تأخذك إلى أعماق الفكر

البيانات الضخمة وقدرة الانترنت على اكتشاف الخفايا

مراجعة كتاب (الكل يكذب)

في الواقع أن الكذب يتعدّى الفرق بين ما نحب أن نظهره للناس في مواقع التواصل مقابل ما نبحث عنه حقيقةً في جوجل أو حتى في المواقع الإباحية؛ يتعداه إلى شيء أكثر خطرًا وهو الكذب في الاستبيانات أو الأسئلة الإحصائية، وهنا نحن نتحدث عن دراسات ضخمة بُني عليها نتائج كانت ببساطة كاذبة لأنها استخدمت بيانات كاذبة، وقد تم كشف هذا الكذب باستخدام البيانات، فمثلًا تم إثبات أن أعداد الأشخاص الذين قالوا أنهم يتبرعون لجامعاتهم بعد التخرج منها يفوق كثيرًا الأعداد الحقيقية من بيانات الجامعات، في حين لا يمكن التحقق بسهولة من أمور أخرى كالتحيّز ضد فئة معينة، إلا أن هذا أصبح متاحًا الآن.

أعترف أنني لم أفاجأ من النتائج التي وصل إليها الكتاب، رغم أنها مقلقة جدًا حول وضع الكائنات البشرية، ولكني طالما طرحت فكرة أننا فعليًا نحتقر علنًا الأشياء التي نفعلها بعيدًا عن الأعين، أو الأشياء التي أصلًا لم يسبق أن رغبنا بفعلها، فها هو يخبرنا بأن الناس ما زالوا عنصريين تجاه بعضهم، وأن الكثير من الأهل نادمون على إنجاب الأطفال، وأنهم يميزون بين الذكر والأنثى، ففي حين يهتمون بذكاء الذكر وتطويره يكونون قلقين على جمال الأنثى ووزنها، وفي حين أنهم يدّعون الإخلاص في زواجهم والتقزز من الكثير من التصرفات الجنسية، إلا أنهم يبحثون بكثرة عن سفاح المحارم والمثلية الجنسية والاغتصاب.

أجد من الضرورة الحديث حول أن كتاب الكل يكذب قد نجح في شموليته، فكل سؤال أو اعتراض خطر ببالي وجدت له إجابة، مثلًا ليس كل شخص يبحث عن أمر ما في جوجل هو راغب بفعله حقًا، وهذا قد يضعنا أمام تساؤل الاستفادة من البيانات الضخمة في المجال الجنائي والأخلاقي.

تم الاستفادة من بيانات جوجل لتحديد أعداد النساء اللاتي يقمن بالإجهاض الذاتي في المنزل خاصةً في المناطق التي لا توفر عمليات الإجهاض بطريقة شرعية في المستشفيات، كما تم التعرف على وجود أعداد كبيرة من الإساءات للأطفال في فترة الركود الاقتصادي رغم عدم وجود أعداد كبيرة من القضايا والتبليغات، وتم التعرف على احتمالية وجود هجوم على المسلمين في منطقة معينة بسبب البحث في كلمات عنصرية تجاههم أو سؤال عن كيفية قتلهم.

هل سيسهّل علم البيانات الضخمة حياتنا؟

ربما أنا أتخذ موقفًا أقل حماسًا من الأمر، ففي حين استطاعت البحوث التنبؤ بالكثير من النتائج، إلا أن تعقّد حياة البشر ما زال في ازدياد، لكن يبقى هناك سرٌّ ما فيما يُعرف بـ (حكمة الحشد)، فالأعداد المهولة من البيانات هي ما قد تجعلنا نجانب الصواب، فقد تم التنبؤ باحتمالية انتشار الأنفلونزا في منطقة معينة، وتم التنبؤ بطراز السيارة التي قد تعجبك، أو البضائع التي ستلفت انتباهك، أو حتى الأفلام التي قد تثير اهتمامك على نيتفليكس.

إعلان

النقطة المهمة في استخدام البيانات في المجال الاقتصادي، هي أن الحرب بين المستهلك والمنتج ما تزال عادلة، ففي حين نخشى من فكرة التنبؤ بتفضيلاتنا وإلقاء الإعلانات على رؤوسنا ودفعنا من حيث لا ندري للشراء، وأكثر من ذلك التنبؤ بأعلى سعر قد ندفعه لعرضه علينا _قد تخيلت أن العالم أصبح ماكينات لحلب البشر كمستهلكين لأشياء لا يحتاجونها_ إلا أن الشركات معرّضة أيضًا لتحكم المستهلك الذي يعطي تقييمات سلبية كما يشاء فيحجم غيره عن التعامل معها.

“ليس هناك أي قانون، لا يوجد إلا الفوضى” _ من فيلم Pi

ربما سنتقدم كثيرًا في تحديد أماكن وأسباب انتشار مرض خطير، ربما سنحدد الأشخاص المحتمل أن يُقدِموا على جريمة معينة، وهذا كله سيجعل من علم البيانات الذي أصبح أداة فعّالة في يد العلوم الإنسانية ليجعلنا نخرج من حالة “الردح” الثقافي لتردي الأحوال الاجتماعية والأخلاق الفردية بعد غياب المرجعية، ولربما حينها نقترب من المرجعية الحقيقية التي سيتفق عليها كل البشر، ولكن الحياة تميل عادةً لإعادة خلق التوازن من جديد، فكلما يتم حل مشكلة معينة (في نظرنا أنها مشكلة ربما قد لا تكون كذلك)، تُخلق بالمقابل مشاكل وأمراض وأشياء لم نكن نتخيل أنها ستكون سببًا لها، ولكن يبقى الأمر أننا كبشر لن نستطيع الاستسلام للقدر، بل سنبقى جاهزين لكسر أقلام الآلهة وإعادة خلق حيواتنا من جديد.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دعاء أبو عصبة

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.