تأخذك إلى أعماق الفكر

استهلالٌ في الهُوِيّة والفن والجمال

وهنا لسنا في حاجة لتوضيح أن تلك التيارات والعقائد الفنية التشكيلية واكبت حقبًا بعينها، أفرزتها وضمّختها بخصوصياتها ومواصفاتها؛ وبالتالي وهبتها “هُوية تيارية” تتمايز بها. وعليه، فالفنان نفسه اصطبغ بتلك الهوية، وارتبط بها انتماؤه التشكيلي والجمالي. لكن، وبالرغم هذا وذاك، فالفنان يتفرد ويتميز -بشكل ما- ضمن هوية تياره، وذلك عبر خصوصياته التشكيلية الذاتية والروحية والفكرية، وبما استحصله من تجربته المجالية. وبالتالي، كأنما الفنان بلور توقيعًا تشكيليًا تعريفيًا يضخه في متون مشغولاته ومنجزاته الإبداعية.. فاللوحة السريالية، على سبيل المثال، تختلف عن الرومانسية وعن الانطباعية، لكن، في الوقت نفسه، سريالية الفنان دالي تتباين مع الفنانين روني ماغريت وماكس إرنست (هذا يفصح عن أن لكل فنان “هوية خاصة”، وأثره التشكيلي المخصوص)، لكن، في نفس المضمار، هناك أعمال فنانين كثيرة تتشابه وتتماهى على غرار تناص أدبي.. إذ قد يصعب أحيانًا التمييز بين لوحات للفنانيْن: بابلو بيكاسو وجورج براك..

الممارسة الإبداعية التشكيلية في شكلها الحديث في العالم العربي، مطبوخة بوصفة الفنون الغربية وما تزال.. يُسِر التاريخ بأن إبان الاحتلال الأجنبي للدول العربية، القادم من خلف البحار، صاحب معه المحتل ثقافته وفنه وتقاليده وأزياءه.. وذكاءه. فحصل، كما يحصل دائمًا وأبدًا مع الاستعمار، زرْعُ الوافدين أرض الحلول، قبل الرحيل، ببذور ذاتهم الثقافية والفنية… إلخ. ولقد أثمرت بذرة الفن الوافد بما صار عليه فننا التشكيلي في عالمنا العربي.. فهكذا وعلى هذه الشاكلة ” انطلقت نشأة “الفن الحديث العربي” في مجمله؛ فأصبح الفنان يستقي روح منجزه ومشغولاته الإبداعية الفنية من “استتيكا التقاليد الفنية الغربية”، وإن كان هناك تباينات في الموضوع والتخييل والشكل، غير أن أس المنطلقات الفلسفية والتمثل الجمالي يُمتحان من قلب براديغم ذاك الفن الوافد. أحيانًا، هنا وهناك، ضمن هذا المتن المستعار، يمكن تحسس إرهاصات جمالية تومئ للفنون الشعبية والمعمارية المحلية، رغم اجتهاد المستعمر الحثيث في إخصاء روحها النابضة وطمس ملامحها. ( يبقى تاريخ نشأة الفن الحديث العربي يمثل إشكالًا ما يزال غامض التحديد والإحاطة، متشابك المنطلقات والمخرجات؛ لقلة المتون التوثيقية التأريخية المتخصصة، فالموضوع يحتاج إلى تمحيص وتجرد بحثي دقيق..)

انطلاقًا من فترة الستينات والسبعينات، الكثير من الفنانين ونقاد الفن والأدباء العرب، أمثال: فائق حسن وشاكر حسن آل سعيد من العراق، محمود مختار من مصر.. الناقد والأديب جبرا إبراهيم جبرا… إلخ، (وأغلب هؤلاء، فنانون رواد من مخضرمين ومحدثين، كانوا تكونوا في المدارس والمعاهد الفنية الأوربية..) انبعث لديهم وعي قومي عروبي احتجاجي، يَتهم بالشبهة والالتباس تلك الممارسة التشكيلية بخصوص هويتها وأصالتها.. (“جماعة البعد الواحد”- نمودجا). فسالت الأحبار في كل مكان يمر منه التشكيل، واحتدمت النقاشات في المؤتمرات والمناظرات على امتداد القطر العربي حول إشكالية الاغتراب الثقافي والتراث والأصالة والمعاصرة.. ووقّعت اللوحة الحروفية وقتها مجدها وطليعيتها في المشهد التشكيلي العربي..

