تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف سيكون مذاق هذه الأكلة بعد فقدانك بروتينات TRPM؟

من بين اللحظات الجميلة في يومك تلك التي تكون أنت فيها أمام طاولة جمالُها يجعل عينيك لا تغلقان إلا بصعوبة، لكنّها تُغلَق مضطرّة لتعود من جديد مع تركيزها الموجّه نحو أطباق تصعد رائحتها وتنتشر لتسيطر على هواء الغرفة، أطباق عديدة تم تحضيرها ساعات طويلة بجهد كبير كي تجعل طعم ما تحمله شهيًّا طيّبًا لذيذًا ، مع سلّة فواكه ألوانها حقيقيّة.
تبدأ تلك الأغذية التي يعشقها دماغك بالتنقّل من طبق الطاولة إلى فمك حيث تبدأ بمضغها، فتغمض عينيك جاعلًا كلّ تركيزك و حضورك في التذوق للاستمتاع بما تمضغه، لتعبّر مندهشًا لهذا التحضير الرائع، متسائلًا عن براعة الفنّان الذي أبدع.


لكن، هل تساءلت كيف يمكنك تذوق هذا الطعام ؟

من المحتمل أنّك تحمل إجابة السؤال، وقد تكون قد أجبت بقولك أنّ ذلك يحدث بسبب البراعم المختلفة من اللسان، حيث تمّ تصنيفها حسب تواجدها الكثيف في جهة معينة من اللسان، كمثال، براعم تذوّق الحموضة تتواجد بحافّات اللسان، غير مبتعدٍ عن الدّور الكبير الذي تلعبه حاسّة الشمّ، ولا أقصد هنا شمّ رائحة الأغذية المنبعثة من المطبخ أثناء تحضير الطعام، أو رائحة الطّعام قبل البدء في الأكل، وإنّما اشتغال هذه الحاسّة أثناء مضغك للطعام… وربّما شعرت بالفرق عندما أصبت بالزكام.

لكن ما هي آلية التذوق ؟

التعمّق في آليّة التذوق يعني فهم العمليّة: من ملامسة الطعام لمناطق التذوق إلى مرحلة معرفة إن كانت هذه المكونات الغذائية حلوة أم مالحة …
من أجل تقريب تصورك لهذه الآلية، نطرح أمثلة:

بشكل عامّ، تكون السكّريّات ذات مذاق حلو، الجزيئات الأيونية مالحة، الألكالويدات مُرة، والجزيئات الحمضية حِمضيةً.
لذلك، أثناء وضع الطعام بالفم وبدء عمليّة المضغ، فإنّ تلك الأكلة تبدأ بالانشطار لتتحرّر العديد من الجزيئات وتتموضع على براعم اللسان حيث تتواجد الخلايا المتخصصة في التذوق، والتي تحمل على غشائها مستقبلات مميّزة، يرمز لها بA1R, A2R.
تنشّط هذه المستقبلات بالحلاوة والمرارة، أي عندما تندمج جزيئات السكّر أو الألكانوينات تبدأ سلسلة من التفاعلات داخل الخلية، لترفع نسبة كاتيونات الكالسيم داخل سيتوبلازم الخلية، هذه الكاتيونات تنشط قنوات TRPM5، فتصبح مفتوحة وينشأ استقطابٌ نتيجة لدخول الأيونات الموجبة عبر هذه القنوات، هذا الاستقطاب يمرّر إشارات كهربائية مميزة حسب الذوق، وفور وصولها للدّماغ فإنّك تدرك مباشرة إذا ما كان الشاي حلوًا (وتعلم إن كان حلوًا كثيرًا أم ينقصه سكر..) أم لا.

إعلان

ماذا لو تمّ تعطيل بروتينات TRPM

إذا توقّفت هذه القنوات عن العمل فإنّ حاسّة التذوق -التي تعدّ من الحواسّ التي تشعر عن طريقها بنوع من السعادة- ستتضاءل كثيرًا، خصوصا تذوّق الحلاوة والمرورة ، لكنّها لن تُلغى تمامًا، وهذا ما توصّلت إليه دراسة جديدة نشرت في الـ 8 من هذا الشّهر في PNAS. حيث أنّ سلسلة من التجارب أكّدت أنّ بروتينًا آخر يتدخّل أيضًا في هذا النوع من التذوّق، ويرمز له بـ TRPM4، وذلك حينما أُخذت مجموعة من الفئران العادية، فشربت ماءً حلوًا جعلها تستمتع بمذاقه، كما أنّها استجابت أيضًا لمركّبات مُرّة. بينما الفئران المفتقدة لهذا البروتين، أخذت وقتا طويلًا من أجل إدراك الحلاوة والمرارة.

