تأخذك إلى أعماق الفكر

اعتراف فتجنشتاين: فلسفة فتجنشتاين التصوفيّة

اعترافُ فتجنشتاين : فلسفة فتجنشتاين التصوفيّة.

تمامًا مثل سقراط، عَرَف فتجنشتاين أنَّ الصدق مع النفس هو الفعل الأكثر فلسفيّةً على الإطلاق.

“لقد أتيت لتقديم اعتراف”.

كان ذلك عام 1937، عندما وصل فتجنشتاين لمنزل معلّمته الروسيّة فانيا باسكال في كامبريدج. حيثُ أراد الاعتراف بواقعةٍ أرّقت ضميره لأكثر من عقد.

الاعترافُ، كما يعلم معظمنا، يتطلب الشجاعة، خاصةً عندما ينطوي اعترافك على صفة سيئة أو سلوك مؤسف. إنَّه يجبرنا على مواجهة أشياء نُخفيها عن أنفسنا فلا نواجه بها أنفسنا ونُخفيها عن الآخرين. مواجهة زيف وخداع النفس يتطلب تغييرًا ذاتيًا وجذريًا.

إنّ فيتغنشتاين الذي يعدّه كثيرون أعظم فيلسوف في القَرن العشرين، شخص صادِق للغاية وينزعُ للنقد الشديد لذاته، بحسب الكثير من الروايات. إنَّه رجل قضى معظم حياته في صراع وحرب ضروس مع نفسه. وبذلك، فإنّه ليس بالأمر الغريب أن يرى فتجنشتاين الاعتراف والصدق مع النفس على أنها أكثر الأعمال فلسفيّةً وسبيلًا للتخلص من خداع الشخص لنفسه.

إعلان

على الرغم من إثراء وإلهام فتجنشتاين للتاريخ الفكريّ والفلسفيّ، لايزال يُصنف كشخصية غامضة. ولكن بعض النقاط عن حياته في هذا المقال قد تكون مفيدة. في عام 1919، مباشرةً بعد خروجه من الجيش النمساوي- الهنغاري، اتَّجه إلى العمل مُدرِسًا في مدرسة ابتدائية. مُتأثِرًا بنظرة ليو تولستوي الرومانسية في تحسين الذات وتهذيبها، ثم ترك المُدُن وذهبَ للتدريس في القرى الريفية المتواضعة في جبال فيينا.

في العديد من المناسبات في الثلاثينات من القرن العشرين، قام فتجنشتاين بتقديم اعترافات لأصدقائه وعائلته من خلال رسائل مكتوبة أو وجهًا لوجه. في قصةٍ تذكرنا باعتراف جان جاك روسو بالشريط المسروق، طلب فتجنشتايـن رؤية فانيا باسكال بسرعة لحاجةٍ ملحة للبوح باعترافه لها بأنَّه خلال فترة تدريسه في منطقة اوتيرثال، ضرب طالبة ضربًا شديدًا لأنها أساءت التصرف. وعند استجوابه من مدير المدرسة رفض فيتغنشتاين هذا الاتّهام في حضور التلميذة التي ضربها، هكذا تتذكر باسكال الأحداث.

عبّر راي مونك، مؤلف كتاب “فتجنشتين : واجب العبقرية“، عن شكوكه حول رواية باسكال للأحداث. ويشير راي مونك إلى ما يعتقده مصدرًا أكثر موثوقية لحادثة منفصلة عن حادثة اوتيرثال؛ هذا المصدر هو رولاند هات، صديقُ فتجنشتاين.

يذكُر رولاند هات أن فتجنشتاين ارتكب شهادة زور في المحكمة، بإنكاره الاتّهامات الموجهة له نتيجة حادثة الطالب هايد باور في عام 1926. سقط ذلك الشاب أرضًا وفقدَ وعيه نتيجة ضرب فتجنشتايـن له، عندها قام فيتغنشتاين بإرسال الطلبة لمنازلهم، وحمل هايد باور لمكتب المدير ليطَّلع عليه الطبيب وهربَ بعدها. تمَّت تبرئة فتجنشتاين، حيثُ دافع أصدقاؤه عنه، وطُلب منه مواصلة التدريس. ولكن هذه الحادثة هي التي عملت على إنهاء عمله كمُدرس، فلم يعد يشعر بعد بقدرته على الاستمرار في هذه المهنة. مهما كانت الحادثة التي اعترف بها فتجنشتاين، يبدو أنَّ الذي كان يثقل ضميره أكثر هو عدم صدقه مع ذاته وليس عنفه.

وفي حديثه عن اعترافاته، كتب في عام 1937 :” في العام الماضي استجمعت قواي وأدليت باعتراف. هذا جعلني على مياه أكثر استقرارًا، لكن الآن أنا أقترب من مياهي المضطربة من جديد. أنا جبان، إذا لم أقم بتصحيح ذلك، سأعود من جديد لمياهي المضطربة.”

الفيلسوف رايس ريش في كتابه “ذكريات شخصية لفتجنشتاين من قِبَل باسكال وآخرون مقربون منه”، يُفسرُ عبارة “جبان أبعد من القياس” كإشارة إلى المعاناة والصعوبة التي يواجهها فتجنشتاين في الاعتراف بخداعه الذاتي بسبب فشل الإرادة التي يمكن التغطية عليها ومواجهتها بالشجاعة فقط. على حد تعبير راي مونك فإنَّ التخلص من الخداع الذاتي عبارة عن شخص يقوم بعملية جراحية لنفسه. بهذه العبارة نفهم حجم الشجاعة المطلوبة عند فيتغنشتاين للاعتراف والتخلص من خداعه لنفسه. يرى فيتغنشتاين عدم أمانته اتّجاه الآخرين كعدم أمانته مع نفسه.

