تأخذك إلى أعماق الفكر

الأسس الفلسفية للممارسات الطبية القديمة، كيف أرشدتنا الفلسفة إلى الطريق؟

لقد انعكس هذا التصور الفلسفي على الطب فغدت وظيفته محاكاة الطبيعة. ذلك لأن الطبيعة ليست سلبية، وهي واعية بدورها في مصارعة المرض مستعينةً في ذلك بالدواء الملائم للعضو العليل.

أما المبدأ الثالث المتعلق بمنهج المعرفة هو الفراسة، والفراسة هي استدلال الباطن من خلال الظاهر، اشتهر قديمًا عند العرب بالإضافة إلى ممارسات أخرى ذات طبيعة مشابهة وتعد جميعها حسب مفاهيمنا الحالية علمٌ زائِف فهي قائمة حسب كلام مؤيديها على الحَدس وتقتضي أولًا خبرة طويلة في الممارسة وثانيًا فطنة وبصيرة فذة تنفذ لباطن الأمور، لذلك فالطب الحديث يرفضها كما يرفض فكرة الغائية لأنها غير خاضعة للتجربة والاختبار ومنافية للتحليل أحد أهم خصائص الطب التجريبي ولا تحقق شروط المنهج العلمي الحديث . يقول كلود برنار مؤلف كتاب “المدخل إلى الطب التجريبي”:

“أنه ينبغي مقاومة فكرة تفوق الطبيب بضرب من الحدس والإلهام، ذلك أن فكرة كهذه غامضة لا تصمد أمام العلم والمروجين لها يسيئون إلى تقدم الطب لأنهم يبالغون في تقدير شخصية الطبيب ويبخسون من قيمة العلم”.

هكذا تتضح الجوانب المختلفة للنزعة الشمولية الكلية التي تشكل الإطار الفلسفي للنسق الطبي القديم، ولكي تتحد الصياغة مع المضمون كان لابد أن تتخذ الأحكام الطبية صيغة قضايا كاملة (وهذا السبب كما قلنا لتسميته “طب الكليات”). ولتطبيق هذه القواعد الكلية اتخذ الأطباء الوسيلة المنطقية القديمة وهي القياس أو الاستنباط. لقد كان القياس شائِعًا بين اليونان قبل أرسطو ولكن ينسب لأرسطو تقنينه. أوضح أرسطو أنه لوضع أي استنتاج منطقي لابد من توفر مقدمة كبرى تكون عمومية شاملة ومقدمة صغرى خاصة بالموضوع قيد الدراسة وينتج عن كِلا المقدمتين النتيجة. فمثلًا إذا كانت المقدمة الكبرى أن الإنسان حيوان ناطق، والمقدمة الصغرى أن فلان إنسان تصبح النتيجة: فلان حيوان ناطق. انتقلت هذه الطريقة في الاستنتاج إلى الممارسات الطبية وسادت الفكر في العصر القروسطي حتى ظهور فكرة الاستقراء بواسطة السير فرانسيس بيكون (1561 – 1626م) لتحكم المنطق الحديث حتى عصرنا الحاضر.

لقد أوضح أبقراط أن القياس هو المحاكاة أي محاكاة الطبيب لعمل الطبيعة فالمقدمة الكبرى في جميع الممارسات الطبية هي أن الطبيعة البشرية تعمل على الإبقاء على ما هو نافع وإخراج ماهو ضار، ووظيفة الطبيب محاكاتها في الممارسة الطبية ومن ناحية أخرى يستفاد من هذه المقدمة في تشخيص الأمراض حسب طبيعة الخارج من الجسم، وهذا السبب الذي جعل جالينوس يقول بوجوب أن يكون الطبيب فيلسوفًا عارفًا بأساليب القياس والمنطق وطرق أرسطو ليصل إلى التشخيص الملائم.

مثلًا في حالة القيء الدموي يكون الخارج من الجسم هنا (الدم) نافع أي أنه عكس عمل الطبيعة فيتم تشخيص الحالة بأنها مرضية. أو مثلًا كان الطبيب سابقًا يستفرغ الصديد من الدمامل والأورام بعد أن تنضج مما يؤدي إلى إطالة زمن المرض لأنه في ذلك يحاكي عمل الطبيعة التي تتمكن من الدفع التام بعد النضج لأن رقة المواد مانعة من سهولة خروجها.

