تأخذك إلى أعماق الفكر

الإنسان في مواجهة الظلام – غياب الروحانيات عن العالم الحديث

الإنسان في مواجهة الظلام 'ولتر ستيس'

وتمثّل هذه الصورة لعالَم بلا غاية وحياة بلا معنى ركيزةَ فنون وفلسفات العصر الحديث. وطبقًا لأكثر الفلسفات المميّزة في هذا العصر، بدايةً من هيوم في القرن الثامن عشر ووصولًا للوضعيّين اليوم، فإنّ حقيقة العالَم هي ما نراه من هذا العالَم وما نستقبله بحواسّنا لا أكثر، حيث لا مجال لمزيد من التساؤلات. فلا يوجد سبب لكونه بالشكل الحالي، وإن اتّخذ كلّ شيء شكلًا آخر فلن يكون لهذا سبب أيضًا. فعندما تكون قد أحصيتَ كلّ شيء يحتويه العالَم لن يبقي شيء للإضافة، حتى من قِبَل كائن كلّيّ العلم. ومن هذا المنطلق، يصبح أيّ سؤال عن سبب كون الأشياء بهذا الشّكل والغاية من وجودها سؤالًا بلا معنى لأنّ الأشياء لا غاية لها من الأصل، على سبيل المثال، لا يوجد في الفلسفة الحديثة ما يسمّى بمعضلة الشر، حيث يفترض هذا السؤال بشكل مسبق أنّ الألم والبؤس جزء من خطة كونية يخدمان فيها سببًا منطقيًا وعقلانيًا حتى لو لم نستطع إحصاء أو فهم تلك الأسباب. لكن بالنسبة للعقل الحديث – حيث أنّ الإيمان بالعبثية هو جوهر تكوينه–  ما هذا إلا هراء، إذ لا توجد عقلانيةٌ ما تحرّك الكون أصلًا. وتتواجد بالتوازي مع تلك الفلسفة الجوهرية للعقل الحديث، التي تبشّر بغياب المعنى عن العالم، فلسفات أخرى مثالية تدّعي أنّ العالم روحانيّ بالأصل، وأنّ القيم والمُثل الأخلاقية متأصّلة بكينونته. لكنّ تلك الفلسفات المثالية ليست سوى تعبير عن الرومانتيكية، التي لم تكن سوى هجومًا مضادًّا من المتديّنين على النظرة المادية للكون. وعلى الرّغم من هلاك تلك المدارس مع الرومانتيكية في الفنّ والأدب، إلا أنها ما تزال تملك بعض الأنصار. تلك الفلسفات المثالية في جوهرها ليست سوى عمليّة مَنْطَقة لأمنيات الإنسان الخيالية ورفضه الاعتراف بالظلام الكوني المحيط به. فقد كانت تلك الفلسفات أوهامًا مريحة دافئة احتمت بها أكثر العقول ثقافة من رياح الكون الجليدية. لكنّها لم تصمد إلا قليلًا، وتحطّمت تاركة إيّانا في العراء تحت وطأة عالم عبثيّ بلا غاية.

3

ومع انهيار الرؤى الدينية للعالم، انسحقت تحت أنقاضها المبادئ الأخلاقية والمُثل. لأنه لو كان هناك غاية للكون، وإذا كان من طبيعة الأشياء النزوح للخير، لكان بإمكاننا تأكيد صحة مبادئنا الأخلاقية من خلالها. مبادؤنا التي إن لم نجد لها أساسًا خارجنا –سواء كان ذلك الله أو الكون– فيجب أن تكون من صنعنا. وهكذا جاء الاعتقاد القائل بأنّ القواعد الأخلاقية ما هي سوى تعبير عن أهوائنا. لكنّ أهواءنا بطبيعة الحال متغيّرة، فما يعجب شخصًا أو شعبًا أو ثقافة ينفّر الآخر، ولذلك فالأخلاق نسبية تمامًا.

ومع ازدهار النهضة العلمية في أوروبا تمّ القضاء على الغائية بوتيرة متسارعة وحلّت محلّها العدمية والنسبية الأخلاقية التي نجد لها حضورًا في فلسفة هوبز على سبيل المثال. يرى هوبز أنه إذا كان لا يوجد غاية للكون، فلا توجد قيمة أيضًا: “الخير والشرّ ما هي إلا أسماء تدلّ على أهوائنا وشهواتنا التي تتغير بتغيّر الزمن والعادات والتقاليد والعقائد، فكلّ شخص يطلق على ما يرضيه خيرًا، وعلى ما يضره شرًا.”