وبذلك، كشف البحث الجديد تدخّل بروتين TRPM4 في عمليّة التذوّق، وهذا يدحض ما كان يعتقد من قبل حول عمل بروتين TRMP5 وحيدًا.

يعني أنّ هذين البروتينين يَعملان بشكل يُحدث توازنًا في الحاسّة، ذلك أنّ مجموعة الفئران الأكثر تحسسًا للحلاوة والمرارة هي المجموعة التي تضمّ خلاياها كلا البروتينين، والمجموعة التي فقدت أحد البروتينين تستجيب بشكل أقلّ وتضعف عندها الحاسة، بينما المجموعة التي فقدت كلًّا من TRPM5 وTRPM4 أصبحت غير قادرة على التمييز أو الكشف عن النكهات.

تُعتبر حاسّة التذوق مهمّة في عديد من النواحي، فنحن رأينا تبسيطا للآليّة التي تعمل بها، كما أنّنا أوردنا إشارة طفيفة لأهميّة الشمّ من أجل تذوّق فعّال، لكن هناك إطار تصل إليه هذه الحاسة وقد تعتبر منبهًا، فمثلًا، لو كنت الآن تبحث عن غذاء ما في الثلاجة، ووجدت إحدى الأطعمة الموجودة منذ أيام، فإنّ مجال رؤيتك سيحدد إن كان هناك فرق في شكل الطعام الحديث والقديم، كذلك قد تضطرّ لشمّه من أجل معرفة هل الرائحة تغيّرت أم لا.

لكن، تخيّل أنّك وجدت تفاحة بها ضرر ذو لون أسود أو بنّي (لمستعمرة ميكروبية مضرّة) ونفترض أنك لم تلحظها، لكن عند قضمك المتواصل، أدركت تلك المنطقة، وأخذت جزءًا منها لفمك، في تلك اللحظة ستصل دماغك إشارات مخلتفة عن الإشارات العادية التي استقبلتها أثناء القضمات الأخرى فتشعر بالغرابة، وتغيّر حركة عينيك قليلًا، وقد تكون هذه الإشارات الغريبة أحيانًا ناتجة عن مرارة، وتبدأ بعد ذلك في تفحّص التفاحة وتجد أنّ بها بقعة غريبة، فتبدأ في تأنيب نفسك لأنك تأكل بتسرّع ودون تركيز أو تفحّص لما تأكله
هذه آلية غريزية بسيطة ، وهي نوع من لطرق لتفادي الخطر إلى حد ما ، لأن شعورك بنكهة مختلفة كثيرا ، كطعم مُرٍّ بالتفاحة التي اعتادت خلاياك عليها ، جعلك تستغرب وتأخذ حذرك تفاديا لإبتلاع ربما قد يكون مضرا..

التذوق الذي نملكه يتضاءل مع التقدّم في العمر، كما أنّ تغيّرات عمله يصاحبها تغيرات في الشهية بسبب ارتباطهما الكبير.

وختامًا ، وجب ذكر الدّراسة التي أجريت سنة 2013 لفريق ميدلر ,كشفت أنّ وزن الجسم يؤثّر في حاسّة التذوق ؛وهذا استنتاج تم استخلاصه عن طريق ملاحظة الفئران، حيث أنّ الفئران ذات الوزن الزائد تمتلك حاسة تذوق أقل من نظيراتها ذات الوزن المعتدل، مما يجعل الأولى تأكل كميّة أكثر من أجل الوصول لنفس شدّة النكهة التي وصلت إليها الثانية أي ذات الوزن المعتدل ، هذا يأخذ ذهننا للتفكير حول علاقة الشهية والأكل والتذوق كما أسألك سؤال مباشرا تنهي به المقال ، إذا فقدت بروتينات ( قنوات) ، فأي نعمة فقدت؟

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.