إعلان

من ناحية أخرى فإن الأساس الفلسفي للطب الصيني هو إصلاح الخلل في الطاقة الحيوية (التي تقابل فكرة الطبيعة لدى اليونان) التي تسري في الجسم حيث أن تنظيم انسياب هذه الطاقة يعيد للجسم عافيته. تسود الفكر الصيني عمومًا فلسفة قائلة إن العالم يتكون من قوتين متعارضتين: قوة موجبة (اليانغ) وسالبة (الين) في ضوئهما تفسر جميع ظواهر الكون والإنسان، حيث تسري كلا القوتين في إيقاع منتظم داخل الجسم خلال مسارات محددة، فإن ازدادت القوة الموجبة أدى ذلك إلى ارتفاع درجة الحرارة والآلام الحادة، أما إن ازدادت السالبة خارت قوى الإنسان. ويساعد الوخز بالأبر على إعادة التوازن بين القوتين وبالتالي يستعيد الجسم عافيته. أي أن العلاج هنا يهدف إلى استعادة الصحة للجسم ككل بدلًا من العضو المصاب فقط وهذا ناتج عن النظرة الواحدية أو الكلية التي سادت تلك الفترة كما جرى إيضاحه.

ولكن ينبغي أن نذكر أنه وعلى الرغم من الطابع الإيجابي للطبيعة فلها دور أيضًا في الأمراض وأثر سلبي على صحة الإنسان حيث أن الأبدان على حد تعبير أبقراط تتغير بتغير البلدان والأهوية والمياه فعلى الطبيب أن يحذر تقلباتها كما أن الأمزجة تختلف باختلاف فصول السنة مما يؤدي إلى وجود أمراض تكون شائعة خلال فصول معينة وتختفي أو تقل خلال فصول أخرى وهذا أحد الاستنتاجات التي لا تزال قائمة إلى اليوم ورُبما يعد صورة بدائية للتأثير الأيكولوجي على الإنسان. وسنقتصر بالكلام عن هذا التأثير  على نظرية ابن خلدون حيث يوضح في مقدمته أن الأمراض تكثر بين سكان الحضر أكثر منها بين البدو ويفسر هذه الظاهرة؛ بسبب خصب عيش الحضر وكثرة مأكلهم وقلة اقتصارهم على نوع واحد من الأغذية وعدم توقيهم لتناولها وفساد أهويتهم، أما البدو فمأكولهم قليل في الغالب، يغلب عليهم الجوع حتى صار لهم عادة ولا يعالجون غذائهم بالتوابل فذلك ما تدعو إليه ترف الحضارة، إنما أغذيتهم بسيطة مما يقارب مزاجها من ملائمة البدن، أما أهويتهم فقليلة العفن لقلة الرطوبات إن كانوا مقيمين أو لاختلاف الأهوية إن كانوا رُحل، ولهذا لا يوجد طبيب في البادية إذ لو احتيج إليه لوجد. ويؤكد ابن خلدون نظريته أيضًا بعامل آخر فسيولوجي لسنا بصدد بيانه الآن.

لقد استمرت هذه الأسس الفلسفية بالتحكم في المناهج الطبية خلال العصر القروسطي وحتى بزوغ العصر الحديث حيث برزت الفكرة القائلة أن منطق القياس عقيم ولا يؤدي إلى جديد مع ظهور طرق جديدة في الفلسفة أدت إلى صياغة مختلفة للمنهج العلمي لتبدأ الممارسات الطبية في أخذ نحوًا آخر يعتمد على الملاحظة الحسية والتحليل قبل كل شيء ليبدأ الطب الحديث من النقاط التي توقف عندها الطب القديم ويحقق نهضة علمية تعد بحق أحد أهم منجزات الحضارة الإنسانية.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: القاسم محمد

تدقيق لغوي: حسن أحمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.