لكن، ومهما يكن من أمر، هناك سؤال ما يزال قائمًا مستميتًا ساري المفعول ولو في خفوت: “هل يكفيك أن تتزيَّا بلباس الأبطال لتكون بطلًا؟”، فيجيب عنه تساؤل يناصبه: “أفي التأسي بثقافات الآخرين والاستفادة من فنونهم وتجاربهم، ضير؟ أليس بالتلاقح الحضاري تتطور الشعوب؟!”..

الفن لا يقبل أن يقوم على الزيف والريبة والانتحال؛ فذلك يكسر أنيابه، وينتزع منه مخالبه، ويجعله قليل الجدوى، حينئذ يتخنث الفن ويتلاشى تمرده وعنفوانه، ويجف نسغ فاعليته وتفاعله وجرأته، ليتحول، نهاية، إلى نوع من “سيمولاكر” فني زائف أجوف، هجينًا فاقدًا لفطرة التبرعم والإنبات والنمو والإثمار، مثلما بذرة عقيمة لا تنتج سوى عقم وبوار.. بالقدر الذي يقوم فن ما بانتحال فن آخر، يستنسخ معالمه ويتسربل بماهيته؛ يكون قد دخل دورة مواته وأطلق عدّها العكسي، وأوصد دونه ممكنات أن يتجدد ويجدد، يتطور ويطور، وأن يبعث من حوله الحياة والسعادة، يستخرجهما من هذا الخراب الوجودي الإنساني.

إعلان

أن ينحت الفنان على منوال فنان آخر وينتحل أسلوبه، فلا غرو أنه يفرغ الإبداع  كله من روحه ومعناه، ويخون، وينخرط، هكذا، في تزييف وتدليس فني يسمم الأذواق والآفاق، مثلما يفعل وباء. مصير ذلك ومنتهاه، انحطاطٌ وتخريبٌ للعملية الإبداعية من أساسها، ولو بعد حين.. فمن المحال أن  نبني مجدًا تشكيليًا أصيلًا باستنساخ وتقليد الآخرين، وإعادة تدوير فنونهم واجترار تياراتهم. بيد أن المفروض أن يكون لكل قدَره الفني المخصوص.

مع العولمة والذكاءات الرقمية لم يعد هناك اليوم، مثلما كان، حاجز جغرافي أو “ثقافي شوفيني” يحول دون تواصل مباشر حي بين الشعوب والثقافات والفنون والعلوم والعقائد… إلى غير ذلك. وبالتالي، ليتبلور مفهوم “الكونية” و”الهوية العالمية الواحدة” فتتوحد المفاهيم والتوجهات العلمية، بعدما سال العلم وفاضت المعرفة والفكر منهمرين من كل حدب وصوب على المعمورة برمتها، والكل يتسلل عبر الهواء والضوء من خلال: الصورة الافتراضية، الصوتيات، الإرسال الحي، العروض والاستطلاعات الآنية… إلخ، جارفين معهم الحدود والمتاريس والعوائق.. وبالتالي يبدو من الصعب على الهويات المحلية والوطنية أن تصمد أمام هذا الاكتساح المعرفي الهادر..

