تأخذك إلى أعماق الفكر

الإجهاض حرية أم جريمة؟

شروط اكتساب الشخصية:
النقاش محتدم والجواب خلافي لكن الفيلسوفة جون إنغليش حددت في مقالها “الإجهاض و مفهوم الشخصية” خمس مجالات مقبولة إلى حد بعيد لتحديد الشخصية؛
المجال البيولوجي (الحمض النووي البشري)
المجال النفسي (الوعي، الإحساس، العواطف…)
المجال العقلاني (التفكير، التخطيط…)
المجال الاجتماعي (الانتماء لمجموعة، التعاطف والحب)
المجال القضائي (المواطنة، إبرام العقود واحترام القانون)

نلاحظ أن الجنين لا يستوفي معظم الشروط ومن الصعب جدًا الدفاع عن شخصتيه، بالتالي يمكننا التشكيك في امتلاكه هوية قانونية تعادل هوية البالغين، من المرجح اعتباره ذرية بشرية بدون شخصية.
إذن يمكن تشريع الإجهاض لأنه لا يعادل قتل شخص بالغ. هكذا يسقط المؤيدون المسلمة رقم (2) فتنهار الحجة بأكملها!

لكن دعنا نتساءل، ما الفرق بين الجنين بلا هوية قبل 10 دقائق من الولادة والطفل بعد الولادة؟ كيف لعملية الإنجاب أن تضفي الهوية! وهل يمتلك الطفل معايير الشخصية أعلاه؟ وأين تكمن النقطة المفصلية أخلاقيًا في الحمل و التي يكتسب الجنين بعدها شخصية؟

طيف إكتساب الجنين للشخصية : تختلف الآراء حين نريد تحديد المرحلة التي نعتبر بعدها الجنين شخصية مستقلة، من بين هده المراحل:

التلقيح:

يجادل بعض المعارضين بأن النقطة المفصلية للتحول الأخلاقي واكتساب الشخصية تحدث بمجرد تلقيح البويضة، بحكم ضبابية تطور الجنين التي لا تتيح أي نقطة لانبثاق الهوية خلال الحمل، إذن الجنين حامل للشخصية من بداية التلقيح إلى الولادة، و من غير اللائق التخلص منه كحصى كلوي أو التهاب زائدة!
لكن من الصعب إن لم يكن من المستحيل إثبات أن بيضة ملقحة وحيدة أو كائن بخليتين يمتلك شخصية أخلاقية وهوية قانونية!

                هل يمكن اعتبار هذه الخلايا أشخاصًا؟

الحركة:

أدت صعوبة دعم طرح التلقيح إلى تبلور بعض الآراء الأقل تطرفًا والتي تدعي أن نقطة اكتساب الشخصية تنبثق مع الحركات الأولى للجنين -كنبضات القلب و حركة الأطراف- و التي تلاحظ بعد الأسبوع السادس وغالبًا ما تحمل دلالة دينية تتمثل في نفخ الروح، إذن الشخصية تستلزم الحركية والجنين شخص مع أول تحرك والإسقاط مسموح قبل اكتساب الحركة، مشكلة هذا الطرح كما تتوقعون تبرير ربط الشخصية بالحركة.
هل يمكن اعتبار شخص مصاب بشلل رباعي بدون شخصية؟ و هل نملة متحركة تحمل شخصية قانوية؟

الموجات الدماغية:

طرح معتدل آخر يعتبر رصد إشارات دماغية جنينية دليلًا على انبثاق الهوية، كوننا نعرف الموت طبيًا بالتوقف الدائم لعمل الدماغ، إذن تبدأ الشخصية مع تسجيل أول موجات مخية خلال الأسبوع السابع.
لكن هذه الإشارات غير الناضجة لا تشبه الإشارات دالة على حدوث الوعي أو التفكير أو حتى الإحساس، حيث يمكن للجنين نظريًا استشعار أنواع محددة من الألم بعد الشهر السادس على الأقل -غالبا بين الأسبوع 24 و 30 حيث يكتمل نمو النظام التشريحي العصبي للألم بعد الأسبوع 26 ورغم كونه ضروري لكنه غير كاف للاستشعار- و هو ما يعتبره البعض المرحلة التي يجب بعدها تجريم الإجهاض، بتعبير أدق؛ القدرة على استشعار الألم تُكسب الجنين الشخصية.
لكن هل نعتبر بلا شخصية البالغين المصابين بأمراض “انعدام الإحساس بالألم”؟

الولادة والحيوية:

يجادل بعض الفلاسفة أن الولادة هي نقطة التحول الأخلاقي، حيث يكتسب المولود الشخصية لوجود نوع من الحيوية والاستقلالية عن جسد الأم، بحكم أن الجنين معتمد كليًا على الرحم ولا يستطيع العيش خارجه، أما المولود فيمكنه ذلك، هذا يعني أن إنهاء الحياة مقبول قبل الولادة مرفوض بعدها.
الفرق يكمن في كون الجنين “غير ممكن الحياة” خارج الجسد بخلاف الطفل، هذه الحيوية هي التي تبرر التحول الأخلاقي لاكتساب الهوية.