أصبحت نسبية الأخلاق عقيدة كامنة في العقلية العلمية حتى من قبل أن يتمّ تأكيد مصداقيتها من قِبل دراسات الأنثروبولوجيا الأخيرة. وتُمثّل هذه العقيدة خطرًا على الأخلاق لأنها تقوّض أساسها التقليدي بأكمله. ولذلك حاول العديد من الفلاسفة ممن استشعروا الخطر، منذ عصر كانط على أقل تقدير، أن يشيّدوا أساسًا علمانيًا للأخلاق. قد تنجح هذه المحاولة من الجانب الفكري والنظري، حيث أنه من الممكن بناء رؤية أخلاقية غير دينية للعالم. لكن يظلّ السؤال إذا كان بالإمكان تحقيق نجاح عملي، بغضّ النظر عن مدى صلاحية الطرح مع المثقفين، هل بإمكانه استبدال المؤسسة الدينية البائدة لدى العامة من الناس. وبينما ينوط بهذا السؤال مستقبل الحضارة بأكمله، فإنّ الكارثة تجتاحنا بالفعل.

إعلان

وهذا الاعتقاد السائد بنسبية الأخلاق بين الفلاسفة، وعلماء النفس، وعلماء الأعراق، وعلماء الاجتماع، ليس سوى انعكاس نظريّ للتنصّل من المبادئ الأخلاقية الذي نراه يوميًا في حياتنا العملية، وخاصة في مجال السياسة والدبلوماسية، حيث لا يوجد للأخلاق أيّ موطئ قدم. فلم يعد أحد يؤمن بشكل حقيقي بالمبادئ الأخلاقية إلا في نطاق التحيّزات الخاصة بالفرد أو الأمة أو الثقافة، وهذه هي النتيجة الحتمية لعقيدة النسبية الأخلاقية والتي بدورها نتيجة حتمية لعالم بلا غاية.

وتظهر سمة أخرى لأزمة العالم الروحية الحالية، ألا وهي الكفر بحرية الإرادة، الذي هو بمثابة ثمرة الرّوح العلمية بأكملها وليس نتيجة اكتشاف معيّن. إنّ العلم بأكمله قائم على الحتمية، فكلّ حدث يمكن التنبؤ به بدقة عن طريق معرفة سلسلة الأسباب التي أدّت إلى حدوثه، وعلى الرّغم من أنّ الفيزياء الحديثة – ميكانيكا الكم – تتحدّى الحتمية، إلا أنّ النتائج العملية للحتمية تشير إلى أنّ الضّرر قد وقع منذ زمن. ووَفْق هذا المنظور فإنّ أفعال البشر هي أحداث طبيعية مثلها مثل كسوف الشمس، مما يعني قابليتها للتنبؤ كغيرها من الظواهر الطبيعية. ولنفترض جدلًا أنّ بمقدورنا أن نتنبأ بأنّ جون سميث سيقتل جوزيف جونز في الساعة الثانية والربع ظهرًا في الأول من يناير عام 1963، فهل، عندما يحين وقت ارتكاب الجريمة، ستكون لحرية جون سميث في اختيار القتل من عدمه أية قيمة؟ وإذا لم يكن حرًّا فكيف لنا أن نحمّله المسؤولية؟

بمقدور أيّ فيلسوف كشف ما تنطوي عليه هذه الفرضيّة من مغالطات المنطقية، لكنّ القصد أنّ عملية التحليل المطلوبة لتوضيح المغالطات دقيقة لدرجة أنه لا يمكن لرجل عاديّ غير مُلمّ بالفلسفة أن يفعلها. ولذلك فإنّ الحجج ضدّ الإرادة الحرّة يتمّ قبولها بشكل واسع بين عامة الناس. ولذلك انتشر الاعتقاد بجبرية الإنسان وأنه مجرّد دمية في يد قوى لا يحكمها، وأصبح هذا الاعتقاد جزءًا من عقلية الإنسان الحديث. وهكذا أصبحنا نسمع عن الحتمية الاقتصادية، والحتمية الثقافية، والحتمية التاريخية. وعن عدم تحكّمنا بأفعالنا لأن غُددنا تسيطر علينا، أو لأننا نتاج الطبيعة والوراثة، وهكذا ستختفي الرقابة الذاتية على أفعالنا الأخلاقية، ويصبح من واجب الطبيب، والمعالج النفسي، والمثقّف منعنا من فعل الشرّ، وستنجح العقاقير والأمصال في المستقبل في فعل ما عجز المسيح والرُسل عن فعله. بالطبع أنا لا أنفي أنّ الأطباء والمفكرين يمكنهم، بل وواجب عليهم، المساعدة، ولا أقصد الاستخفاف بمجهودهم بأيّ شكل من الأشكال، ولكنّني أودّ فقط لفت الانتباه إلى ضعف الضوابط الأخلاقية وارتفاع الصّوت المُطالِب بالتنصّل من المسؤولية الشخصية في أوساط الثقافة الشعبية.