وفي هذه الذكريات يتذكر ريز أنَّ فتجنشتاين كان دائم القلق. وشبّهه في طريقته الشديدة في نقد نفسه ومحاسبتها بالوحش.
هذا النقد يستدعي نقاشًا حول أصالة الفيلسوف في كتاب “حوار فيدروس” لأفلاطون. يعترفُ سقراط أنَّه فشل في تنفيذ كلمات دلفيك “اعرفْ نفسك”، وتلك الكلمات قادَت سقراط إلى طريق البحث الفلسفيّ. يقول سقراط:

“من السخف التفكير في العالم والكائنات الأخرى وأنا ما زلت جاهلاً بنفسي.”

كانت حرب فتجنشتاين الضروس مع نفسه، مثل سعي دلفيك لفهم الذات، وكل هذا سعي وراء الأصالة والحقيقة.

يتفق فتجنشتاين مع سقراط في أنَّ الفلسفة على الأقل هي ممارسة الصدق مع الذات كمسعى وسياق فكري. في كتابه الذي نُشر باسم “الثقافة والقيمة” والذي كان عبارة عن مجموعة من الشذرات الفكريّة، كتب فتجنشتايـن “أنّ الصعوبة في الفلسفة تكمن في الإرادة وليس الفكر”، وهذا ما ينطبق بالتحديد على القدرة على الاعتراف كما يرى فتجنشتايـن. لم يكن فتجنشتايـن يفتقر للبصيرة والذكاء لتعيين موقع إخفاقاته وتحديدها، وكما يقول عنه ريز: “الصعوبة التي واجهها هي في محاولة إدراكه ووصوله لشخصيته الحقيقيّة والتخلص من شخصيته المزيفّة.”

الاعترافُ بالخطأ لا يشكل مصدر قلق فتجنشتاين الرئيس. كانت مخاوفه تنبع من عدم قدرته على الخروج من ذاته المزيفة. كان فتجنشتاين قاسيًا على نفسه ومطالبه عالية وصعبة. خلال اعترافه لفانيا باسكال قالت له: “ما هذا؟ هل تريد أن تكون مثاليًا؟”، أجاب بفخر :”بالطبع أريد أن أكون مثاليًا!”.

رأى فتجنشتاين الفلسفة بطريقة زهدية، حيثُ كتب في عام 1931: “أن الفلسفة في الواقع هي العمل على الذات”. يكتب ريز أنَّ فتجنشتاين عبَّرَ في كثير من الرسائل أنَّه يريد التخلص من ذاته المزيفة، ليقوده ذلك إلى حياة جديدة. لقد كان هدفه أن يكون شخصًا جديدًا مثاليًا.

يبدو أنَّ من الأفضل فَهم اعتراف فتجنشتاين على أنه جزء من الوسائل الروحيّة لتنمية الذات وتهذيبها. لقد تأثر فتجنشتاين بشدة بتولستوي والقديس أوغسطين. كانت الغاية من اعترافات أوغسطين وتولستوي ومواجهتهما لنفسيهما تمامًا مثل غاية فتجنشتاين وهي تحسين الذات وتهذيبها ومحاسبتها والكف عن الذنب.

تعودُ رغبة فـتجنشتاين في التحسين من ذاته وتهذيبها إلى أيام عمله في الجيش. يذكر ريز أن فيتغنشتاين كان يُعَرِّض نفسه لمواقف وينخرط بالأنشطة التي تدفعه لمواجهة نفسه وفهمها، مواقف تحتاج لكثير من الشجاعة. طلب فتجنشتاين عام 1916 أحد أكثر الأدوار خطورة في الجيش وهو موقع المراقبة الأمامية. تلك المواقف تتطلب الشجاعة والانضباط الذاتي الشديدين وهما معياران اعتبرهما فتجنشتاين وسائلَ للهروب والتخلص من خداع الذات.

كان فتجنشتاين يستمتع بمعرفة أنَّه في كل ليلة كان يحظى بفرصةٍ جيدة للموت. في عام 1916 كتب :”بالأمس كانت النار داخلي. كنت خائفًا! كنت خائفًا من الموت.” لدي الآن رغبة في العيش. كما كتب في مذكّراته الحربيّة “الموت فقط هو ما يعطي الحياة معناها”.

من الصعب التعامل مع شخصية فتجنشتاين تمامًا كفلسفته. ولطالما شعر تلاميذه بريبةٍ شديدةٍ عند ادّعاء أي شخص فهم أستاذهم. لكن هناك أمر واحد يمكننا فهمه حول فتجنشتايـن وهو أنَّه تاقَ لتغيير نفسه، ورأى الاعتراف وسيلةً لتحقيق هذا.

كتب فتجنشتاين في عام 1938 : “ليس هناك ما هو صعب أكثر من تجنّب خداع النفس.”، حيثُ أنَّ رؤيته للذات الأصيلة أو الحقيقية ربما لا يمكن الوصول إليها. تمامًا مثل نماذج الأصالة عند كيركغارد ونيتشه.

غالبًا ما يُنظر للأصالة عبر تاريخ الفلسفة على أنَّها مثالية يجب أنْ نتطلع إليها، لكن هذا لا يمنع أن يكون التطلع إليها وسيلة مفيدة لتهذيب الذات وتحسينها. يمكن للاعتراف أن يساعد في إزالة العقبات التي تقف في طريق الوصول لذواتنا الحقيقة والأصيلة.

إذا كان ذلك ساعد فتجنشتاين لمواجهة نفسه بشجاعة، فقد يساعدنا ذلك أيضًا.

فريق الإعداد

إعداد: مروان محمود

تدقيق لغوي: ضحى حمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
مصدر مصدر الترجمة
تعليقات
جاري التحميل...