تأخذك إلى أعماق الفكر

الإجهاض حرية أم جريمة؟

     جوديث جارفيس تومسون

“تخيل أن تستيقظ لتجد نفسك في المستشفى وبجانبك عازف كمان مشهور في غيبوبة، شُخص بمرض كلوي قاتل. بحثت منظمة محبي الموسيقى العالمية في كل الملفات المتاحة  ووجدت أنك الوحيد الذي يتطابق معه بيولوجيًا وبالتالي يمكنك إنقاذه، فاختطفوك وخدروك وأوصلوا مجرى دمه بدمك لكي تقوم كليتاك بتصفية دمه من السموم.
الآن يخبرك مدير المستشفى أنهم جد آسفون لاضطرارهم لفعل ذلك ويقول أن أمامك خياران:
يمكنك أن تفصل نفسك وتقتل عازف الكمان، لكن خلال 9 أشهر-مدة الحمل- سيشفى ويمكن فصله بأمان، ما الذي ستفعله؟”
تبرز تومسون في هذا المثال معضلة قتل شخص كان يمكن إنقاذه -المسلمة(1)- حين يتساوى الجنين مع العازف وتعتبر الإجهاض أخلاقيًا حتى وإن كان الجنين شخصًا لأن حقه في العيش مسبوق بحق الحامل في التحكم في جسدها واستقلالية خياراتها تمامًا مثلك في حالة العازف!

لا يمكن لأي امرأة أن تدعي أنها حرة ما دامت غير متحكمة في جسدها الخاص.

-مارغريت سانغر

هنا يجب أن نميز بين نوعين من الأفعال الحسنة؛
الأفعال الواجبة أخلاقيًا: عدم فعلها غير أخلاقي.
الأفعال النافلة: (النوافل مثل الصلاة) وهي أفعال جيدة أخلاقيًا لكنها غير إجبارية وتجنبها مسموح أخلاقيًا.

إنقاذ عازف الكمان هو مثال جيد عن النوافل، من الجيد فعله لكن ليس مذنبًا من لم يفعله لتصادم الحقين الأساسين؛ الحق في العيش والحق في التحكم الذاتي والاستقلالية. نفس الأمر بالنسبة للإجهاض، يتصادم حق الجنين في الحياة مع حق الحامل في الاستقلالية وحرية التحكم في جسدها لكن الأولوية للحرية. فمن الجيد عدم الإسقاط لكن ليس مذنبًا من قام به. بتعبير أدق تبين هذه التجربة أن مواصلة الحمل وتجنب الإجهاض نافلة وليس واجبًا أخلاقيًا.
النتيجة: لا يمكن اعتبار المجهضات مذنبات حين تسببن في موت شخص كان يمكنه إنقاذه، هكذا تنقد المسلمة(1) وتنهار بعدها الحجة بأكملها.

أنتِ ضد الإجهاض؟ ببساطة لا تقومي به!.

– سكوت أندروز

يعتقد الناقدون أن هذه التجربة البديعة تبرر الإجهاض في حالة واحدة فقط وهي الاغتصاب، لأنك في المثال أجبرت على التبرع بكليتيك تمامًا مثل المرأة المغتصبة، لكن في الحالة العادية حظيت المرأة بعلاقات إرادية وسمحت طوعًا للجنين باستعمال جسدها بل أجبرته على الاعتماد عليه بشكل كامل.
عازف الكمان شخص غريب بينما الجنين جزء من الأم وفصله يؤدي إلى موته بشكل طبيعي أما الجنين فيقتل عن قصد.

هذه الانتقادات تؤدي إلى عرض التجربة البديعة الثانية لتومسون “بذور البشر” و التي تتناسب مع الحمل الطبيعي:

“تخيل وجود بذور البشر في الهواء مثل حبوب الطلع، إذا فتحت النافذة ستنفلت إلى داخل بيتك وتلتصق بفراشك. لكنك لا تريد ذلك فتحرص على إصلاح نوافذك وتزويدها بأفضل الشبابيك الواقية، مع كل هذه الوقايات الاحترازية يحدث نادرًا عند فتح النافذة أن تتسلل بعض البذور إلى الداخل”
يمثل تسلل البذور في هذه الحالة “النطاف و التلقيح” على الرغم من استعمال الشبابيك وهي موانع الحمل باعتبار الفراش هو الرحم و فتح النافذة هو الجنس.

هل فتح النافذة رغم الاحترازات يمنعنا أخلاقيًا من التخلص من البذور؟ يمكن للبعض أن يدعي إمكانية عيش المرأة بنافذة مغلقة (بدون علاقات) أو بدون فراش لعلمها بإمكانية دخول البذور.
ترد تومسون أن هذه الطريقة في التفكير تستلزم استئصال رحم جميع النساء لتجنب الحمل عن طريق الاغتصاب!
النتيجة: يمكنك التخلص من بذور البشر لأنك أخذت كل الاحتياطات الوقائية الممكنة لعدم دخولها، نفس الأمر بالنسبة للجنين حيث يمكنك الإجهاض لأنك استعملت كل موانع الحمل الممكنة.

-أخيرا تنتقد تومسون وضع قرار الإجهاض من عدمه في حالة الخطر على الحامل بيد الأطباء حصرًا وتجادل أن القرار يعود للأم أيضًا، تسرد تجربة الطفل المتوسع:
“تخيل أنك في منزل صغير مع طفل يكبر ويتعملق بسرعة، ستسحق إن لم تفعل أي شيىء بينما سيصاب الطفل بجروح طفيفة و يكمل حياته، ما الذي ستفعله؟”
تقول تومسون أن الطبيب يمكن أن يرفض الإسقاط رغم علمه بالخطر بأي حجة -المنع القانوني أو التطرف الديني- لكن هذا لا يعني منع الحامل من إنقاذ نفسها بل يجب عليها ذلك.