قد لا يكون هناك من طائل في استثارة قضية الهويات (وضمنها الهوية التشكيلية)، وبالتالي الاستدراج للسقوط في فخ زئبقية موضوعيتها وجدواها، في ضوء هذا الانصهار والتمازج الحضاري الكوني الجارف.. والحال كذلك، يتبدى من أن تلك “الهوية الموحدة، المهيمنة كونيًا” لن يشكلها ويصوغها سوى ذاك الأقوى، من له الصدارة الحضارية في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والسياسة، إلى غير ذلك.. وسيشيدها على مقاس “مصالحه ومنافعه القومية”. وقد أثار هذا المآل ابن خلدون مشيرًا إلى أن: “المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب، في شعاره وزيه ونحلته، وسائر أحواله وعوائده”.. ولن يكون بإمكان الفن، عمومًا، الخروج عن قدر هذا المصير. وبالتالي، قد لا يفيد في شيء، على الأقل في المدى القريب، أن نخوض في إشكالية الهويات، متمترسين خلف التحيزات المتشددة، والتموقعات الفكرية والمعرفية المنغلقة.. لكن في الوقت ذاته، تبقى التكهنات والاحتمالات المستقبلية مفتوحة على كل المخرجات والمفاجآت “المعكوسة”، حتى التي قد تُرجعنا القهقرى إلى تلك التطرفات الهوياتية والتعصبات القومية، كعودة النازية الجديدة التي تتراءى أحيانًا، هنا وهناك، في صور تتسم بالعنف والكراهية وتتزيا بالتطرف، عنف جنوني تقوده وتذكي سعيره التجمعات العنصرية على امتداد العواصم والقارات..

رجج الفن المعاصر تلك النظريات والمفهومات التقليدية التي قام عليها الفن التشكيلي وقوض أشكال ممارساته، مستحدثًا غيرها “براديغمًا” إبداعيًا قطع مع الماضي نهائيًا. فأضحت الفكرة السابقة عن الفنان والفن والمفنون -بمعناها الجمالي والتقني والممارساتي- لاغية من أساسها، على حساب الفكرة والمعنى، وحِدّة وقوة الاستفزاز فيهما. هكذا تشكلت ممارسة “إبداعية تشكيلية جديدة” مفتوحة على الإبداعات التشكيلية الإنسانية برمتها دونما قيد انتقائي. ولم يعد هناك -على الأقل في المنحى التعريفي للفنان المعاصر- من اشتراطات معيارية مخصوصة تقتضيها مشروعية “أن تكون فنانًا”، أي تلك التي تتعلق بالتقنية والموهبة والتكوين التخصصي… إلخ؛ بل أصبح اشتغال الفنان مُنصَبًّا بالأساس على إبداع وابتكار الفكرة وتأطيرها، ليتحول المصوغ الفني منطلَقًا لاستثارة التفلسف والمقاربات الفكرية والثقافية والافتجاء.. وبالتالي، تمأسس نمط جديد متفرد لممارسة الإبداع ضمن سياق سوسيولوجي فني حديث، يستمد اقتضاء أهليته وجدواه من طبيعة مجتمعنا المعاصر ذي الأبعاد المعرفية والحضارية الكونية، مجتمع علومي “رقمي ذكائي”، يمتح ديناميته الوجودية وديمومتها التطورية من رهانات تنبني منطلقاتها على التحدي والمغامرة والخيال والصدفة، كما تقويض البديهي واليقينيات والمعتق.. وبالتالي، انشرم مسار الفن ومصيره إلى شطرين: فن حداثي يتوارى راحلًا في تشيّخ وتوهن. مآله، حتما، إلى زوال ورماد، لينتهي، ولو بعد حين، إلى حكي ماضوي تاريخي ومنقلب متحفي. وفن معاصر فتِيّ انفلق للتو صبحه، طازجًا فاتنًا جذّابًا، معلنًا عن صيرورة ومصير جديد للإبداع لم يعهده التلقي “الجمالي” الإنساني من قبل.. إنه انبعاث، من جديد، لذلك “السؤال الإشكالية الأبدي” المستغلق عن القطع في الإجابة: “ما الفن؟ ولم؟ وكيف؟”.

الفن المعاصر أذاب هويات التشكيل صهارة في شرنقة من زجاج شفيف، لا أصل لها ولا نعت، حيث كل شيء يُرى من خلالها هلاميًّا بلا معالم.. “أرواح متعددة تنطمس في روح واحدة، نزقة طياشة متحيرة”.. هي هوية، كل الألوان لباس لها، هوية محتدمة بنزعة “الزائلية والعابرية”..

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد كريش

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.