لكن الحيوية مفهوم غامض ومتغير خاصة مع تطور طب حديثي الولادة néonatologie، حيث يمكن الحفاظ على حياة الكثير من الأطفال الخدج -ولادة مبكرة- خارج الرحم، بالتالي يصبح الإجهاض غير مبرر كون الطفل غير محتاج لرحم الأم حصرًا.
ليس بغريب أن نتمكن مستقبلًا من استكمال جميع مراحل الحمل خارج جسم الأم. إذن هل سيصبح حينها الإجهاض غير أخلاقي؟

لقد لاحظت أن كل داعمي الإجهاض قد ولدوا بالفعل!.

-رونالد ريغان

أخيرًا اسمحوا لي أن أنبه الى اعتماد الكثير من الدول على النقاش أعلاه لتشريع أو تجريم الإجهاض، فمالطا مثلًا تحرم الإجهاض بحجة التلقيح أي اعتبار البيضة الملقحة شخصية قانونية أما بريطانيا فتعتمد في تشريعها الإجهاض إلى غاية الأسبوع 24 على معيار الحيوية.

رأي بيتر سينغر:

يجادل بينكر بأن الطفل حديث الولادة أنضج من الجنين لكنه لا يصل لمرتبة شخص، كونه فاقد لأساسيات الهوية (الوعي و العقلانية) بتعبير آخر؛ الولادة ليست كافية لتحقيق الشخصية!
هذا ما يفتح الباب لنوع من الوأد -قتل الأطفال- خاصة المصابين بعيوب خلقية مثل متلازمة داون.

بيتر سينغر، أخطر رجل حي في العالم ! صحيفة الغارديان

يمكن عرض واحدة من أقوى حجج النفعي بيتر كالآتي:

-لا يمتلك الجنين أي تصور عن ذاته وليس لديه أي طموح أو شعف للمستقبل. (لغياب تجربة ذاتية مستمرة خلال الزمن)
-هذا يعني افتقار الجنين لأي طموح في العيش.
-إذن الإجهاض مسموح أخلاقيًا.

ترتكز هذه الحجة لتبرير الإجهاض على انعدام رغبة الجنين في العيش لافتقاره لأي شكل من الطموح.
يتمثل النقد في كون الشخص النائم أو المريض في غيبوبة مؤقتة منعدم التصور عن ذاته وخالي من الطموح للمستقبل. إذن هل من الأخلاقي قتل جميع النائمين أو الغائبين عن الوعي؟

كذلك فإننا بالتأكيد لن نسمح بالقتل الرحيم لمريض بالاكتئاب أو الفصام لمجرد تصريحه بافتقاره للطموح في العيش، لأن الحسم يتطلب قرارًا واعيًا عقلانيًا ودائمًا، إذن مرض الاكتئاب يمنعنا من إنهاء حياة المكتئب على الرغم من افتقاره لأي شغف وطموح في العيش، لأن طموحه المثالي والطبيعي في حالة غياب “اعتلال الاكتئاب” هو الرغبة في الحياة.

بنفس الطريقة يجب أن نمنع الإجهاض بحجة أن الجنين لا يطمح في العيش، لأن الجنين كان ليطمح في العيش في حالة غياب اعتلال “نقص النموunderdevelopment، بتعبير أوضح الطموح المثالي والطبيعي في حالة غياب نقص النمو هو الرغبة في الحياة، لذلك يجب تجريم الإجهاض.

يرد بيتر بتعريف “الطموح المثالي أو الطبيعي” كونه حاصل مجموع الطموح الحالي “الأصلي” مع بعض التصحيحات في الأخطاء المحتملة.
تخيل معي شخصًا يطلب قنينة سم ليروي عطشه يظنها في قرارة نفسه قنينة ماء، طموحه المثالي هنا هو الماء لكنه مخطئ في تصوره لذلك وجب تصحيح تصوراته.
نفس الأمر بالنسبة للذين يؤثر المرض النفسي على تصوراتهم للواقع، لذلك وجب تصحيح هذه الرؤى قبل اتخاذ أي قرار ولهذا السبب يجب منع أغلب المصابين بالفصام من القتل الرحيم.

أما بخصوص الأجنة فالأمر مختلف تمامًا، لأنه لا وجود لطموح حالي أو أصلي أساسًا و هذا ما يجعل المقارنة فارغة! فالجنين عكس النيام أو المصابين بغيبوبة فاقد للطموح الأصلي في العيش ولا معنى لإضفاء أي نوع من الرغبة الإجبارية عليه، زيادة على أن نقص نمو الجنين لا يعتبر بالتعريف اعتلالًا مثل الاكتئاب، لذلك فالإجهاض ممكن.

تسمية الداعمين للحق في الحياة [pro-life] مضللة. أولئك الذين يحتجون على الإجهاض، لكنهم يتناولون بانتظام أجسام الدجاج والعجول يصعب عليهم الزعم أنهم مهتمون بالحياة عمومًا، لأن اهتمامهم بالأجنة حصًرا يشير إلى تحيز لحياة نوعنا البشري فقط!