4

حسنًا إذًا، ما هو الحلّ؟ أين نبحث عن الخلاص من شرور زماننا؟ إنّ الحلول التي طُرحت حتى الآن هي، من وجهة نظري، حلول  غير مجدية. تنطلق هذه الحلول من ثلاثة أوساط مختلفة: الوسط الفلسفي والوسط الديني والوسط العلميّ. وسأعرض فيما يلي كل وسط مفنّدًا الحلول التي يقدّمها.

لنبدأ بالحلول التي يقدّمها الوسط الفلسفي. أنا أثق بقدرة الفلاسفة والمثقفين على إيجاد حلول للمساعدة، لكنّ مجال حركتهم، للأسف، ضيّق. فخياراتهم تنحصر في إيضاح أنّ كلًّا من الحتمية والنسبية الأخلاقية لا تقفان على أرض صلبة، ومحاولة اكتشاف أساس جديد علماني للأخلاق كبديل عن الأساس الديني المقوّض. ويحاول بعض الفلاسفة القيام بهذه المهمة لكن تواجههم عقبتين كبيرتين تَحُولان دون إحرازهم أيّ تقدّم. العقبة الأولى هي أنّ الفلاسفة مختلفون في تصوّراتهم للحتمية والنسبية الأخلاقية فيما بينهم؛ وتلك النقاشات مربكة للجمهور غير الفلسفي. والعقبة الثانية هي أنّ تأثير هؤلاء الفلاسفة ضئيل جدًّا على الجموع لأنّ نقاشاتهم تحدث على مستوى لا يمكن للعامّة من غير المشتغلين بالفلسفة متباعته إطلاقًا.

وبالنسبة للوسط الديني، فقد وصف الأساقفة الرّجوع للإيمان بالإله والعقيدة المسيحية كحلّ للأزمة. بينما اقترح آخرون أنّ الحلّ يكمن في ديانة جديدة. لكن لم يستطيع كِلا الفريقين إدراك كافة جوانب الكارثة الروحية التي تحيق بالبشر وكم هي فريدة في التاريخ، بحيث لا يوجد بينها وبين أيّ وضع سابق أيَّ تشابه ولو جزئي. ربما ظنوا أنّ الوضع مماثل لانهيار الديانات القديمة لليونان والدولة الرومانية، عندها قامت المسيحية سريعًا بملء الفراغ الروحي الذي خلّفته تلك الديانة، ولو لم تظهر المسيحية في ذلك الوقت لاستبدلتها الميثرانية[2]. ويحيلنا هذا التشابه إلى الظنّ بأنّ الحلّ يكمن في استبدال المسيحية بدين آخر، أو أنّ إعادة تجديد المسيحية قد تعيد الصحة إلى حياة الناس الروحية.

لكنني لا أظنّ أنّ هناك أيّ تشابه بين الحالة الراهنة للبشر وبين زمن سقوط الوثنية عندما فقدت البشرية في ذلك الوقت الإيمان بعقائد معينة وتجليات محدّدة للرؤية الدينية للعالم. فقد أصبح من الجنون الإيمان بأن زيوس ومجمع الآلهة يعيشون فوق جبل الأوليمب، حيث يمكنك الصّعود لقمّته وبالطبع لن تجد أيّ أثر لهم. ولا يعني موت تلك النظرة المحدّدة، أو هذا الشكل المحدّد من الدين، موتَ الدين كـكُلّ! حيث بقيت الصورة الخيالية لعالمٍ يحكمه هدف سائرًا نحو الخير سليمةً لم تُمسّ، وتلك الصورة هي جوهر الدّين، كان فقط على هذا الجوهر أن يعيد تشكيل نفسه على هيئة عقيدة جديدة.

