تحسين الطباع، وهو في الأساس شيء موجود في تركيبك كإنسان، لأن الضحك هو أول سلوك إنساني ملموس ومفهوم بيظهر على الطفل لما يبدأ يكبر، وعلى أساسه بتحسّ انه ما بيشتكيش من حاجة، وتشوفه قدامك بيكبر ويتخن ودمه يكتر؛ والدم طبعًا هو سبب السرور والعافية.

وعشان الضحك من السلوكيات المفضلة عند العرب، تلاقيهم بيسموا ولادهم: الضحَّاك وبسَّام وطَلْق وطليق. والرسول عليه الصلاة والسلام ضِحِك وهزَّر، والناس الطيبين برضه ضِحْكوا وهَزَّروا. والعرب كانوا لما يحبوا يعظموا من حَدّ كانوا يقولوا عليه: سنانه بتضحك، أو إنه مَرِح مع الناس لما يِتساهِر معاهم بالليل، أو إنه بشوش مع الضيوف، أو إن صدره واسع وباله طويل. ولما كانوا يشتموا كانوا يقولوا: ده كِشَري، أو كالِح، أو وشه مقلوب، أو خِلْقته كأنها بتشتمك، أو هو دايمًا مكلضم، أو شخص مقرف، أو وشه مكشكش أو حامض، أو كأن حدّ راشش على وشّه خل!

والضحك طبعًا ليه وقت وحدود، والهزار ليه وقت وحدود، بحيث إنه لو زاد عن حدّه يبقى هَبَل، ولو قل عن حدّه يبقى رخامة. فالناس ما هاجموش الضحك ولا الهزار كدا والسلام، لأ كان فيه ضوابط للهجوم ده، بحيث ان الهزار يبقى ليه هدف، والضحك يكون على حاجة تستاهل؛ وبالطريقة دي الهزار يُعتبَر جد، والضحك يبقى وقار.

وانا في الكتاب ده مش باضحك عليك، ولا باخبِّي عنك عيوبه، لأنه مش هينفع يبقى على كيفك بالظبط، ولا أنا هاقدر أوفّيه حقه فْ كل كلمة. ليه بقى؟ علشان أنا عدّت عليّا حواديت كتيرة، لو قلت منها حرف في الكتاب ده هيتعرف هيَّ عن مين، حتى ولو ما جبتش عنهم سيرة. وسواء ان انا قلت أساميهم، أو كتبت الحكايات اللي معروف كويس قوي هيَّ عن مين من غير ما اصرّح (وفيه منهم أصدقاء وحبايب ليّا، وناس ربنا ساترها، وناس بيحاولوا يجمّلوا صورتهم قدام الناس) – سواء كدا أو كدا، فأنا ما يخلّصنيش أنفعكم، وفي نفس الوقت اتجنّى عليهم، لأن ده كفيل انه يوقّع الكتاب بتاعي ويطعن فيه، مع إن الحكاوي ديّة ما فيش أكتر ولا أمتع منها.

وكان فيه برضه حواديت تانية مش مشهورة، ولو كتبتها ما كانش حد هيعرف هي عن مين، بس هي ما تحلاش غير لما تعرف هي عن مين! ولو قلتها لك من غير ما اقول لك هي عن مين، نُصّ النكتة هيروح ع الأرض! فتخيّل مثلًا لو حد ألّف نكتة عن (أبو الحارث جمَّين) أو (الهيثم بن مطهر) أو (مزبّد) أو (ابن أحمر)، وكانت نكتة باردة، هتحسّ برضه انها مسخرة. ولو ألّف نكتة عن (صالح بن حنين)، أو (ابن النوّاء)، أو ناس من اللي ما حدّش بيطيقهم، وكانت نكتة جامدة، هتحس انها باردة وغِلِسَة. والشيء الغِلِس أسوأ من البارد. ونفس النظام؛ لو ألّفت كلام في الزهد والمواعظ وقلت ان اللي قايله هو (بكر بن عبد الله المُزَني) أو (عامر بن عبد قيس العنبري) أو (مؤرق العجلي) أو (يزيد الرقاشي)، هتبقى الموعظة أجمل، وهتلاقي انك لما نسبتها لحدّ من دول، ادّيت لها قيمة أكبر. أما بقى لو قلت ان اللي قايلها هو (أبو كعب الصوفي) أو (عبد المؤمن) أو الشاعر (أبو نُواس) أو (حسين الخليع)، مش هتبقى الموعظة فيها أكتر من معاني كلماتها، ويمكن كمان مقامها يقل عند الناس، وتتظلم.

وانا حطيت لك في الكتاب ده حواديت كتيرة بأسامي أصحابها، وحواديت تانية من غير أسامي، يا إما علشان أنا خايف منهم، أو مش عايز أهزّأهم.

ولولا انك طلبت مني أألّف كتاب عن الموضوع ده، أنا كنت نفّضت، وما كنتش ممكن أخلّي كلامي عُرضة للانتقاد والظلم. فلو لقيت في الكتاب تقصير، فمِن حقك تلومني، وانا المعذور يا صاحبي مش انت.

– عمرو بحر الكناني –

نرشح لك: الجاحظ والتأسيس لعلم الإيكولوجي في كتاب الحيوان

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد أحمد فؤاد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.