لا يمكن اعتبار الأم والجنين كمستأجرين في نفس المنزل.. الأم هي صاحبة المنزل!.  -تومسون

7-الإجهاض والأديان:

الإجهاض هو أعظم مدمر للسلام، إذا كانت الأم قادرة على قتل طفلها فما الذي يتبقى لي لأقتلك أو لتقتلني؟
-الأم تريزا

تتعدد الرؤى بين الأديان بل و بين المذاهب في الدين الواحد، إلا أنها تتوحد حين يتعلق الأمر بقدسية الحياة، فالبوذية لا تصدر موقف رسميًا لكن معظم الآراء للتقليدية ترفض العملية، بدون نسيان مفهوم التناسخ الذي يعقد الموضوع. والتعاليم اليهودية الأرثوذكسية تسمح بالإجهاض فقط في حالة الخطر على حياة الأم، أما الكنائس المسيحية الكاثوليكية، الأرثوذكسية وغالبية البروتستانة فتحرم الإجهاض مع وجود معارضات داخل كل كنيسة.

 

الإجهاض ليس مجرد شر محدود، بل هو جريمة. قتل شخص لإنقاذ آخر هو بالضبط ما تفعله المافيا.. إنه شر مطلق.

-البابا فرنسيس

الإسلام والإجهاض:

الانطباع العام عند عامة المسلمين هو حرمة الإجهاض، حيث لا يجوز إسقاط الجنين إلا لمبرر شرعي وفي حدود جد ضيقة، أما الفقهاء فغالبًا ما يعتمدون على نصين تأسيسين:

-آية “وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ“صدق الله العظيم.

-الحديث المتفق على صحته: قال صلى الله عليه وسلم :“إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلماتٍ: بكَتْبِ رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيدٌ”
ويستدل الجمهور من هذا الحديث على حدوث نفخ الروح في الجنين يوم 120 من الحمل (منهم من يقول في الأسبوع الثامن والتاسع ومنهم من يقول بعد الأربعين بلا تحديد أو بعد 130 يوم)

بذلك يقسم الفقهاء الحمل الى ثلاث مراحل تخضع لها أحكام الإجهاض:
-قبل تمام الأربعين يوم: الإجهاض مباح إذا كان في إنهاء الحمل مصحلة شرعية أو دفع ضرر، أما الإجهاض مخافة مشقة أو الاكتفاء بعدد الأولاد فلا يجوز.
-بعد 40 إلى 120 يوم: محرم على الراجح لكنه لا يرتقي إلى درجة قتل النفس.
-بعد 120 يوم : أي بعد نفخ الروح، يعد الإسقاط قتلًا للنفس ولا يجوز بالإجماع إلا في حالتين: خطر يهدد حياة الأم، أو ثبوت موت الجنين في رحم أمه.

اسمحوا لي أن أشير إلى وجود اختلاف واضح في الأحكام الفقهية قبل نفخ الروح حتى في المذهب الواحد.
فالبعض يبيح الإجهاض بإطلاق أي بدون الحاجة لأي عذر مثل بعض الحنفية وأبو الحسن اللخمي من المالكية وأبو إسحاق المروزي من الشافعية، و منهم من قال بالإباحة لعذر فقط وهو الغالب عند الحنفية وقول عند الحنابلة في أول الحمل، ومنهم من يرى بكراهيته المطلقة كبعض المالكية والشافعية، ومنهم من قال بالتحريم وهو المعتمد عند المالكية والأوجه عند الشافعية ورأي الحنابلة بالإطلاق.

أخيرًا، بالنسبة للإجهاض في حال حدوث تشوهات خلقية للجنين إليكم رأي مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة 10 فبراير 1990:

قبل مرور مائة وعشرين يومًا على الحمل، إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات. وبناء على الفحوص الفنية بالأجهزة، والوسائل المختبرية، أن الجنين مشوه تشويهًا خطيرًا غير قابل للعلاج، وأنه إذا بقي وولد في موعده، ستكون حياته سيئة، وآلامًا عليه، وعلى أهله؛ فعندئذ يجوز إسقاطه؛ بناء على طلب الوالدين.

خاتمة

الجميع يدرك أن موضوع الإجهاض يؤجج العواطف خاصة بالنسبة للأمهات، لذلك فمن غير اللائق تجاوز الجانب الشعوري، هذا الفيديو يظهر تأثر النساء بمجرد سماع كلمة الإجهاض.

الآن و بعد قراءتك للمقال اسمح لي أن أطرح عليك بعض الأسئلة. لكن أولًا، أريد منك التركيز جيدًا في صورة الجنين أدناه قبل إعطاء انطباعك.

 جنين بعد الأسبوع العاشر

-هل يمتلك هذا الجنين شخصية؟ و هل يعادل إنهاء حياته قتل بالغ؟
-هل من الجيد السماح بولادة طفل غير مرغوب فيه؟ وهل من الأخلاقي إجبار الحوامل الرافضات للإنجاب على الولادة؟

-كيف ترين قوانين الإجهاض في بلدك؟ و هل للمرأة الحق المطلق في اتخاذ القرار بشأن كل ما يحدث في جسدها؟ و هل يصبح الإجهاض مقبولًا في حالات الاغتصاب وزنا المحارم؟

وأخيرًا: ما هي نصائحكم لكل حامل تفكر جديًا في الإجهاض؟

فريق الإعداد

إعداد: عبد الباسط بلخضر

تدقيق لغوي: بيان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.