لكنّ الوضع الآن مختلف تمامًا. فليست المشكلة قاصرة على رفض العقلية الحديثة لمسلّمات دينية بعينها، كالولادة العذرية للمسيح، فما هذا إلا تشخيص سطحيّ لمشكلة الدّين. فالتشكّك الحديث مختلف تمامًا عن تشكّك قدماء الفلاسفة. فالشّكّ الحديث لم يهاجم أشكالًا معينة وسطحية من الدين وحسب، ولكنه نفَذ إلى جوهر التديّن نفسه ودمّره، محى الإيمان بعالم له غاية. ومن أجل تأسيس ديانة جديدة، يجب أن يظهر مسيح جديد أو بوذا جديد، وهذا حدثٌ غير وارد على الإطلاق، بجانب أننا لا نملك رفاهية الانتظار. وحتى إن ظهر أنبياء جدد في هذا العصر فمن المحتّم أن يفشلوا، فلم يعد أحد يؤمن بشكل جذري بجوهر رسالتهم، لم يعد أحد يؤمن بعالم له معنى وغاية، فالجموع تتملّكهم صورة عالم عبثيّ، وهذه الصورة بيئة قاتلة لأي دين في المطلق وليس المسيحية فقط..

ويجب ألا ننخدع بالصّحوات العرضية للروح الدينية. فقد عُرف عن البشر، أنه أثناء نكباتهم و إحباطهم من خواء حياتهم، يولون وجوههم شطر الدّين مرة أخرى أو يبحثون عن رسالة جديدة. وهذا تصرف متوقع من أرواح منكسرة تواقة إلى الدفء والأمان الذي توفّره شعلة الإيمان، فكلما خبت عملوا على تأجيجها، لكنهم لن ينجحوا هذه المرة مهما رغبوا وحاولوا، فقد انطفأت الشعلة وهيهات لها أن تتّقد في حضارتنا.

وأما الوسط العلمي فيقترح العلم أو الروح العلمية كأداة لخلاصنا. وقاد كلّ من برتراند رسل وجون ديوي هذا الاقتراح كلّ على طريقته الخاصة. فبينما وضّحنا طريقة رسل سلفًا، يبدو أنّ ديوي يظنّ أنّ الاكتشافات الحديثة داخل علم الاجتماع، وتطبيق المنهج العلميّ لحلّ المشاكل الاجتماعية والسياسية، سوف تنقذنا. وهذا اعتقاد في غاية السذاجة، فليس من المنطقيّ أن يكون الداء – وهو العلم– هو الدواء، وهذا ليس لقصور في العلم، إنما نتيجة لروح العلم نفسها، التي من طبيعتها أن تخبرنا بأفضل الوسائل لتحقيق غايتنا، لكن يستحيل عليها أن تخبرنا أيّ الغايات المناسبة لنا، أو أن تُمدّنا بأيّ مُثل عُليا. ومشكلتنا هي في إيجاد المُثل، وليست في كيفية الوصول إليها.

5

لا يمكن لحضارة ما أن تعيش بدون مُثل عليا تتطلّع إليها، ودون إيمان راسخ بالمبادئ الأخلاقية. كنا في الماضي نملك مُثلًا وأخلاقًا قائمة على أساس ديني، لكنّ هذا الأساس قد تمّ تقويضه، وبالتالي فإنّ البنية الفوقية المتمثلة في الأخلاق والمُثل العليا تنهار بمعدل سريع. ولا يبدو أن أيًّا من الحلول المقترحة قد يحقّق أيّ شكل من أشكال النجاح. ولذلك قد يكون المصير المحتّم لحضارتنا هو الموت. نعلم طبعًا أنه من الممكن جدًّا لأفراد مثل صفوة المثقفين، والفلاسفة، والعلماء، والمفكرين بشكل عام أن يحيَوا حياة أخلاقية بدون أيّ معتقدات دينية، لكنّ السؤال الأساسي هو، هل بإمكان حضارة بأكملها، أو مجموعة كاملة من الشعوب، تتألف من مجموعة متفاوتة على المستوى العقلي والتعليمي، أن تعيش حياة أخلاقية بدون أساس ديني؟

إعلان

مصدر MAN AGAINST DARKNESS

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.