-بيتر سينغر

ينتقد سينغر أيضًا وجهة النظر الكاثوليكية المتطرفة والتي تعتبر البيضة الملقحة كشخص كامل الحقوق القانونية وتبرر تحريم الإسقاط كونه إيذاء للجنين بمنعه من القدوم إلى الوجود، حيث يحيل إلى المراحل المتقدمة من الحمل أي بعد التخصيب بوقت قصير حين تنقسم البيضة إلى خليتين، أربع خلايا وهكذا… عند مرحلة محددة تتحول هذه الخلايا من جنين واحد إلى جنينين في حالة التوأم الحقيقي، إذن كيف يمكن لشخص أن يتحول إلى شخصين؟ و في أي وقت حدث ذلك؟ و هل يمكن اعتبار التوأمين شخصًا واحدًا لأنهما نتاج بيضة ملقحة حاملة لشخصية واحدة؟

                كيفية تشكل التوأم الحقيقي

يمكن القول في هذه الحالة أن الإجهاض ممكن لحين تمايز الخلايا لخلايا المشيمة، الجدار والأجنة.. أما بعد ذلك فهو غير متاح.
كذلك فإن الانقسامات الأولى للبيضة تنتج الخلايا متعددة القدرات totipotentes وهي نوع أساسي من الخلايا يمكنه أن يتحول إلى أي نوع آخر من الخلايا الخاصة، مما يعني أن خلية واحدة متعددة القدرات تكفي لتكوين جنين كامل.
وجود 8 خلايا متعددة القدرات يستلزم وجود 8 أشخاص محتملين! سيحرمون من مستقبلهم المحتمل بتحولهم طبيعيًا لشخص واحد!
هل يجب علينا فصلهم ثم زرع كل خلية في رحم خاص على حدة؟ هذه هي الطريقة الوحيدة لتجنب قتل 7 أشخاص محتملين!

  8 أشخاص أم 8 خلايا ؟

مراجعة حجة الحياة المحتملة:

يعتبرها البعض من أقوى الحجج المضادة والتي تنص على إمكانية استخلاص بعض الحقوق الآن من الحقوق المحتملة لاحقًا، عرضها:
-لكل الأشخاص الأبرياء الحق في العيش.
-لكل الأشخاص الأبرياء المحتملين الحق في العيش.
-الجنين شخص بريء محتمل.
-إذن للجنين الحق في العيش.
بتعبير آخر؛ الإجهاض يعني حرم الجنين من حياته ومستقبله المحتمل كشخص، إذن هو غير أخلاقي.

لكن إذا اعتبرنا احتمالية أن يصبح الجنين شخصًا سببًا كافيًا لتجريم الإجهاض فإن موانع الحمل تقوم بنفس الأمر، فإنهاء حياة الجنين تحرمه من حياته المحتملة بنفس طريقة حرمان موانع الحمل للأمشاج (النطاف والبويضات) من مستقبلهم كبيضة ملقحة فجنين ثم شخص. في هذه الحالة يمكن اعتبار استعمال مبيدات النطاف بمثابة مجزرة!

                  موانع الحمل

تستلزم هذه الحجة مباشرة تجريم موانع الحمل بل وأكثر من ذلك، اعتبار الامتناع عن ممارسة الجنس -بحكم أنك تحرم أولادك من حياتهم المحتملة- فعل غير أخلاقي!

نقد آخر؛ علي وباعتباره طبيب تعود إليه المسؤولية في اتخاذ قرار إدخال المريضى للعلاج داخل المستشفى من عدمه.
كان من المحتمل أن يكون علي طبيب و يتخذ هذه القرارات في السنوات التي سبقت حصوله على شهادة الطب، لكن هذا لا يعني أن لعلي القدرة على اتخاذ قرار إدخال المرضى للمستشفى كطبيب مستقبلي محتمل. أيضًا، يمتلك كل من الأكسجين و الهدروجين القدرة على تشكيل الماء، هل هذا يعني امتلاكهم لخصائص الماء المحتملة؟
هذه الانتقادات تبين مغالطة واعتباطية استخلاص الحقوق من الحقوق المحتملة.

جوديث تومسون وحجة عازف الكمان:

كما لاحظتم فإن كل النقد حتى الآن موجه للمسلمة (2) أي التشكيك في كون الجنين شخصًا كامل الحقوق، لكن للفيلسوفة تومسون رأي آخر، حيث قدمت في مقالها الأشهر “دفاع عن الإجهاض” حجج قوية تبين فيها أن الإجهاض مشروع بالرغم من اقتناعها بأحقية الجنين الأخلاقية في العيش، حيث عرضت حالات لا يعد مذنبًا من تسبب في وفاة شخص حين أمكن إنقاذه –عكس المسلمة(1)

حجة عازف الكمان : تعتبر من بين أشهر الحجج في الموضوع (مشاهدة فيديو توضيحي) :

فريق الإعداد

إعداد: عبد الباسط بلخضر

تدقيق لغوي: بيان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.